ثقافة

معرضُ فلسطين في وينيبيغ: صدى الذّاكرة وهواجس الهُويّة من قلب كندا

في مدينة وينيبيغ الكندية، لا يبدو المعرض المقام داخل قاعات مركز التراث “المينونايت” حدثًا ثقافيًا عابرًا، بل مساحة تتقاطع فيها الذاكرة مع الحاضر، ويقف فيها الفن على تخوم السياسة دون أن يفقد عمقه الإنساني. الأعمال هنا لا تُعرض للزينة، بل لتثبيت رواية واستعادة اسم وفتح نافذة على قصة كثيرًا ما اختُزلت في عناوين الأخبار.

المعرض، الذي يحمل عنوان “الأرض تتذكر: فلسطين – شجاعة وصمود ومقاومة”، والمقام في حرم جامعة “المينونايت” الكندية حتى الثامن والعشرين من فبراير، يضم أكثر من مئة مساهمة من أبناء الجالية الفلسطينية، من بينهم متعاونون محليون، ويقدّم فلسطين بوصفها تجربة إنسانية متكاملة وهوية متجذرة في التاريخ.

على الجدران تصطف الأثواب الفلسطينية المطرزة يدويًا، والمعلّقات التراثية، والصور العائلية القديمة، واللوحات التشكيلية، والنصوص الشعرية، ولافتات رُفعت في شوارع وينيبيغ منذ عام 2023، ما يشكّل سردية متماسكة تؤكد أن الثقافة امتداد للتاريخ، وأن الهوية تُخاط بالخيط كما تُكتب بالحبر.

الطابق الأول من المعرض يكشف أرشيفًا حيًّا للثقافة المادية الفلسطينية، من تطريز وفخار ووثائق عائلية. كل قطعة تحكي قصة ذاكرة وهجرة وأمل، وتجعل التاريخ الفلسطيني حاضرًا بين جدران وينيبيغ – الصورة لـ وينيبيغ فري برس

أرشيف حيّ للثقافة المادية الفلسطينية

في الطابق الأول يتشكل أرشيف حيّ لما يُعرف بالثقافة المادية الفلسطينية، من تطريز تقليدي وقطع فخار ووثائق عائلية ومقتنيات شخصية عبرت الحدود والموانئ، وكل قطعة تحمل أثر يد وذاكرة زمن ومكان لم يغادرا الوجدان رغم المسافات.

ومن أكثر المعروضات كثافةً رمزية حقيبة قديمة تعود إلى عام 1952، حملها رجل غادر فلسطين متنقّلًا بين الكويت وكندا. تبدو للوهلة الأولى حقيبة سفر عادية، لكنها تتحول إلى وثيقة صامتة لمسار الشتات الفلسطيني، تختزن قصة اقتلاع وبحث عن بداية جديدة، وإصرارًا على حمل ما تبقى من البيت الأول إلى أرض أخرى. وهكذا يغدو الغرض اليومي شهادة تاريخية، وتصبح التفاصيل الصغيرة مرآة لسيرة شعب لم يتوقف عن حمل ذاكرته معه.

يتصدر المشهد فن التطريز الفلسطيني التقليدي بأسلوب الغرز المتقاطعة الذي تناقلته النساء جيلًا بعد جيل، وهو فن يتجاوز الزخرفة ليحمل لغة رمزية كاملة، فشجرة الزيتون تشير إلى الجذور، والطيور إلى الحرية، كما تكشف الألوان أحيانًا عن المنطقة الأصلية للعائلة داخل فلسطين التاريخية.

الفنانة بيسان داسوقي، طالبة الفنون الجميلة في جامعة مانيتوبا، تعرض أربع قطع، من بينها عمل بعنوان “صندوق فلسطين”. صُمم الصندوق الخشبي على هيئة خريطة فلسطين قبل عام 1948، وعند فتحه تظهر الأسماء الأصلية للمدن كما كانت قبل الحرب التي رافقت قيام دولة إسرائيل. الطلاء الخارجي يأتي على شكل بطيخة، رمز بصري يحمل ألوان الأحمر والأخضر والأبيض والأسود في إحالة إلى العلم الفلسطيني. وتقول داسوقي إن الفن بالنسبة لها ليس ترفًا جماليًا، بل فعل صمود ومواجهة، ومحاولة لتعزيز حضور الفلسطينيين في المشهدين الثقافي والإعلامي.

إلى جانبها، تعرض فنانات أخريات قطعًا مطرزة مستلهمة من تراث عائلي توارثنه عن الأمهات، إذ كانت إحدى الوسائد خاطتها أم لابنتها قبل زواجها في تقليد اجتماعي كانت فيه العروس تتعلم التطريز لتصنع مفارشها وثيابها بمساندة نساء الحي، ليغدو الخيط أداة تضامن قبل أن يكون مهارة يدوية.

تتخصص الفنانة هبة داسوقي في تقنية التطريز الفلسطيني التقليدي المعروفة باسم التطريز المتقاطع – الصورة لـ سي بي سي نيوز

من الأرشيف إلى الاحتجاج

إذا كان الطابق الأول يوثق الذاكرة، فإن الطابق الثاني يرفع نبرة التعبير، حيث يضم عملًا بعنوان “سنذكر أسماءهم” يحتوي على عشرين ألف طائر ورقي كُتب على كل منها اسم طفل فلسطيني قُتل منذ عام 2023، مما يحوّل الإحصاءات إلى أفراد والأرقام إلى أسماء معلّقة في فضاء واحد.

كما تُعرض رسومات لأطفال فلسطينيين يعيشون في مصر، وأعمال خشبية تجسد جدار الفصل في الضفة الغربية، ولوحات تكرّم صحفيين قُتلوا أثناء تغطية الأحداث. الفن هنا لا يكتفي بالتوثيق، بل يتخذ موقعًا أخلاقيًا واضحًا دون أن يتحول إلى بيان سياسي مباشر.

ويضم المعرض أيضًا “منطقة تضامن” تحتوي على لافتات وشعارات رفعها متظاهرون في شوارع وينيبيغ منذ أكتوبر 2023، بينهم كنديون من خلفيات مختلفة، ما يمنح الحدث بُعدًا مجتمعيًا يتجاوز إطار الجالية الفلسطينية.

مديرة المعرض، سارة هودجز-كوليسنيك، توضح أن القاعة لا تتبنى موقفًا سياسيًا تجاه أي حكومة، لكنها تشير إلى محدودية تمثيل الأصوات الفلسطينية داخل المؤسسات الثقافية والمتاحف، وتلفت إلى أن المعرض أُنجز خلال ثمانية أشهر رغم أن معظم الفعاليات تُحجز قبل عامين، استجابةً لحاجة ملحّة لإتاحة مساحة لهذه التجارب.

الشاعرة هالة كوفة، التي تُعرض لها قصائد ضمن الفعالية، تقول إن فلسطين ليست عنوان صراع فحسب، بل تاريخ وحب وجمال وثقافة، مؤكدة أن للفلسطينيين قصتهم الإنسانية مثل أي شعب آخر.

بهذا المعنى، لا يقدّم المعرض رواية مغلقة، بل يفتح مساحة للتأمل والحوار، واضعًا الثقافة الفلسطينية في سياقها الإنساني داخل كندا، بعيدًا عن اختزالها في مشاهد الأخبار اليومية.

في وينيبيغ، حيث تتجاور الحقيبة القديمة مع الطيور الورقية، والتطريز مع القصيدة، تتبلور رسالة واضحة: قد تتباعد الجغرافيا، لكن الذاكرة لا تغادر، والأرض، حتى من خلف المحيطات، ما زالت تتذكر.

يعرض المعرض الأقمشة والصور العائلية واللوحات، مجسّدًا الذاكرة والهوية الفلسطينية بشكل حيّ – الصورة لـ وينيبيغ فري برس

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل