مُونديال 2026 تحت هاجسِ الأمن وشبحِ المُناخ

مع بداية العد التنازلي وبقاء أقل من عام على انطلاق كأس العالم 2026 المقرر في يونيو المقبل بالولايات المتحدة وكندا والمكسيك، في نسخة استثنائية تقام ولأول مرة في التاريخ بثلاث دول متجاورة، وبمشاركة 48 منتخبًا ضمن نظام جديد أقره الاتحاد الدولي لكرة القدم “الفيفا”، مما يعني تنظيم 80 مباراة موزعة على 16 مدينة في قارتين. وهو توسع يصفه البعض بأنه احتفالية عالمية بكرة القدم، إلا أن تداعياته الأمنية والاقتصادية والبيئية تثير قلقًا متزايدًا لدى عشاق المستديرة، خاصة بعد الوقوف على الواقع الحقيقي لبطولة كأس العالم للأندية التي نظمتها الولايات المتحدة الأمريكية صيف العام الماضي، والتي شهدت سلبيات عديدة، لعل أبرزها التحديات المناخية الصعبة التي كانت محل انتقادات كبيرة من الجماهير واللاعبين والأجهزة الفنية للأندية، إضافة إلى المسؤولين بالاتحاد الدولي لكرة القدم.
حلول مبتكرة
ولعل تصريح رئيس “الفيفا” جياني إنفانتينو عن التحديات التي تواجه مونديال 2026 أكبر دليل على ما نقوله، حيث أكد سابقًا أن هناك تحديات عديدة تواجه البطولة العالمية، مثل المسافات البعيدة بين المدن المستضيفة، وكذلك جودة أرضيات الملاعب، وقال: “من الواضح أن هناك تحديات، مثل المسافات التي ستتطلب حلولًا مبتكرة في البلدان الثلاثة، لضمان عدم اضطرار الفرق والمشجعين للسفر لمسافات طويلة، وتوفير أيام راحة كافية للاعبين بين المباريات، ليكونوا جاهزين للمواجهة التالية”، وكذلك: “جودة أرضيات الملاعب تمثل تحديًا آخر نهتم به، وسيكون هناك عشب طبيعي ممتاز في كل ملعب.”
خبراء المناخ
وتتزايد المخاوف بشأن سلامة الملاعب المستضيفة بسبب موجات الحر القياسية، إذ كشف تقرير جديد بعنوان “الملاعب في خطر”، صادر عن منظمات “فوتبول فور فيوتشر” و”كومون غول”، إلى جانب شركة التحليل المناخي “جوبيتر إنتليجنس”، أن 10 من أصل 16 ملعبًا مخصصًا للبطولة لا يحترم معايير الأمان المرتبطة بدرجات الحرارة، ما يضع الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا” أمام معضلة حقيقية. وقد اعتمد التقرير على مؤشر “WBGT” الخاص بالإجهاد الحراري، محددًا 35 درجة حدًا أقصى لإقامة المباريات، ومشيرًا إلى أن 90% من الملاعب في أميركا الشمالية ستحتاج إلى التكيّف مع الظروف المناخية الصعبة.
تجربة قطر
ولعل ما يزيد من خطورة الوضع هو تأكيد العديد من مدربي اللياقة البدنية في المنتخبات الوطنية أن مونديال قطر 2022 قدّم نموذجًا مثالياً للبطولات الكبرى، موضحين أن توقيت البطولة في الخريف وبداية الشتاء وفر ظروفًا مناخية ملائمة سمحت للاعبين بتقديم مستويات عالية، إضافة إلى أن خوضها في منتصف الموسم ضَمَن جهوزية بدنية مثالية للنجوم، خلافًا لما يحدث عادة بعد انتهاء البطولات المحلية، حيث يكون اللاعبون في قمة الإجهاد، ومع الحرارة العالية في أمريكا سيكون الوضع أصعب وأخطر على اللاعبين.
مشكلة التأشيرات
ومن بين المشكلات الأخرى التي قد تواجه الجماهير وتمثل تحديًا كبيرًا لسلطات البلدان الثلاثة المعنية بتنظيم المونديال، مشكلة “التأشيرة” والتأخر في الإجراءات، وهل الدول الثلاثة جاهزة لإجراء تغييرات كبيرة وبسرعة، وهو ما أكده العديد من الخبراء الأمريكيين، الذين أعربوا عن مخاوف حقيقية بشأن ما إذا كان نظام السفر الأمريكي مستعدًا للتعامل مع تدفق المسافرين الأجانب المتوقع قدومهم خلال البطولة. وقد تؤدي التكنولوجيا القديمة ونقص الموظفين إلى انتظار الزوار لفترة طويلة لإنهاء إجراءات الجمارك، خاصة وأنه من المتوقع وصول ما بين 6 و8 ملايين زائر، وفقًا لتقديرات رابطة السفر الأمريكية.
الحدود الجنوبية
وعلى الرغم من قوة البنية التحتية في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، تبرز قضايا مثل التكاليف المرتفعة، ونقص التنسيق الأمني في ظل التهديدات المتزايدة، وصعوبة التنسيق بين الدول المضيفة الثلاث، بالنظر إلى السياسات الحدودية المشددة، خاصة مع الإجراءات الصارمة على الحدود الجنوبية بين المكسيك والولايات المتحدة.
قد يؤدي التشديد الأمني إلى تفتيش مفرط وتأخير غير مبرر للزوار، بسبب غياب التنسيق الفيدرالي، وحتى الآن لم يتم تشكيل لجنة تنسيق موحدة بين الحكومة الفيدرالية والمدن المستضيفة والوكالات المختصة، مما قد يعيق الاستعداد بالشكل المطلوب
الأوضاع السياسية
إضافة إلى كل المشاكل، شهدت وتشهد بعض الولايات الأمريكية احتجاجات ضد الإدارة، مما يثير القلق بشأن الوضع الأمني خلال البطولة. وهذه الاحتجاجات تعكس انقسامًا سياسيًا واجتماعيًا، وتثير تساؤلات حول قدرة السلطات على ضمان الأمن الكامل، خاصة في المدن المستضيفة. كما لا ننسى الوضع الدولي الراهن بسبب مشاركة الولايات المتحدة في العديد من القضايا السياسية الشائكة، مثل الحرب مع إيران والقضية الفلسطينية نتيجة مساندة الكيان الصهيوني.
العائدات المالية
وحتى لا نعطي صورة سوداوية وسلبية بالكامل عن مونديال 2026، هناك بعض الإيجابيات المنتظرة، منها تأكيد “الفيفا” أن المداخيل المنتظرة من كأس العالم 2026 ستصل إلى 10 مليارات دولار، وهذا الرقم يتجاوز بأكثر من الضعف ما جناه “الفيفا” خلال دورة روسيا 2018، ويزيد بنسبة تقارب 75% عن العوائد التي تحققت في دورة قطر 2022، التي بلغت نحو 7.5 مليار دولار. ويرجع السبب الرئيسي لهذا النمو الضخم في الإيرادات المتوقعة إلى توسيع نطاق البطولة من 32 إلى 48 منتخبًا، وزيادة عدد المباريات من 64 إلى 104 مباريات، كما أن الحضور الجماهيري من المتوقع أن يكون الأكبر في تاريخ البطولة، في “لحظة التقاء عالمي غير مسبوقة”، تمتزج فيها الرياضة بالتكنولوجيا والموسيقى والثقافة والإعلام والسياسة والهوية، في حدث يتجاوز كل ما سبق من أحداث رياضية.
تنويه | الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبه حصراً، ولا تعكس بالضرورة التوجّه التحريري لمؤسسة "هنا كندا" الإعلامية