ثقافة

مكتبةُ هاسكِل: صِرَاعُ السِّيادة على حُدودِ الثَّقافة

إغلاقُ المدخلِ الأَمرِيكيِّ لمكتبَة هاسكِل اعتِبَارًا من 1 أُكتُوبر 2025 بِسببِ مخاوِفَ أَمنيَّة واستغلالٍ مُحتملٍ بعد 121 عامًا منَ التَّآخي الثَّقافيِّ على الحُدود الكنديَّة - الأَمرِيكيَّة

في عالمٍ تمزقه النزاعات، ويزداد فيه الخط الفاصل بين “الأمن” و”الحريات” تداخلاً وارتباكاً، تتجه الأنظار إلى ركن صغير من أمريكا الشمالية حيث يشهد رمز نادر للوحدة الثقافية العابرة للحدود تحوّلًا غير مسبوق في طبيعته ووظيفته. مكتبة ودار أوبرا هاسكل، التي ظلت لأكثر من قرن قائمة حرفيًا فوق الخط الفاصل بين كندا والولايات المتحدة، تتحول اليوم من معلم ثقافي إلى جبهة صراع دبلوماسي وأمني. فاعتبارًا من 1 أكتوبر 2025، سيتم إغلاق المدخل الأمريكي بالكامل أمام الزوار الكنديين، حتى أولئك الذين اعتادوا دخولها بحرية عبر عتبة سلام لم تعرف جمارك ولا أسلاكًا شائكة.

تأتي هذه الخطوة بعد قرار أحادي من وزارة الأمن الداخلي الأمريكية، بررته بـ “مخاوف أمنية” من استغلال المبنى كمنفذ للتهريب غير الشرعي. ومنذ ربيع 2025، سُمح فقط لحاملي بطاقات المكتبة بالدخول عبر الباب الأمريكي، على أن يُمنع الجميع نهائيًا اعتبارًا من أكتوبر ما لم يعبروا من نقطة تفتيش رسمية. القرار صدم مجتمع ستانستيد الكندي وديربي لاين الأمريكي، إذ يُنهي اتفاقًا عرفيًا دام لعقود، سمح بدخول آمن وبسيط للمواطنين الكنديين إلى مساحة ثقافية مشتركة، في واحدة من أغرب حالات التعايش الحدودي في العالم.

طفلة صغيرة تقرأ على طول الخط الحدودي الدولي بين كندا والولايات المتحدة داخل مكتبة ودار أوبرا هاسكل في ديربي لاين، فيرمونت، يوم 21 مارس 2025 – الصورة لـ ذا كنديان برس عبر أسوشيتد برس | ذا غوارديـان

السلطات الأمريكية تحدثت عن “ثغرة أمنية” يتم استغلالها، مشيرة إلى تحقيقات سابقة في نشاطات تهريب محتملة، من بينها حالات مرتبطة بالمخدرات والمهاجرين غير النظاميين. إلا أن هذه التبريرات وُوجهت بانتقادات واسعة النطاق، خاصة من سكان المنطقة والمسؤولين المحليين، الذين اعتبروا القرار عقابًا جماعيًا على احتمالات غير مثبتة. إذ لطالما عُرفت المكتبة بكونها خاضعة لمراقبة دقيقة وذات سجل نظيف من أي خروقات أمنية جدية.

الرد الكندي جاء سريعًا، حيث عبّرت المديرة سيلفي بودرو عن أسفها العميق، معتبرة القرار إنهاءً غير مبرر لقرن من الثقة. أما عمدة ستانستيد فقد وصف ما يحدث بأنه “نكسة رمزية تُعيد بناء الجدران داخل العقول بعد أن أزلناها من الجغرافيا”. ولم يكن الجانب الأمريكي موحدًا بدوره، فقد أدان السيناتور الديمقراطي بيتر ويلش القرار، مؤكدًا أن فيرمونت ترى في هذه المكتبة “شراكة ثقافية، لا نقطة حدودية”، داعيًا لإيجاد حلول تحفظ الأمن دون تدمير رمز تاريخي فريد.

المقيمة المحلية مانون فلوري (يسار) تتحدث مع عمدة ستانستيد، جودي ستون، أثناء تجمع عدد من الأشخاص أمام مكتبة ودار أوبرا هاسكل احتجاجًا على السياسة الأمريكية الجديدة التي تُغلق الوصول إلى المكتبة من الجانب الأمريكي – الصورة لـ مونتريال غازيت عبر موقع بيتر ويـلش

في ظل غياب حل رسمي، أطلقت المكتبة حملة تمويل جماعي لتحويل مخرج الطوارئ الكندي إلى مدخل مستقل قانوني، وقد جمعت الحملة أكثر من 300 ألف دولار كندي، بينها تبرع كبير من المؤلفة الكندية الشهيرة لويز بيني. المشروع المزمع تنفيذه يتضمن بوابة جديدة وممرًا آمنًا يربط الجانب الكندي بالمكتبة مباشرة دون الحاجة للعبور من الأراضي الأمريكية. يُرتقب الانتهاء من هذا المشروع قبل أكتوبر، لتوفير ممر قانوني للكنديين، لكنه يبقى حلاً اضطراريًا يعكس خللًا أعمق في التوازن الحدودي.

المفارقة أن قرار الإغلاق لم يأتِ في سياق عسكري أو أمني حاد، بل في إطار تصعيد سياسي تدريجي تزايدت وتيرته مع عودة الخطاب القومي في واشنطن. تصريحات مثيرة للجدل من مسؤولين أمريكيين تحدثت عن “إمكانية انضمام كندا كولاية 51 للولايات المتحدة”، ما اعتبره محللون محاولة لاستفزاز الشارع الكندي وفرض رؤية أمريكية على مفاصل السيادة الناعمة. وهنا، تحوّلت مكتبة هاسكل من دار أوبرا وحدود مرسومة على أرضية خشبية إلى منصة صراع سيادي على من يملك الحق في رسم الحدود، حتى في سياق الثقافة والفن.

في لحظة من التاريخ تبرز مكتبة هاسكل كواحدة من أغرب التحف الثقافية والجغرافية في العالم: مبنى كلاسيكي من أوائل القرن العشرين بُني ليكون جسراً بين دولتين، حيث يمر الخط الحدودي حرفيًا عبر أرضيته، ويُقسم بين ديربي لاين في ولاية فيرمونت الأمريكية وستانستيد في كيبيك الكندية. داخل هذا الصرح، لا تُقرأ الكتب فقط، بل تعاش تجربة وجودية فريدة تسمح للزوار بعبور الحدود دوليًا دون الحاجة إلى جواز سفر، وسط جو من الاحترام والتعاون.

هذه المكتبة ليست مجرد مساحة للكتب والمسرح؛ إنها رمز حي لوحدة ثقافية استثنائية تتحدى مفاهيم السيادة الوطنية التقليدية. ومع ذلك، يبدو أن هذا الرمز أصبح اليوم عرضة للانكسار بفعل سياسات الأمن والحدود التي تفرضها أجواء السياسة الكبرى.

وسط هذا الواقع المتشابك، تُطرح أسئلة مصيرية: هل يمكن للضرورات الأمنية أن تبرّر تفكيك رموز إنسانية وثقافية استثنائية؟ وهل أصبح من المقبول أن تتحوّل المؤسسات الفكرية إلى رهائن لحسابات سياسية وحدودية؟ في غياب التوافق، تبقى مكتبة هاسكل واقفة في المنتصف، لا كمعبر حدودي، بل كمرآة مشروخة لمرحلة تاريخية تتراجع فيها جسور الثقة أمام جدران السيادة.

خط مرسوم على أرضية مكتبة ودار أوبرا هاسكل في ستانستيد، كيبيك، يُظهر الحدود بين كندا والولايات المتحدة. وقد بُنيت المكتبة عام 1904، وتقوم فعليًا على جانبي الحدود في ستانستيد، كيبيك، وديربي لاين، فيرمونت، وظلت لفترة طويلة رمزًا للانسجام بين البلدين – الصورة لـ ذا كنديان برس عبر سي تي في نيوز

 

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل