فلُوريدَا خارِج المسَار: الجوّيةُ الكنديّة تُعلّق رحلاتِهَا وسطَ تَصعيدٍ مع واشنطن
في تحرك غير مسبوق يعكس تصعيدًا حادًا في العلاقات بين أوتاوا وواشنطن، أعلنت شركة الخطوط الجوية الكندية إلغاء رحلاتها الشتوية بين تورونتو ومدينة جاكسونفيل في ولاية فلوريدا الأميركية اعتبارًا من نوفمبر المقبل، بسبب تراجع في الطلب، في خطوة فُهمت على نطاق واسع بأنها تتجاوز الحسابات التجارية إلى أبعاد سياسية واقتصادية عميقة. رئيس مجلس إدارة الشركة، فاغن سورينسن، لم يُخفِ قلقه من السياق العام، مؤكدًا في تصريحات نقلتها شبكة بلومبيرغ الكندية أن الضوضاء السياسية والنزاعات الجمركية بين كندا والولايات المتحدة أثرت بشكل مباشر على توجهات المسافرين وسلوك السوق.
يأتي هذا القرار في ظل تصاعد خطير في لهجة واشنطن تجاه أوتاوا، وخصوصًا مع عودة دونالد ترامب إلى الواجهة السياسية الأميركية وقيادته الفعلية للتيار الجمهوري. ترامب، في عدة تصريحات وتغريدات، لم يتورع عن التلميح إلى أن كندا تستفيد دون أن تقدم شيئًا، وكتب في إحدى تغريداته الأخيرة نقلتها وكالة رويترز: “لماذا نحمي كندا عسكريًا ونفتح أسواقنا لها بينما لا نحصل على شيء؟” متابعًا: “ربما حان الوقت لإعادة التفكير بالعلاقة مع هذا الجار المتعالِ”. تصريحات اعتبرها كثير من المحللين والسياسيين الكنديين استخفافًا خطيرًا بسيادة الدولة، وعودة إلى خطاب الهيمنة غير المقبول.
ولم تكن هذه المرة الأولى التي يهاجم فيها ترامب كندا؛ ففي خطابه الانتخابي بمدينة ديترويت الأميركية في مايو الماضي، وصف الاتفاقيات التجارية بين البلدين بأنها “صفقات خاسرة لأميركا”، ملوّحًا بإعادة فرض رسوم جمركية شاملة على صادرات كندية تشمل الأخشاب والطاقة وقطع السيارات. دفع ذلك رئيس الوزراء الكندي مارك كارني للرد في مؤتمر صحفي نقلته منصة الأخبار والتحليلات الاقتصادية “إنفستينغ”، حيث قال: “لن نتلقى أوامر من أحد، ولن نخضع لضغوط انتخابية تأتي من الخارج. كندا بلد مستقل، وسندافع عن سيادتنا بكل الوسائل”.

وفي محاولة لتهدئة الأزمة، جمدت أوتاوا تطبيق الضريبة المفروضة على شركات التكنولوجيا الرقمية الأميركية، وهو الإجراء الذي كانت تخطط له منذ عامين لتحصيل ضرائب عادلة من شركات كبرى مثل أمازون وغوغل. إلا أن واشنطن اعتبرت هذه الضريبة “استفزازًا اقتصاديًا”، وأعطت كندا مهلة حتى 21 يوليو للتراجع الكامل، أو مواجهة تعريفات جمركية جديدة.
داخليًا، فجّر كارني جدلًا واسعًا بطرحه مشروع قانون “الحدود القوية”، والذي يقيد طلبات اللجوء ويُسرّع إجراءات الترحيل. وقال وزير الأمن العام غاري أناندسانغاري في تصريحات نقلتها صحيفة الغارديان البريطانية: “نعم، بعض بنود القانون جاءت لمعالجة ما كان يزعج الولايات المتحدة”. وقد وصفت صحيفة فوكس الأميركية هذا القانون بأنه “تنازل استراتيجي يهدف لإرضاء واشنطن على حساب القيم الليبرالية الكندية”.
أما وزير النقل الكندي عمر الغبرا، فقال في مقابلة عبر قناة سي بي سي: “كندا ليست ولاية أميركية. نحن نحدد سياساتنا وفق مصالحنا، لا تحت ضغط الرسوم ولا ضمن منطق الإملاءات”. الشارع الكندي لم يقف مكتوف الأيدي؛ استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت أن الغالبية الساحقة من الكنديين يرفضون لغة ترامب تجاه بلادهم، ويؤكدون تمسكهم بهويتهم الوطنية، وسيادتهم، واستقلالية قرارهم السياسي.
الاقتصاد الكندي بدأ يظهر عليه أثر هذا التصعيد؛ فقد تراجع مؤشر مديري المشتريات في قطاع التصنيع إلى 45.6 نقطة، أي دون مستوى النمو البالغ 50. كما حذّر الخبير الاقتصادي دانيال سينكلير عبر قناة بلومبيرغ كندا من أن: “كل إلغاء لخط جوي يعكس مرحلة جديدة من فك الارتباط التدريجي بين كندا وأميركا، ونحن نشهد إعادة رسم لعلاقات استراتيجية كانت تُعتبر من الثوابت”.
إلغاء رحلة جوية لم يكن مجرد قرار إداري، بل إنذار مبكر بانهيار الثقة. العلاقة بين البلدين لم تعد قائمة على الاحترام المتبادل، بل على تبادل الضغوط والاتهامات. ومع اقتراب الموعد الحاسم في 21 يوليو، تبقى كندا أمام مفترق طرق: إما الاستسلام للهيمنة الاقتصادية الأميركية، أو رسم ملامح استقلال فعلي يُكرّس السيادة الكندية خارج عباءة “الحليف الكبير”. وبين السماء المغلقة والخطابات المشتعلة، يختار الكنديون التمسك ببلدهم، ورفض أن يكونوا “الولاية رقم 51”.




