مجتمع

مـأساةُ أونتاريـو: محاكمةُ مقتل طفل تكشف إخفاقات نظام رعاية الأطفال الحُكوميّ

في ديسمبر 2022، هزت وفاة طفل يبلغ من العمر 12 عامًا مدينة برلنغتون في أونتاريو، وأثارت صدمة عميقة في الرأي العام الكندي. الطفل، الذي كان يعيش تحت رعاية السيدتين بيكي هامبر وبراندي كوني منذ خمس سنوات، توفي في ظروف لم تُكشف بالكامل بعد، بينما شقيقه الأصغر، البالغ من العمر الآن 13 عامًا، نُقل بعيدًا عن رعاية السيدتين.

القضية فجرت سجالًا واسعًا حول فعالية نظام رعاية الأطفال في المقاطعة، وأسئلة حادة حول مسؤولية الجهات الرسمية، وفشل المؤسسات في حماية الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة أو التاريخ الصعب.

بدأت المحاكمة في سبتمبر 2023 أمام محكمة أونتاريو العليا في مدينة ميلتون، أمام القاضي كلايتون كونلان، وتستمر حتى الآن. السيدتان، اللتان كانتا تحاولان تبني الطفلين، تواجهان اتهامات بالقتل من الدرجة الأولى، والحجز، والاعتداء باستخدام أسلحة، والإهمال في توفير الضروريات الحياتية للطفل الأصغر، وفق ما نقلته “سي بي سي نيوز”.

الأطفال من السكان الأصليين، وتمت حماية هويتهما بحظر نشر أسمائهما، فيما أشار الإعلام إلى الطفل الأكبر باسم “آل-آل”، والذي توفي، أما الأصغر فيحمل اسم “جي-آل”، الذي كان شاهدًا على هذه الجريمة المروعة في المحاكمة.

خلال شهادتها في المحكمة، قالت بيكي هامبر إن التعامل مع الأطفال كان “صعبًا للغاية”، لكنها أكدت أنها أحبتهما رغم سلوكهما الذي وصفته بأنه “صعب الإعجاب”. وأضافت أن أيام الهدوء كانت قليلة، وأحيانًا لا تتعدى يومًا أو يومين في الأسبوع بالنسبة للطفل الأكبر، ويومًا واحدًا فقط بالنسبة للأصغر. وأشارت هامبر إلى أنهم طلبوا دعم رعاية الأطفال كل ثلاثة إلى ستة أشهر، وإلا لما استطاعوا الاستمرار.

وعلى الرغم من الشهادات المتضاربة، سردت هامبر لحظات عائلية مؤثرة تضمنت ألعابًا منزلية ونزهات مع الكلب، وارتداء الأطفال لأزياء وتنفيذ مزحات، لكنها أكدت أن السلوكيات الصعبة كانت مستمرة، بما في ذلك اندفاعات “جي-آل” التي تشمل العض والخدش وإيذاء نفسه، فيما كان “آل-آل” غير متوقع. وكانت أطول نوبة غضب للطفل الأصغر قد استمرت ثماني ساعات، وفق شهادة هامبر.

يظهر الطفل الراحل واقفًا عند منضدة المطبخ في أغسطس 2022، في صورة عُرضت أمام المحكمة، بينما أفادت الشهادات بأنه كان يعاني سوء تغذية حادًا ويُجبر على ارتداء بدلة غوص معظم الوقت، قبل وفاته بأسابيع – الصورة لـ المحكمة العليا في اونتاريو عبر سي بي سي نيوز

إهمال الأجهزة الرسمية لرعاية الأطفال يكشف ثغرات قاتلة

في أكتوبر 2022، اتصلت معلمة “جي-آل”، سارة بياسيتي، بجمعية رعاية الأطفال بعد أن شاهدت الطفل يلف حبلاً حول عنقه حتى تحول وجهه إلى اللون الأرجواني، إلا أن العاملين في الجمعية رفضوا التدخل، معتبرين أن الحالة معقدة وحساسة قانونيًا وإداريًا، ولم يتخذوا أي إجراء لعدم وجود دليل كافٍ على سوء المعاملة، بحسب ما نقلت قناة “سي بي سي” عن المحاكمة.

وأظهرت الوثائق أن جميع الإصابات الذاتية التي زُعم أنها من الأطفال لم تُوثق، ولم يحصلوا على رعاية طبية مناسبة. وأكد الدفاع أن السيدتين كانتا تحاولان حماية الأطفال من إيذاء أنفسهم أو الآخرين عبر تقييدهم أحيانًا بأدوات آمنة مثل خوذات أو أغطية، بينما ترى النيابة أن ذلك شكل عقوبات قاسية وإهمالًا واضحًا.

شهادات صادمة وتناقضات في رعاية الأطفال المتبنين

تباينت الروايات بين ما قدمته هامبر وكوني وبين شهادات المعلمين والأطباء والمعالجين النفسيين الذين تابعوا الأطفال منذ انتقالهم من أوتاوا إلى برلنغتون عام 2017. المربية السابقة، هيذر والش، أكدت أنها حذرت السيدتين من سلوكيات الأطفال مثل الضرب والعض والاعتداء على الآخرين، وشاركت استراتيجيات ساعدت على تحقيق استقرار مؤقت، فيما لم تسمح السيدتان للأطفال بالذهاب إلى العيادات بمفردهم أو التحدث مع الأخصائيين بحرية.

عرضت المحكمة مئات الرسائل النصية بين السيدتين، تضمنت شكاوى حول تلوث المنزل واتهامات للأطفال بفعل ذلك عمدًا، بينما شهد “جي-آل” أنه كان يُحتجز في غرفته لساعات طويلة ويُطعم طعامًا مهروسًا. الأطباء والمعالجون أفادوا أن الأطفال كانوا هادئين ومحترمين في الزيارات النادرة، وأن تدخلاتهم لم تُستفد كما يجب.

وتناولت المحاكمة أيضًا الجوانب النفسية للأطفال، حيث وصف الدفاع الطفل الأصغر بأنه ذكي ومرح، بينما شهد الأخير عن انفعالاته القوية عند شعوره بالظلم، في حين كان الأخ الأكبر أكثر انفعالًا وغير متوقع. وفق شهادات هامبر، الأخصائيون النفسيون ورعاية الأطفال توقعوا تحسن الأطفال مع الوقت، إلا أن الواقع كان مختلفًا تمامًا.

في قاعة المحكمة، تصف المتهمة الطفلين بأنهما كانا «محبوبين لكن من الصعب الإعجاب بهما»، في رواية دفاعية تقابلها اتهامات خطيرة وإخفاقات مؤسسية لا تزال المحكمة تفصل في حقيقتها، وما زالت وقائع القضية قيد نظر المحكمة – الصورة لـ سي بي سي نيوز

تداعيات حادثة مقتل الطفل على الرأي العام الكندي

القضية أثارت جدلاً واسعًا حول فعالية نظام رعاية الأطفال في أونتاريو، وبحسب قناة “سي بي سي” عن إيروين إلمان، المدافع السابق عن حقوق الأطفال، فإن النظام مغلق أمام الرقابة العامة، وأن “السرية هي القاعدة الأولى: لا تتحدث، لا تخبر”، مؤكدًا أن المراجعات الداخلية والخارجية التي أجرتها جمعيات رعاية الأطفال لم تكشف عن نتائج ملموسة رغم تقديمها تقارير للنيابة العامة ومكتب الطب الشرعي بعد وفاة “آل-آل” ونقل “جي-آل” من رعاية السيدتين.

وأثارت هذه القضية، بحسب وسائل إعلام محلية في كندا عن خبراء ومراقبين، تساؤلات كثيرة حول المسؤولية القانونية والاجتماعية، وإمكانية تعامل المؤسسات مع الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة أو التاريخ الصعب، وكيف يمكن لتقصير أو تأخر التدخل أن يؤدي إلى نتائج مأساوية.

مع استمرار المحاكمة، من المتوقع أن تقدم النيابة والدفاع مرافعاتهما الختامية أمام القاضي كلايتون كونلان في مارس المقبل، على أن يصدر حكمه لاحقًا في فصل الربيع، في واحدة من أبرز القضايا التي أبرزت إخفاق نظام رعاية الأطفال ومخاطر التعامل مع الأطفال المعرضين للخطر دون إشراف مؤسسي فعال.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل