رأي

اليمنُ كقدرٍ جيوسياسيّ: حين تُحاكِم الجُغرافيا تحالفاتِ الإِقليم

لم تكن اليمن، في أي مرحلة من تاريخها، ساحةً هامشية في معادلات الإقليم، بل ظلت جغرافيا ضاغطة تعيد باستمرار تعريف الأمن والتحالفات وحدود النفوذ. موقعها عند خاصرة الجزيرة العربية، وإشرافها على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، جعلاها مجالًا تتقاطع فيه الجغرافيا مع السياسة، وتتواجه داخله مشاريع إقليمية متباينة. من هذا المنظور، لا يمكن فهم ما جرى في اليمن خلال العقد الأخير بوصفه أزمة داخلية أو تحالفًا عسكريًا عابرًا، بل بوصفه صراعًا أعمق على معنى الدولة ووظيفتها داخل الجغرافيا.

قبل الحرب، كانت اليمن دولة هشة لكنها قائمة، تعاني اختلالات سياسية واقتصادية واجتماعية، وتُدار بتوازنات داخلية معقدة، لكنها احتفظت بحدٍّ أدنى من السيادة الرمزية. هذه الهشاشة مهّدت لثورة فبراير، قبل أن يؤدي انقلاب الحوثيين عام 2014 إلى تفريغ الدولة من مضمونها، وتحويل الجغرافيا من إطار سيادي إلى مجال مفتوح للتدخل. منذ تلك اللحظة، لم يعد اليمن يُقرأ ككيان سياسي واحد، بل كمساحات وظيفية متعددة، وهو التحول الذي كشف مبكرًا تباين المقاربتين السعودية والإماراتية.

في قلب هذا التباين يقف سؤال الدولة. فالسعودية، بحكم الجوار والتداخل الاجتماعي والحدود الطويلة، تنظر إلى اليمن بوصفه امتدادًا جغرافيًا وأمنيًا لا يمكن فصله عن أمنها القومي. أي انهيار شامل في اليمن ينعكس مباشرة على الداخل السعودي، ولهذا ارتبط موقف الرياض تاريخيًا بفكرة يمن مستقر وقابل للضبط، لا مزدهر بالضرورة، لكنه موحّد وظيفيًا. هذا ما يفسر رعايتها للمبادرة الخليجية، ثم تدخلها العسكري عام 2015 باعتباره استجابة لتهديد وجودي، قبل أن تدفعها كلفة الحرب وتعقيداتها إلى مراجعة أدواتها، والانتقال من منطق الحسم إلى البحث عن صيغة سياسية تحفظ وحدة اليمن، ولو في إطار دولة ضعيفة.

في المقابل، قرأت الإمارات اليمن من زاوية مختلفة، تحكمها الجغرافيا البحرية أكثر مما تحكمها فكرة الدولة. السواحل الطويلة، والموانئ، والجزر الاستراتيجية، وخط الملاحة من خليج عدن إلى باب المندب، جعلت اليمن جزءًا محوريًا من رؤيتها للأمن البحري والتجارة العالمية. هذه المقاربة دفعتها إلى الاستثمار في نفوذ ساحلي قائم على قوى محلية مسلحة، قادرة على ضبط نقاط محددة دون الحاجة إلى دولة مركزية قوية. ومن هنا، لم يكن الصدام مع الحكومة الشرعية في أكثر من محطة منذ 2017 حتى 2025، عبر وكلائها المحليين، عرضيًا، بل نتيجة منطقية لتناقض بين مشروع دولة، ولو هشّة، ومشروع نفوذ يقوم على سلطات أمر واقع.

ورغم هذا الاختلاف البنيوي، التقت الرياض وأبو ظبي عند هدف منع الانهيار الشامل لليمن أو سقوطه في يد قوى معادية. غير أن هذا التقاطع أنتج تحالفًا عسكريًا بلا رؤية مشتركة لليمن ما بعد الحرب. فبينما اندفعت الإمارات نحو تكريس نموذج الوكيل، مالت السعودية إلى تثبيت حضور الدولة اليمنية المركزية بحدّها الأدنى، مع تأكيد حضورها في حضرموت والمهرة باعتبارهما عمقًا استراتيجيًا متصلًا بأمنها القومي، مع إدارة التناقضات عبر ترتيبات سياسية رخوة أبقت الحكومة الشرعية مظلة قانونية شكلية، وهو ما تجسّد في آخر نموذج لهذه المظلة الحكومية ممثلًا في مجلس القيادة الرئاسي، بوصفه انعكاسًا لتوازنات القوة أكثر من كونه تجسيدًا لفكرة الدولة القانونية.

كان الملفت وسط كل هذا التقسيم للنفوذ غياب الفاعل اليمني، حكومةً أو شعبًا. فغياب الفاعلية الوطنية المستقلة، وعجز النخب السياسية عن إنتاج مشروع سيادي جامع، أوجدا فراغًا كبيرًا سمح للقوى الخارجية بإدارة الصراع وفق أولوياتها الخاصة. لم يكن هذا الغياب تفصيليًا، بل أسهم مباشرة في تعميق الاستقطاب، وتحويل الانقسام من خلاف سياسي قابل للاحتواء إلى تصدّع بنيوي في الثقة والهوية. وهكذا بات الصراع يُدار فوق رؤوس اليمنيين أكثر مما يُدار باسمهم، وتحولت الجغرافيا من مجال فعل وطني إلى ساحة تنازع مفتوحة.

غير أن هذا الفراغ، الذي أتاح منطق القسمة الوظيفية، اصطدم سريعًا بحدود الجغرافيا ذاتها. فالجغرافيا اليمنية، بطبيعتها، لا تستجيب لإدارة انتقائية ولا تقبل التجزئة السهلة. السيطرة على الساحل لا تعني التحكم في الداخل، والنفوذ في الميناء لا يصنع استقرارًا في الجبل، وأي استقرار يُبنى على نقاط معزولة يحمل في داخله بذور انفجاره.

لم تتعثر مشاريع التفكيك بفعل مقاومة سياسية منظمة، بل لأنها اصطدمت بواقع اجتماعي وتاريخي مركّب لا يمكن إخضاعه بالأدوات الأمنية وحدها، ولا إدارته بمعزل عن فكرة الدولة الجامعة.

تقدّم حضرموت نموذجًا مكثفًا لهذا التعقيد البنيوي في اليمن. فهي مساحة جغرافية شاسعة، منخفضة الكثافة السكانية، غنية بالموارد، ولها تاريخ طويل من الطموح الذاتي في إدارة شؤونها، إضافة إلى موقع بحري يمنحها وزنًا يتجاوز حدودها المحلية. من هذا المنظور، تنظر السعودية إلى حضرموت بوصفها عمقًا استراتيجيًا مباشرًا لأمنها القومي، وتحتفظ بعلاقات متجذرة مع رأس المال الحضرمي داخل المملكة، وهو ما دفعها إلى تبنّي مقاربة أقل عسكرية وأكثر ميلًا إلى منطق الدولة والمؤسسات، في محاولة لإعادة تثبيت المعنى السيادي للدولة داخل الجغرافيا، لا إدارتها عبر ترتيبات مؤقتة.

في المقابل، تعاملت الإمارات مع حضرموت بوصفها ساحة نفوذ ضمن منطق السيطرة الوظيفية. ورغم إحكامها السيطرة على مطار الريان، فإن التطورات الأخيرة، ولا سيما الدفع بوكيلها المحلي، المجلس الانتقالي، نحو محاولة السيطرة على حضرموت، كشفت حدود نموذج الوكيل حين اصطدم بتعقيدات محلية وحساسيات إقليمية سعودية مرتبطة بالمجال الحيوي والاعتبارات الاستراتيجية للمملكة. عند هذه النقطة، تحولت حضرموت من ساحة نفوذ غير مباشر إلى مجال احتكاك مفتوح، أنهى عمليًا دبلوماسية المجاملات بين الحليفين، ودفع الرياض إلى إعادة ترتيب أولوياتها عبر تفكيك التشكيلات المسلحة التابعة للإمارات وإخراجها من حضرموت، وصولًا إلى إعادة هندسة النفوذ السعودي بصورة أكثر مباشرة، امتد أثرها من عدن إلى المهرة. وقد رافق هذا التحول تشكّل وعي يمني متزايد بخطورة العبث بالجغرافيا، وبكلفة السياسات القائمة على العمل خارج إطار الدولة اليمنية ومؤسساتها.

أفرزت الحرب الأخيرة في حضرموت تشكّلًا سياسيًا–جغرافيًا جديدًا ذا طابع ثلاثي، تتقاطع فيه اعتبارات الشرق والجنوب والشمال بوصفها نتيجة مباشرة لإعادة توزيع القوة أكثر مما هي حصيلة تسوية متكاملة. هذا التشكل لا يعكس توازنًا مستقرًا بقدر ما يكشف عن واقع انتقالي هش، يفرض سؤال التعاطي معه: هل يُدار كأمر واقع مؤقت، أم يُستثمر كمدخل لإعادة بناء توافقات أوسع؟ في هذا الإطار، يبرز مؤتمر الرياض كمحاولة للانتقال من إدارة التناقضات إلى احتوائها، عبر السعي إلى مصالحة شرقية–جنوبية تُخفف الاستقطاب وتؤسس لاستقرار أطول نفسًا، شريطة ألا تتحول إلى تسوية شكلية جديدة، بل إلى مسار يعالج الجذور السياسية والاجتماعية، تحت مظلة الدولة المعترف بها سياسيًا وعسكريًا، ويمنع تثبيت الخارطة المستجدة كمقدمة لانقسامات أكثر رسوخًا.

ولا يمكن فصل هذا كله عن السياق الدولي الأوسع، حيث تحوّل البحر الأحمر وباب المندب إلى مركز صراع جيوسياسي مفتوح، في ظل تصاعد التوترات واضطراب سلاسل الإمداد العالمية، لا سيما بعد حرب غزة. ضمن هذا الإطار، كثّفت الإمارات حضورها العسكري في الجزر اليمنية القريبة من المضيق، عبر إنشاء مدارج وقواعد في مواقع مثل جزيرة ميون وجزيرة زقر، قبل أن يتعزز هذا المسار بانخراط إسرائيلي متزايد في فضاء القرن الإفريقي، بما في ذلك صومال لاند. وقد قُرئ هذا التمدد في الرياض بوصفه مساسًا بالمجال الحيوي للمملكة ومحاولة لإعادة تشكيل موازين الأمن البحري على نحو يفضي إلى تطويق استراتيجي غير مباشر.

هذا التحول نقل اليمن من كونه ملفًا خليجيًا تقليديًا إلى عقدة ضمن معادلة أمنية عالمية أوسع، خاصة مع تنامي المخاوف من إعادة إنتاج نموذج صومال لاند في جنوب اليمن، عبر سلطات أمر واقع بلا اعتراف دولي، لكنها قابلة للاندماج في ترتيبات إقليمية ودولية موازية، بما في ذلك الانفتاح على إسرائيل، كما توحي بذلك مؤشرات متكررة في خطاب بعض قادة المجلس الانتقالي الجنوبي. في هذا السياق، يتراجع هامش المناورة أمام مشاريع الوكلاء، ويغدو الاستقرار القائم على التفكيك أقل قابلية للاستمرار، وهو ما يفسّر تشدد الموقف السعودي في حضرموت، حيث تدفع المملكة، بالتوازي مع مشروعها التنموي ضمن رؤية 2030، نحو صيغ استقرار أقل فوضوية وأكثر قابلية للاستدامة، تربط الأمن الإقليمي بمنطق الدولة والمؤسسات، لا بمنطق النفوذ المؤقت.

وتكشف التجربة اليمنية مع الحلفاء حدود القوة حين تنفصل عن معنى الدولة، وحدود السياسة حين تتجاهل منطق الجغرافيا. فاليمن لا يمكن إدارته كملف أمني، ولا اختزاله إلى جزر نفوذ متجاورة، ولا إخضاعه طويلًا لمنطق الوكلاء. إما مسار بطيء يعيد الاعتبار لفكرة الدولة، بوصفها إطارًا قانونيًا وسياديًا يتحمل مسؤولية الأرض والقرار، أو استمرار حالة سيولة جيوسياسية ستبقى قابلة للانفجار، وتتجاوز آثارها اليمن إلى الإقليم الأوسع. وبين هذين الخيارين، لا يبدو أن الجغرافيا ستظل صامتة طويلًا؛ فهي، في نهاية المطاف، لا تكتفي بأن تكون مسرحًا للصراع، بل تتحول – عاجلًا أم آجلًا – إلى حكم على من حاول إدارتها ضد منطقها.

كاتب

تنويه | الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبه حصراً، ولا تعكس بالضرورة التوجّه التحريري لمؤسسة "هنا كندا" الإعلامية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل