أمريكا الشمالية

تـرامب يبتزُّ كندا: حربُ الرّسوم الجُمركيّةِ تتصاعد وسط توتّرٍ دبلوماسيٍّ بسببِ دعمِ فلسطِين

في تصعيد غير مسبوق، نفذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تهديده بفرض رسوم جمركية عقابية بنسبة 35% على واردات كندا، في خطوة اعتبرها العديد من المحللين “ابتزازًا سياسيًا وتجاريًا” ردًا على دعم أوتاوا المتوقع للمساعي الفلسطينية للاعتراف الدولي خلال سبتمبر المقبل.

هذه الرسوم، التي دخلت حيز التنفيذ منتصف ليل الخميس الماضي، استهدفت قطاعات حيوية مثل الصلب، والألمنيوم، والنحاس شبه المصنع، وقطع غيار السيارات، بينما استُثنيت البضائع المطابقة لاتفاقية التجارة الحرة بين كندا والولايات المتحدة والمكسيك “كوسما”. وبررت واشنطن القرار بمزاعم مكافحة تدفق مخدر الفنتانيل، وهي حجة رفضتها الحكومة الكندية بوصفها “مضللة” تستغل ورقة التجارة للضغط السياسي.

عبّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن “خيبة أمل عميقة” جراء هذا التصعيد، مؤكدًا التزام حكومته ببناء قوة داخلية والتفاوض على اتفاقيات تصب في مصلحة الكنديين، رافضًا الرضوخ لأي ابتزاز. وقال: “نركز على ما نستطيع التحكم فيه”، في موقف يعكس تصميمًا على حماية السيادة الاقتصادية والسياسية.

من جهته، دعا رئيس وزراء أونتاريو دوغ فورد إلى مواجهة حازمة، مطالبًا بفرض رسوم مضادة تصل إلى 50% على واردات الصلب والألومنيوم الأمريكية، معتبرًا أن كندا “تمتلك ما تحتاجه الولايات المتحدة من نفط وغاز ومعادن حيوية، وأنها أكبر زبون لأمريكا”، محذرًا من ضرورة “تعظيم النفوذ والوقوف بثبات” في وجه الضغوط.

لكن المشهد الكندي انقسم بين دعوات المواجهة التي قادتها نقابات العمال، وبين أصوات رجال الأعمال الذين حذروا من تداعيات التصعيد على الاستقرار الاقتصادي. فقد حذر دان كيلي، رئيس اتحاد الأعمال الصغيرة والمتوسطة، من أن “الرسوم الانتقامية قد تزيد عدم اليقين في سوق التجارة وتضر بالاقتصاد”، مستشهدًا بتجربة الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة التي أدت إلى تباطؤ الاستثمارات.

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني خلال لقائه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب على هامش قمة مجموعة السبع في كاناناسكيس – 16 يونيو 2025. في ظل تصاعد التوتر بين البلدين بشأن الرسوم الجمركية وموقف أوتاوا من القضية الفلسطينية – الصورة لـ وكالة أسوشيتد برس عبر شات نيوز توداي

كما أعربت بعض مقاطعات كندا، مثل نوفا سكوشا وساسكاتشوان، عن تحفظها على الردود المتسرعة، داعية إلى تبني استراتيجية تجارية منخفضة أو خالية من الرسوم للحفاظ على الاستقرار.

في الداخل الكندي، تصاعدت الأصوات السياسية، حيث طالب زعيم حزب المحافظين بيير بولييف برفع جميع الرسوم الأميركية، بينما عبرت رئيسة وزراء نيو برونزويك، سوزان هولت، عن ثقتها في قدرة الشركاء الفيدراليين على إيجاد حلول تحفظ الاقتصاد الوطني.

يرى خبراء الاقتصاد أن الرسوم الجديدة، رغم استثناءات “كوسما”، تحمل مخاطر كبيرة، خاصة أن كثيرًا من الشركات الصغيرة لم تكمل بعد الإجراءات الورقية لتجنب فرض الرسوم، ما يضعها في مواجهة أزمات مالية محتمة. وأشار مايكل دوبنر من شركة برايس وترهاوس كوبرز إلى وجود “تجميد واضح في الاستثمارات بسبب السياسات العدوانية الأميركية”.

هذا التوتر لم يأتِ من فراغ، بل تزامن مع رفض كندا الضغوط الأميركية لاتباع سياسة واشنطن في النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي، حيث تؤكد أوتاوا استقلال قرارها السياسي، وهو ما اعتبره البيت الأبيض استفزازًا دفع الإدارة إلى استخدام الرسوم كأداة ابتزاز للضغط على كندا.

في ظل هذه الظروف، تتزايد الدعوات في كندا لتفعيل رد سياسي وتجاري قوي، والتنسيق مع شركاء دوليين متضررين من سياسات ترامب الحمائية، لكن الحكومة الفيدرالية ما تزال تحاول التهدئة عبر القنوات الدبلوماسية، متجنبة الانجرار إلى مواجهة مفتوحة قد تضر بالاقتصاد الوطني.

ويبقى السؤال الجوهري: هل ستتمكن كندا من حماية سيادتها ومصالحها الاقتصادية والسياسية في وجه الابتزاز الأميركي، أم أنها ستضطر إلى التراجع أمام ضغوط ترامب الذي يعيد رسم ملامح التحالفات باستخدام أدوات التهديد تارة والابتزاز تارة أخرى؟

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل