رأي

هل تنجحُ الصّومال في كسر إرث الانتخابات غير المباشرة؟

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود يدلي بصوته خلال الانتخابات المحلية في مقديشو يوم 25 ديسمبر، في خطوة تُعد جزءًا من جهود البلاد نحو تعزيز المشاركة الشعبية وإعادة بناء الشرعية السياسية – الصورة لـ غيتي إيماجيس عبر آن بي سي نيوز

تعكس الانتخابات البلدية التي تجري في ديسمبر 2025 بالصومال حجم التباين في وجهات النظر بين معسكر الرئاسة بقيادة حسن شيخ محمود وبين القوى السياسية المعارضة الأخرى، فقد اجتمعت الأخيرة خلال شهر ديسمبر في كيسمايو وأصدرت بيانًا عبّرت فيه عن رفضها، بشكل مباشر وغير مباشر، للعملية الانتخابية، معتبرةً أنها تفتقر إلى التوافق السياسي والضمانات القانونية الكافية. ويُنظَر إلى هذه الانتخابات على أنها خطوة مفصلية في التاريخ السياسي الصومالي، إذ تأتي بعد انقطاع طويل منذ عام 1969، وهو العام الذي شهد آخر انتخابات مباشرة في الصومال. فبعد وصول الرئيس الأسبق محمد سياد بري إلى السلطة، ألغى عملية الاقتراع المباشر، وتحولت العملية السياسية إلى انتخابات غير مباشرة تتمحور حول الزعامات الأهلية وشيوخ العشائر والقبائل. وقد أدى هذا النموذج، على مدى عقود، إلى إضعاف دور المواطن وتعميق الانقسامات الاجتماعية، وربط الشرعية السياسية بالبنية العشائرية بدلًا من الإرادة الشعبية. ومن هذا المنطلق، فإن عودة الحياة السياسية المباشرة وتمكين المواطنين من اختيار ممثليهم بأنفسهم، تُعد خطوة بالغة الأهمية في تعزيز الشراكة الوطنية، وترسيخ الممارسة السياسية الشعبية، ومنح الشعب دورًا فاعلًا في تحديد مسارات الحياة السياسية وإثراء المشاركة السياسية.

تكتسب الانتخابات البلدية بعدًا إضافيًا في سياق إعادة بناء الدولة الصومالية، إذ تمثل الحكم المحلي بوصفه المدخل الأول لترسيخ مفهوم اللامركزية الإدارية والسياسية، وتعزيز ثقة المواطن في مؤسسات الدولة. فالمجالس البلدية المنتخبة، في حال تم تمكينها قانونيًا وماليًا، يمكن أن تلعب دورًا محوريًا في تقديم الخدمات الأساسية، وإدارة الموارد المحلية، والمساهمة في الحد من النزاعات ذات الطابع العشائري عبر أطر مؤسسية جامعة. كما أن نجاح هذا المستوى من الانتخابات قد يشكل قاعدة صلبة للانتقال لاحقًا إلى انتخابات برلمانية ورئاسية مباشرة، وهو ما تطمح إليه قطاعات واسعة من المجتمع الصومالي بعد عقود طويلة من التهميش السياسي وغياب الدولة المركزية الفاعلة.

رغم أهمية هذه الخطوة، إلا أن الصومال لا يزال يواجه جملة من الإشكاليات والتحديات الجوهرية. ففي مقدمة هذه التحديات يأتي غياب الاستقرار السياسي والأمني، المرتبط بشكل مباشر باستمرار نشاط حركة الشباب وسيطرتها على مساحات واسعة من الأراضي الصومالية، وقدرتها على تهديد مؤسسات الدولة واستهداف المدنيين والعملية السياسية برمتها. كما تبرز إشكالية إعلان أرض الصومال الانفصال من جانب واحد منذ تسعينيات القرن الماضي، وهو نموذج بدأ يُلهم أقاليم أخرى بمحاولة السير في الاتجاه ذاته، ما يهدد وحدة الدولة الصومالية ومستقبلها السياسي.

شهد إقليم بونتلاند خلال السنوات الأخيرة ارتفاع وتيرة النزعات الانفصالية، فضلًا عن وجود تباينات وخلافات داخلية بين الأقاليم الصومالية، مثل جوبا لاند، تعكس حالة التنافس السياسي وعدم الانسجام، وخلافًا جوهريًا حول شكل الدولة والعلاقة مع مقديشو

وفي السياق ذاته، تبرز إشكالية لا تقل أهمية، تتمثل في غياب قانون انتخابي شامل ومتوافق عليه ينظم كيفية إجراء الانتخابات على مختلف المستويات، سواء البلدية أو البرلمانية أو الرئاسية. إن استمرار هذا الإشكال يفتح الباب أمام تفسيرات متباينة للإجراءات الانتخابية، ويغذي الشكوك حول نزاهة العملية السياسية وشرعيتها. كما أن وجود إطار قانوني واضح يُعد شرطًا أساسيًا لضمان تكافؤ الفرص بين الفاعلين السياسيين، وتحديد صلاحيات المؤسسات المشرفة على الانتخابات، لتفادي الخلافات السياسية والقانونية التي قد تنشأ حول آليات الانتخابات ونتائجها. وتُعد مسألة التمويل الانتخابي والموازنة المخصصة للعملية الانتخابية من القضايا الحساسة والمؤثرة بشكل مباشر في أداء الأحزاب والقوى السياسية؛ فالتمويل العادل والمنظم يتيح للأحزاب التواصل والتفاعل مع الجماهير، وعرض برامجها الانتخابية، والمنافسة على أسس سياسية وبرامجية واضحة، بدلًا من الاعتماد على النفوذ العشائري. وفي ظل محدودية الموارد وضعف الرقابة المالية، تخشى بعض الأطراف من أن تتحول الانتخابات إلى ساحة غير متكافئة تكرّس هيمنة قوى بعينها على المشهد السياسي.

في المقابل، ترى قوى المعارضة أن المضي قدمًا في تنظيم الانتخابات دون تحقيق توافق وطني شامل قد يؤدي إلى تعميق حالة الاستقطاب السياسي بدلًا من الإسهام في تحقيق الاستقرار المنشود. كما تعبّر هذه القوى عن مخاوفها من توظيف إمكانات الدولة ومؤسساتها لصالح معسكر الرئيس حسن شيخ محمود، فضلًا عن المخاطر الأمنية التي قد تهدد سلامة العملية الانتخابية والمشاركة الشعبية. أما معسكر الرئيس الصومالي، فيعتبر أن تأجيل الانتخابات أو ربطها بشروط توافقية معقدة قد يُبقي البلاد رهينة للجمود السياسي، ويفوّت فرصة تاريخية لإعادة بناء الشرعية من القاعدة إلى القمة.

وعليه، يمكن القول إن الانتخابات البلدية تمثل خطوة مهمة ومفصلية في المسار السياسي الصومالي، لكنها تظل بحاجة ماسّة إلى حوار سياسي جاد وتفاهمات وطنية واسعة بين مختلف القوى السياسية، تضمن مشاركة شاملة وتوافقًا حول القواعد الناظمة للعملية الانتخابية. كما يتطلب الأمر تمرير هذه العملية عبر البرلمان، واعتمادها ضمن إطار قانوني واضح بمراحلها المختلفة. وإذا ما نجحت الصومال في تحقيق ذلك، فإنها ستكون قد خطت خطوة كبيرة نحو تعزيز الاستقرار السياسي، ومعالجة التحديات البنيوية والأمنية، ووضع أسس أكثر صلابة لبناء دولة المؤسسات والقانون، بما يجعلها قادرة على تلبية تطلعات مواطنيها بعد عقود من الاقتتال

كاتب

تنويه | الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبه حصراً، ولا تعكس بالضرورة التوجّه التحريري لمؤسسة "هنا كندا" الإعلامية

د. محـمد تـورشين

باحث وكاتب في الشؤون الإفريقية | باريس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل