إفطارٌ رمضاني يجمع الروحانيّة والاعتراف السّياسي والتّضامن المجتمعي في قلب البرلمان الكنديّ
أوتـاوا | في مساء رمضاني استثنائي، امتلأت قبة البرلمان الكندي في العاصمة أوتاوا بأصوات الترحيب والابتسامات، حيث احتشدت العائلات المسلمة، الشباب المتطوعون، النواب، والمسؤولون المحليون والوطنيون حول مائدة إفطار رمضاني نظمته جمعية كندا للتغذية. لم يكن الحدث مجرد مناسبة لتناول الطعام بعد يوم من الصيام، بل تحول إلى لحظة رمزية تحاكي روح التضامن والوحدة، وتؤكد الاعتراف الرسمي بالمكون المسلم ضمن النسيج الكندي المتنوع.
فتحت القبة التاريخية، وبين أعمدة البرلمان وقاعاته المهيبة، كانت الطاولات مزينة بأطباق متعددة الثقافات، بينما يتحرك الشباب المتطوعون بحيوية بين الضيوف، يوزعون التمر والماء ويهتمون بأن تجلس كل عائلة في مكانها المخصص.
الابتسامات كانت تعلو وجوه الأطفال الذين ينتظرون الإفطار بشغف، وأصوات الأحاديث الخفيفة تتخلل الأجواء، حتى بدأت اللحظة الفارقة، وهي صمت خافت وارتفع صوت الأذان بصوت شاب متطوع بثقة ووقار، معلنًا الإفطار في مشهد يختلط فيه الشعور بالروحانية مع الفخر الوطني.
توقف الجميع عن الحديث، وانحنت الرؤوس بخشوع، بينما كان صدى الأذان يتردد في أرجاء القاعة، ليكون إعلانًا حيًا عن اعتراف علني بهوية المسلمين في قلب أعلى مؤسسة تشريعية في كندا.

لحظة الفخر والانتماء
في هذا السياق الرمزي، عبّر أمير ناشي – المدير الإقليمي لكندا الشرقية في منظمة الإغاثة الإسلامية في كندا ” إسلاميك ريليف”عن شعوره بالفخر لتمثيل المجتمع المسلم في مكان بهذا الحجم، قائلاً: “عندما كنت صغيرًا، كان كونك مسلم جزءًا من حياتك، لكن لم يكن يُتحدث عنه كثيرًا… كان الأمر أشبه بالفيل في الغرفة، لا يرغب أحد في مناقشته”.
وكشف ناشي عن التحوّل الذي شهده المجتمع المسلم مع مرور الوقت، مضيفًا: “إيماننا أصبح مصدر فخر لنا، ونحن نروج للقيم التي تخدم المجتمع المسلم والمجتمع العام على حد سواء. حضورنا في البرلمان والاعتراف بنا على المستوى الوطني يجعلنا نشعر بأننا مرئيون ومسموعون… إنه شعور فخر حقيقي”.
كلماته لم تكن مجرد شهادة شخصية، بل انعكاس لمسار طويل من التحديات والتحولات الاجتماعية، من مرحلة الصمت والتحفظ إلى لحظة يُرفع فيها الأذان علنًا في قلب البرلمان، ويحتفى برمضان باعتباره مناسبة وطنية جامعة.

رسالة الوحدة من داخل الحكومة
الحضور السياسي الرفيع أضفى على المناسبة بعدًا رسميًا بالغ الأهمية. فقد عبر شفقت علي – وزير ورئيس مجلس الخزانة الكندي عن سعادته بالمشاركة، حيث قال: “من الرائع أن أكون هنا اليوم في إفطار جمعية كندا للتغذية داخل قبة البرلمان”.
وأضاف موضحًا أهمية الحدث: “الإفطار يجمع المجتمع معًا، ويقدّم رسالة انسجام ووحدة”.
هذه الكلمات لم تكن مجرد تعبير عن الامتنان الشخصي، بل رسالتها تعكس تقدير الحكومة للتعددية، واعترافها بأن رمضان مناسبة وطنية تتجاوز الفئات الدينية لتصبح جسراً حقيقياً للتواصل والتضامن.
من جانبه، وصف ديفيد هيل – عضو مجلس مدينة أوتاوا عن منطقة “بارهيفن” دائرته بأنها “أشبه بأمم متحدة مصغرة”، مشيرًا إلى التنوع الكبير في المجتمع المحلي، وأضاف: “تجربتي العسكرية السابقة جعلتني أعمل مع شعوب مختلفة في بلدانهم، واليوم أراهم هنا في مجتمعنا… ومن المهم جدًا الحفاظ على المناسبات الثقافية الخاصة مثل رمضان”.
وكشف هيل عن التحديات الاجتماعية المرتبطة بالأمن الغذائي، موضحًا: “العديد من العائلات اليوم تواجه صعوبات في الحصول على الغذاء، نحن نعمل مع شركاء غير ربحيين مثل ‘فيد كندا’ وبنوك الطعام، ونحن ملتزمون بالاستمرار في هذا التعاون”.
تصريحاته ربطت بين الروح الرمضانية والمسؤوليات الاجتماعية والسياسات العامة، مؤكدة أن التضامن لا يقتصر على الكلمات، بل يحتاج إلى عمل فعلي ومستمر.

أول إفطار للجمعية وامتنان للشباب المتطوعين
أما صدف إبراهيم – ممثلة جمعية كندا للتغذية، فقد عبّرت عن فرحتها الكبيرة بهذا الحدث، مشيرة إلى أن حضور ممثلين عن مستويات الحكم الثلاثة — الفيدرالي، الإقليمي، والبلدي — يعكس أهمية العمل المشترك، وقالت: “أنا سعيدة جدًا بهذا الحدث، لأن جميع مستويات الحكومة ممثلة هنا، ونحن نعمل معًا من أجل إنجاحه”.
وكشفت أن هذه الأمسية تمثل أول إفطار تنظمه الجمعية منذ تأسيسها قبل أربع سنوات، وأضافت: “من المهم أن نكرّم المتطوعين، لأن بدونهم لا يمكننا إنجاز أي شيء، ووجودهم اليوم في قلب الفعالية يعكس روح العمل الجماعي والانتماء”.
وكان الشباب المتطوعون بارزين طوال الحدث؛ ينظمون الطاولات، يوزعون الوجبات، يبتسمون للضيوف، ويصنعون الأجواء الحية التي تمنح القاعة دفءً وحيوية. بفضلهم، لم يكن الإفطار مجرد تجمع، بل تجربة جماعية تنبض بالتعاون والالتزام.

مائدة الإفطار… رمزية وشمولية
مع توزيع التمر والماء، وتبادل التحيات والابتسامات، بدا الإفطار وكأنه لوحة حية من التنوع الكندي. الأطفال كانوا جزءًا من المشهد البصري والروحي؛ يضحكون ويترقبون اللحظة السحرية لكسر الصيام، بينما الآباء يشرحون لهم معنى الصيام والروحانية، والأمهات يوثقن الصور واللحظات للتذكير بأن هذا الحدث يمثل التعايش والاندماج.
الطاولات امتدت بطول القاعة، تحمل أطباقًا متنوعة تمثل ثقافات متعددة، من الشرق الأوسط وجنوب آسيا إلى المأكولات الغربية. وفي الخلفية، تتقاطع المحادثات بين العربية والإنجليزية، بينما يشير الحضور إلى الوجوه المألوفة، ويصافحون المسؤولين الذين يحرصون على حضور كل طاولة، في مشهد يوحي بأن البرلمان أصبح في تلك الأمسية مسرحًا للانتماء والتضامن أكثر من كونه مجرد مؤسسة رسمية.
وفي ختام الأمسية، كانت الرسالة واضحة لكل من حضر، وهي أن رمضان في كندا ليس مجرد مناسبة دينية للمجتمع المسلم، بل مساحة جامعة للقيم الإنسانية، التضامن الاجتماعي، الاعتراف الوطني، والاحتفاء بالعمل التطوعي. وبين كلمات أمير ناشي عن الفخر، ورسالة الوحدة التي نقلها الوزير شفقت علي، والتنبيه لأهمية حماية التنوع الذي شدده ديفيد هيل، والامتنان للمتطوعين الذي عبرت عنه صدف إبراهيم، تشكلت لوحة متكاملة المعالم: لوحة تقول إن الانتماء يصنع حين يشعر الجميع أنهم مرئيون ومسموعون، وأن الهوية الدينية يمكن أن تتعايش بانسجام مع الهوية الوطنية.
تحت قبة البرلمان، ارتسمت الابتسامات على وجوه الحاضرين، وامتدت يد العون بين الجميع، وصعد صوت الأذان في لحظة خالدة، لتصبح تلك الأمسية شهادة حية على قدرة كندا على احتضان تنوعها، وعلى أن رمضان يمكن أن يكون مناسبة وطنية جامعة تجمع بين الروحانية، السياسة، المجتمع المدني، والقيم المشتركة في رسالة تضامن وإنسانية تتجاوز حدود المائدة إلى كل أركان الحياة.





