ثقافة

حينَ يُدفئكَ الغُموض… سِتُّ رِوايَاتٍ تحبِسُ الأَنفاسَ في شتاء كندا

في شتاء كندا الطويل، حين يغمر الجليد الأرصفة وتغدو النوافذ مغمّدة بصقيع لا يرحم، يصبح الكتاب خير جليس، لا ليدفئ الجسد، بل ليوقظ في الروح وهج الدهشة والتأمل. هناك حيث تمتد ساعات الليل البيضاء، تدفعنا الحاجة إلى غوصٍ في عوالم أخرى، لا تكتفي بالإلهاء، بل تسحبنا إلى متاهات من الغموض والأسئلة، وهذا بالضبط ما تقترحه الناقدة الأدبية مارغريت كانون في ترشيحاتها الثقافية لهذا الموسم عبر صحيفة ذا غلوب آند ميل الكندية، من خلال ست روايات تجتمع كلها حول حبكات مشوقة ذات طابع غامض، تأسر القارئ من أول صفحة حتى آخر نفس.

الرواية الأولى تحمل عنوان “مثلث أريزونا”، وهي باكورة أعمال الكاتبة سيدني غرايفز، وتقع في 304 صفحات. تدور أحداثها في بلدة صغيرة تسكنها أرواح الفنانين في ريف أريزونا، حيث يعود المحقق الخاص جوستين بايلن – المعروف بجو – للبحث في اختفاء صديقة طفولته روز ديلاني، التي تحوّلت صداقتهما ذات يوم إلى حب مراهقة كان سببًا في القطيعة لاحقًا. يُستدعى جو من قبل عائلة روز بعد اختفائها في ظروف غامضة عقب سلسلة من المتاعب، بينها ادعاءات كاذبة حول هويتها وفقدان عملها في مدرسة للفنون. يبدأ التحقيق على مضض، لكن الغوص في الماضي ينبش ذكريات مؤلمة، وعندما يتم العثور على روز، تنقلب القصة إلى وجهة أكثر عمقًا وتشويقًا. ترى مارغريت كانون أن الرواية “لا تُقاوَم من الصفحة الأولى”، رغم بعض الهفوات السردية مثل تكرار الأدلة وتوسيع دائرة المشتبه بهم بشكل زائد، لكنها تشيد بالإعداد المكاني والشخصية المحورية التي تندرج ضمن أفضل ما كُتب في أدب المحققين الأمريكيين.

وكأن الزمن توقف عند لحظة واحدة: كرسي بذراعين، نار تشتعل في المدفأة، وكتاب مفتوح ينتظر أن تكتمل قصته. هذه الصورة تلخّص تمامًا ما تسعى الروايات الغامضة إلى تحقيقه: عزلة اختيارية تغمر القارئ، ليذوب في عوالم أخرى وينسى قسوة البرد الكندي – الصورة لـ وول فلاور جورنال

أما رواية “اختيار كارلا” للكاتب نيك هاركواي، فجاءت كثيفة ومحمّلة بإرث أدبي ضخم، كونها تعيد إلى الحياة شخصيات من عالم جون لو كاريه، والد الكاتب، خاصة شخصية الجاسوس الأيقوني جورج سمايلي. تقع الرواية في 297 صفحة، وتنطلق من لحظة ما بعد موت أليكس ليماس، حيث يعيش سمايلي تقاعدًا هادئًا قبل أن يُستدعى لحماية لاجئة مجرية شهدت جريمة قتل على يد عميل سوفييتي. الحكاية تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها سرعان ما تنقلب إلى شبكة من الخيانات والأسرار. ورغم ميل الكاتب إلى الانغماس في الوصف، إلا أن الرواية تظل جذابة لعشاق التجسس السياسي، شرط قراءة الرواية الأصلية لفهم الخلفيات التاريخية، حسب ما تشير إليه كانون.

في “نادي صيادي الكنوز”، للكاتب الشاب توم رايان، الذي سبق أن فاز بعدة جوائز أدبية، تتقاطع حكايات ثلاثة غرباء في بلدة “خليج مابل” الساحلية في نوفا سكوشا. فتاة مراهقة تدعى دندي تبحث عن الكنوز الغارقة مع جدها، شاب من فانكوفر يرث عقارًا غريبًا من جدته المنعزلة، وكاتبة فاشلة تهرب من أحلامها المجهضة في نيويورك لتجد نفسها في وظيفة غريبة كمُعتنية بالمنازل. هذه العناصر تتقاطع مع أسطورة قديمة عن ذهب قراصنة، ومع تصاعد وتيرة الأحداث، تنشأ سلسلة جرائم قتل تعيد الماضي إلى الواجهة. تصف كانون هذه الرواية بأنها ذكية، بشخصيات متقنة وأجواء محلية تمنح العمل صدقًا بصريًا ونفسيًا.

من ساحل الأطلسي إلى شوارع تورنتو القديمة، يأخذنا واين نغ في روايته “جوني يُوصِل” إلى سبعينيات المدينة، حيث يحاول فتى صيني مراهق إنقاذ عائلته من الإفلاس عبر توصيل الحشيش، في زمن كان فيه الاتجار بالمخدرات جريمة فادحة. الرواية، التي تأتي امتدادًا لكتابه السابق “رسائل من جوني”، تدمج ببراعة بين الحنين والعنف، وتقدم مدينة تورنتو كما كانت: سريعة التغير، مشبعة بالتوترات العرقية والثقافية. تعتبرها مارغريت كانون رحلة أدبية تمزج بين الضحك والدموع، بروح فتى يُجبر على أن يكبر بسرعة في بيئة لا ترحم، وتُشيد بإتقان الكاتب في رسم الشخصيات وبناء الحوار.

بطانية، فنجان شاي، وضوء خافت… لا شيء يكسر وحشة البرد مثل هذه الطقوس الحميمة التي تعيد ربطنا بذواتنا عبر الأدب. هنا، لا يهم إن كنت في شقة صغيرة أو كوخ في الغابة — الكتاب هو من يمنحك المكان، والإحساس، والانتماء. بالضبط كما تفعل رواية مثل “بيوريفول آجلي” التي تتلاعب بالوهم والحقيقة – الصورة لـ موقع دومتـار

أما في رواية “جميلة قبيحة” للكاتبة أليس فيني، فيتحول حدث بسيط — اختفاء امرأة أثناء قيامها بمساعدة سيدة غريبة على الطريق — إلى دوامة من الشك والتوتر. بعد عام من الحادثة، لا يزال زوجها جرادي عالقًا بين احتمالَي الفقدان والرجاء، قبل أن يقترح عليه ناشره اللجوء إلى جزيرة نائية لاستعادة تركيزه في الكتابة. لكن الكوخ المنعزل لا يمنحه الصفاء بقدر ما يفتح عليه أبوابًا من الأشباح الداخلية والخارجية. ورغم ما تصفه كانون بـ”حبكة مربكة ومليئة بالمصادفات المصطنعة”، إلا أنها تثني على أسلوب الكاتبة الذي يخلق أجواء مشحونة بالتوتر وشخصيات تحت الجلد، مؤكدة أن فيني تتفوق على الطابع النفسي المألوف في هذا النوع.

تختتم المجموعة برواية “رحلة عمل” لجيسي غارسيا، والتي تنطلق من مصادفة غير متوقعة: “ياسمين”، الهاربة من علاقة مؤذية، و”ستيفاني”، سيدة الأعمال في طريقها لاجتماع، تجلسان جنبًا إلى جنب في طائرة دون أي معرفة سابقة. بعد أيام، تختفي الاثنتان، ليظهر في الأفق رجل يُدعى ترينت مكارثي، التقاهما في ظروف غامضة، وأرسل رسائل نصية إلى معارفهما قبل اختفائه هو الآخر. الرواية، كما تصفها كانون، مليئة بالصدف والحقد والتفاصيل المزعجة، وتضع القارئ في قلب سباق مع الزمن للعثور على النساء، أحياءً أم أمواتًا، وسط ضباب كثيف من الشكوك.

قارئ يحتضن كتابه كأنه يحتضن سرًا، أو ربما حياة موازية يعيشها. هذه الصورة تعبّر عن ما هو أكثر من قراءة؛ إنها دعوة للهروب، للاختباء، للتنفس عبر كلمات الغير. إنها روح روايات مثل “جوني ديليفرز” أو “شويزس كارلا”، حيث الشخصية والقارئ يتشابهان في حاجتهما للخلاص – الصورة لـ وانس آب أون أبوك كليب

تتباين هذه الروايات في أصواتها وسياقاتها، لكنها تلتقي في منح القارئ شحنة عالية من الترقب والسرد الذكي. إنها ليست مجرد كتب للهروب من الواقع، بل نوافذ تُفتح على عوالم موازية، حيث الغموض ليس تهديدًا، بل سؤالًا ينتظر الإجابة. في صقيع كندا، قد يكون الغموض هو الدفء الأعمق، حين تحوّلك صفحة إلى شاهد على مصير، وحكاية إلى مرآة لمخاوفك.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل