رأي

الحربُ في السّودان: أزمة الدّولة، تعقيداتُ السّلاح، ومأزق الانتقال السّياسي

يُظهر الصراع في السودان مواجهة مباشرة بين قائد الجيش السوداني وقائد ميليشيا الدعم السريع في معركة مفتوحة على النفوذ والسيطرة، تفاقمت بفعل تدخلات أجنبية مفضوحة أسهمت في إطالة أمد الحرب، وأدت إلى انهيار مؤسسات الدولة واتساع نطاق الكارثة الإنسانية التي يدفع المدنيون ثمنها – الصورة لـ فايننشال تايـمز

تفصل السودان أسابيع قليلة عن الذكرى الثالثة لاندلاع الحرب، فيما لا تزال البلاد عالقة في حالة جمود دموي، تتواصل خلالها العمليات العسكرية، خاصة في إقليم كردفان بولاياته الثلاث: شمال، وجنوب، وغرب كردفان. ويبدو واضحًا أن الصراع لم يقترب بعد من نهايته، بل إن المعطيات الميدانية والسياسية تشير إلى أن الحرب مرشحة للاستمرار لفترات أطول، بفعل تداخل مجموعة من العوامل المركبة، في مقدمتها الخصوصية الجغرافية للسودان، إلى جانب البعد الخارجي الذي ما زال حاضرًا بقوة ومؤثرًا في مسار الصراع.

فالدعم الخارجي، لا سيما ذلك الذي يتدفق إلى قوات الدعم السريع، لا يزال قائمًا بكميات مؤثرة، وعدم القدرة على إيقافه، سواء من قبل الحكومة السودانية أو من الأطراف الإقليمية والدولية التي تعلن رغبتها في رعاية عملية سلمية، وعلى رأسها الرباعية المكوّنة من المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية، يجعل من فرص إنهاء الحرب أمرًا بالغ الصعوبة. ورغم أن بعض مسارات الإمداد شهدت تراجعًا نسبيًا خلال الفترة الأخيرة، خصوصًا القادمة من إفريقيا الوسطى وجنوب السودان، إلا أن التركيز بات واضحًا على المنافذ الغربية، وبالتحديد شرق وجنوب ليبيا، التي أصبحت تشكل شريانًا حيويًا لاستمرار القتال. وفي حال عدم إغلاق هذا المنفذ، تظل احتمالات توقف الحرب في المدى القريب ضعيفة للغاية.

إلى جانب العامل الخارجي، تبرز معطيات داخلية لا تقل أهمية، ترتبط بإشكاليات بنيوية متجذرة في بنية الدولة السودانية منذ تأسيسها. فهذه الإشكالات ليست وليدة اللحظة، بل صاحبت الدولة منذ إعلان قيامها، سواء في أعقاب الثورة المهدية عام 1885 أو خلال المراحل اللاحقة من تاريخ السودان الحديث. وقد أدى هذا المسار التاريخي المضطرب إلى تراكم خبرات قتالية واسعة داخل المجتمع، حيث نشأت أجيال كاملة في بيئات صراع، واكتسبت معرفة دقيقة بطبيعة الأرض وأساليب القتال، ما ساهم في ترسيخ العسكرة كأحد ملامح الواقع السوداني، ومنح الفاعلين المسلحين قدرة أكبر على الاستمرار والمناورة.

وفي هذا السياق، تبرز إشكالية طبيعة سير العمليات العسكرية، في ظل اتهامات متزايدة توجه إلى الجيش السوداني وبعض الفصائل المتحالفة معه، تتعلق بتنفيذ عمليات استهداف على أسس عرقية أو إثنية. مثل هذه الاتهامات لا تعقّد المشهد العسكري فحسب، بل تلقي بظلالها الثقيلة على شرعية العمليات برمتها، وتفتح الباب أمام تحميل الجيش مسؤولية ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، لا سيما في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية. ويزداد هذا التحدي تعقيدًا في ظل استخدام بعض الأساليب والتقنيات العسكرية التي قد لا تراعي المعايير المنصوص عليها في القانون الدولي الإنساني.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن بعض الفصائل المسلحة التي تقاتل إلى جانب الجيش تحمل بدورها توجهات ذات طابع مناطقي أو إثني، وتمارس سلوكيات لا تختلف كثيرًا عن تلك المنسوبة إلى قوات الدعم السريع، من حيث الانتهاكات والجرائم. وهذا الواقع يفرض على القيادة العسكرية محاولة حصر أدوار هذه المجموعات ضمن نطاق ضيق ومحكوم، لأن أي تجاوزات تُحسب مباشرة على المؤسسة العسكرية، بما لذلك من آثار سلبية على المسار السياسي وفرص التقدم نحو تسوية شاملة.

أما على صعيد الرهانات السياسية، فهي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمستقبل العملية السياسية والمفاوضات التي تُطرح بين الحين والآخر، سواء عبر مبادرات إقليمية أو دولية.

الاعتقاد بإمكانية إيقاف الحرب عبر وساطات شكلية أو ضغوط محدودة يبدو تصورًا مبسطًا لواقع شديد التعقيد. فلو كانت الأزمة قابلة للحل بهذه السهولة، لما وصلت البلاد إلى هذا المستوى من الانفجار العسكري.

ذلك أن السودان يواجه اليوم فاعلًا مسلحًا، هو قوات الدعم السريع، استطاع أن يحقق مكاسب سياسية وعسكرية واقتصادية غير مسبوقة، ويحصل على درجة من الشرعية لم يكن يتمتع بها في ظل النظام السابق. ففي عهد الرئيس الأسبق عمر البشير، كانت هذه القوات تعمل ضمن إطار الدولة وتخضع – نظريًا – لقوانين الأجهزة العسكرية والأمنية. لكن عقب سقوط النظام، وإلغاء النصوص القانونية التي كانت تربطها بالقوات المسلحة، تحولت إلى قوة مستقلة، تمتلك نفوذًا سياسيًا واسعًا، وشبكة علاقات خارجية، استفادت فيها من مشاركتها في حرب اليمن ضمن تحالف عاصفة الحزم، ومن دورها في ملف مكافحة الهجرة غير النظامية بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي.

وبمرور الوقت، تمكنت قوات الدعم السريع من بناء نفوذ اقتصادي كبير، قائم على السيطرة على موارد الذهب والانخراط في أنشطة تجارية متعددة، ما أفضى إلى تشكّل ما يشبه الإمبراطورية الاقتصادية. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن إبعاد أو تحييد هذه القوة من المشهد السياسي؟ من الصعب تصور أن الإجابة تكمن في التفاوض وحده، إذ إن أي اتفاق يؤدي إلى إقصاء الدعم السريع يعني عمليًا إنهاء وجوده السياسي، وهو أمر لن يقبل به قادته، وعلى رأسهم محمد حمدان دقلو وشقيقه عبد الرحيم.

ومن هذه الزاوية، يفرض سؤال “اليوم التالي للحرب” نفسه بوصفه التحدي الأبرز. فرغم أن الجيش السوداني يُعد مؤسسة متكاملة تخضع لتراتب عسكري واضح، فإن إعادة ترتيب المشهد تتطلب مقاربة جريئة، قد تشمل إحالة القيادات العسكرية العليا إلى التقاعد أو الصالح العام. ورغم ما قد يبدو في ذلك من كلفة سياسية وأمنية، إلا أنه قد يشكل مدخلًا ضروريًا لإعادة بناء العلاقة بين العسكري والسياسي، عبر إبعاد المؤسسة العسكرية عن أي أدوار سياسية، وحصر مهامها في نطاقها المهني، بوصف ذلك شرطًا أساسيًا لبناء نظام ديمقراطي مستقر.

كما أن إنهاء وجود أي فصائل مسلحة خارج إطار القوات المسلحة، إلى جانب إرساء مسار جاد للعدالة الانتقالية، يمثلان حجر الزاوية لأي عملية تعافٍ وطني حقيقية. فمن دون العدالة، لا يمكن تحقيق سلام مستدام، ولا بناء ثقة مجتمعية قادرة على تجاوز آثار الحرب.

وفي الإطار السياسي، تبرز الحاجة إلى حوار سوداني–سوداني شامل، تشارك فيه مختلف القوى السياسية والاجتماعية، بهدف التوافق على إدارة فترة انتقالية ذات مهام محددة وسقف زمني واضح. ويمكن أن تقوم هذه المرحلة على مجلس سيادة محدود العدد، لا يتجاوز ثلاثة أعضاء، إلى جانب حكومة كفاءات وطنية مستقلة غير منتمية حزبيًا، تتولى تنفيذ ملفات الإصلاح الأمني، والدمج والتسريح، والإعداد للانتقال الديمقراطي.

وخلال العام الأول من الفترة الانتقالية، تُجرى انتخابات جمعية تأسيسية تتولى صياغة دستور توافقي يحظى بقبول واسع، ويُعرض للاستفتاء الشعبي في ختام أعمالها. ومع إجازة الدستور، تنتهي المرحلة الانتقالية، وتبدأ العملية الانتخابية الشاملة على مختلف المستويات.

ويظل تبني نظام فيدرالي حقيقي أحد المفاتيح الأساسية لتحقيق الاستقرار، نظرًا لكون أزمات السودان في جوهرها مرتبطة بالتنمية غير المتوازنة، والتمثيل السياسي، وتقاسم السلطة والثروة. فالفيدرالية تتيح توزيعًا عادلًا للصلاحيات، من المستوى المحلي إلى الإقليمي، مع حصر مهام المركز في قضايا الأمن القومي، والسياسة الخارجية، وإدارة العملة الوطنية. ولا يبدو تحويل الولايات الثماني عشرة الحالية إلى أقاليم فيدرالية أمرًا مستبعدًا، بل قد يشكل مدخلًا واقعيًا لإدارة بلد شاسع المساحة، يحتاج إلى حكم لا مركزي فعلي، لا شكلي.

أما إذا فشلت القوى السياسية في التوافق حول هذه الرؤية أو خارطة الطريق، فإن الحرب لن تكون طريقًا للاستقرار، بل مدخلًا لمزيد من الانقسام والتشظي. فالمشهد السياسي الراهن يعكس حالة استقطاب حاد، تسعى فيه كل قوة إلى إقصاء الأخرى والاستئثار بالمشهد، بدلًا من استخلاص الدروس القاسية التي فرضتها الحرب.

إن استمرار لجوء القوى السياسية إلى المؤسسة العسكرية أو الفصائل المسلحة كوسيلة للوصول إلى السلطة، سواء عبر الانقلابات أو غيرها، لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج دوامة العنف التي عاشها السودان منذ الاستقلال. وقد آن الأوان لتوحيد المؤسسة العسكرية، وإخضاعها الكامل للسلطة السياسية المنتخبة، وجعل هذه التجربة محطة أخيرة في تاريخ الصراع على السلطة في السودان.

كاتب

تنويه | الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبه حصراً، ولا تعكس بالضرورة التوجّه التحريري لمؤسسة "هنا كندا" الإعلامية

د. محـمد تـورشين

باحث وكاتب في الشؤون الإفريقية | باريس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل