الفاعلون المسلّحون خارج الدّولة: القوّة التي تُعيد تشكيل السّلطة في إفريقيا

تشهد القارة الإفريقية في العقود الأخيرة تحولات عميقة في طبيعة الصراع والسلطة، لم تعد تُختزل في نزاعات داخلية تقليدية أو أزمات أمنية عابرة، بل باتت تعبّر عن اختلالات بنيوية تمس جوهر الدولة الوطنية وأنماط الحكم وحدود السيادة الفعلية. وفي قلب هذه التحولات، يبرز صعود الفاعلين المسلحين من غير الدول بوصفه أحد أهم مظاهر إعادة تشكيل المشهد السياسي والأمني، حيث لم يعودوا مجرد أطراف هامشية تعمل في هوامش الدولة، بل تحولوا إلى فاعلين مؤثرين ينازعون السلطة المركزية على احتكار العنف المشروع، ويمارسون أدوارًا شبه سيادية في عدد متزايد من المناطق الهشة.
ويعكس هذا التحول أزمة مركبة في نموذج الدولة الإفريقية فيما بعد الاستعمار، تتداخل فيها هشاشة المؤسسات، وضعف قدرتها في بسط السيطرة على أقاليمها، وتفاوت التنمية، مع تدخلات خارجية تؤجج الأزمات المتفاقمة بالفعل. وفي سياق كهذا، لم يعد فهم ظاهرة الفاعلين المسلحين من غير الدول مسألة أمنية ضيقة، بل مدخلًا أساسيًا لتحليل ديناميكيات الحكم، وإعادة توزيع القوة، وتحولات الشرعية السياسية في إفريقيا. وعليه، نحاول في هذا الإطار تفكيك العوامل البنيوية والسياسية والاقتصادية والبيئية التي أسهمت في صعود هذه الكيانات، وبيان كيف أصبحت تمثل “الوجه الآخر” لأزمات القارة، لا بوصفها نتيجة للأزمة فحسب، بل باعتبارها جزءًا من بنيتها المتجددة.
في البداية، تجدر الإشارة إلى أن بعض الدول الإفريقية، وخصوصًا في منطقة الساحل مثل بوركينا فاسو، لجأت إلى تسليح مجموعات محلية تحت مسمى تنظيمات الدفاع الذاتي -التي تُعد نموذجًا من نماذج الفاعلين المسلحين من غير الدولة- كحل مؤقت لتعويض ضعف القوات النظامية. وأسهمت هذه السياسات في طمس الحدود بين العنف المشروع وغير المشروع، ومنحت شرعية ضمنية لفاعلين مسلحين خارج الأطر المؤسسية، بما قوض جهود الدولة في استعادة احتكار القوة.
التمييز الانتقائي بين جماعات يُمكن إدماجها سياسيًا وأخرى تُصنّف كجماعات إرهابية غالبًا ما يخضع لحسابات سياسية وإقليمية ودولية، ما يؤدي إلى إعادة إنتاج الصراع في أشكال جديدة بدل احتوائه.
وفي سياق محفزات أخرى، يبرز تأثير العوامل الخارجية -الإقليمية أو الدولية- في تعزيز حضور الفاعلين المسلحين من غير الدولة. وتُعد حركة 23 مارس (M23) في الكونغو الديمقراطية نموذجًا بارزًا لهذا التأثير، إذ نشأت هذه الجماعة المتمردة في ظل نزاعات عرقية وسياسية، وتمكّنت بفضل الدعم الرواندي من توسيع سيطرتها الميدانية في إقليم كيفو الشمالي بشرق البلاد، بما يشمل ثقلًا اقتصاديًا وموارد استراتيجية. ويبرز هذا المثال كيف يمكن للدور الخارجي، سواء على المستوى الإقليمي أو ضمن حسابات دولية أوسع، أن يعمل كمحفز مباشر لاستدامة نفوذ الفاعلين المسلحين، عبر تزويدهم بالموارد المادية والغطاء السياسي الذي يعيد إنتاج نفوذهم ويعزز استمراريتهم رغم الضغوط الداخلية والدولية.
ويتقاطع هذا البعد مع عامل اقتصادي لا يقل أهمية، يتمثل في ارتباط عمل هؤلاء الفاعلين المسلحين من دون الدولة باقتصاد الموارد الطبيعية، خاصة في المناطق الإفريقية الغنية بالمعادن والمواد الأولية. فقد أصبح التحكم في الذهب والكوبالت والماس وغيرها من الموارد مصدرًا رئيسيًا لتمويل الصراعات، ما أسهم في ترسيخ “اقتصاد العنف” بوصفه نمطًا قائمًا بذاته، تتحول فيه الحرب من وسيلة لتحقيق أهداف سياسية إلى نشاط اقتصادي مربح. ندلل على ذلك بتطورات الصراع في السودان -المندلع منذ أبريل 2023- التي كشفت عن انخراط مقاتلين أجانب -كولومبيين وغيرهم- في صفوف قوات الدعم السريع مقابل حوافز مالية تصل إلى 4000 دولار شهريًا، بما يعكس في الوقت نفسه تزايد الطابع العابر للحدود للصراعات الإفريقية واعتماد الجماعات المحلية على شبكات دعم خارجية لتعزيز قدراتها العسكرية.
وفي نيجيريا، تتجلى هذه الديناميكيات في تعدد أنماط الفاعلين المسلحين غير الحكوميين، من بوكو حرام ذات المرجعية الأيديولوجية المتطرفة، إلى جماعات دلتا النيجر المرتبطة بصراعات الموارد، وصولًا إلى عصابات الطرق الريفية المتورطة في التهريب والابتزاز. ويعكس هذا التنوع تداخل المحفزات الاقتصادية والأمنية والمؤسسية، حيث أسهم ضعف الدولة في بعض الأقاليم، إلى جانب وفرة الموارد الطبيعية، في خلق بيئة مواتية لتعدد أشكال العنف المنظم، ما يعقّد من مقاربات التعامل مع هؤلاء الفاعلين المسلحين، ويحد من فاعلية الحلول الأمنية التقليدية.
وإلى جانب العوامل البنيوية والسياسية، أفرزت التغيرات المناخية بعدًا إضافيًا أسهم في تعميق حضور الفاعلين المسلحين من غير الدول، إذ تجاوزت كونها أزمة بيئية لتغدو عاملًا مُيسّرًا لتمدّدها ولقدرتها على الترسخ الميداني. ففي حوض بحيرة تشاد، على سبيل المثال، أعاد تغيّر المناخ تشكيل البيئة الحاضنة للعنف المنظم، بعدما كان هذا الإقليم يمثل أحد أهم الموارد المائية ومصادر سبل العيش لملايين السكان في النيجر ونيجيريا وتشاد والكاميرون.
وقد أدت موجات الجفاف المتكررة وتقلّب أنماط الطقس إلى انكماش مساحة البحيرة بصورة حادة، ما فاقم ندرة الموارد الطبيعية وتدهور الأوضاع المعيشية، وأسهم في تصاعد التوترات الاجتماعية واحتدام المنافسة على المياه والأراضي الصالحة للزراعة. ومع الارتفاع المستمر في الكثافة السكانية، التي تجاوزت الـ 38 مليون نسمة، وتراجع الفرص الاقتصادية، تحوّل الإقليم إلى فضاء هشّ مواتٍ لانتشار الجماعات المسلحة من غير الدول، واستثمار هذه الهشاشة لتعزيز نفوذها وتوسيع قواعدها الاجتماعية. على سبيل المثال، أدى تغيّر المناخ إلى تغذية استراتيجية التجنيد التي تعتمدها جماعة بوكو حرام، من خلال استغلال مواطن الضعف المتزايدة لدى السكان المحليين؛ حيث أسهم شح المياه وتراجع الأراضي الخصبة، وما ترتب عليهما من ضغوط اقتصادية ومعيشية، في جعل المجتمعات أكثر قابلية للتأثر بنفوذ الجماعة.
واستثمرت بوكو حرام هذه الهشاشة عبر تقديم حوافز مالية وخدمات أساسية بديلة في المناطق التي يغيب فيها الحضور الحكومي الفعّال، ما أتاح لها توسيع قاعدة الدعم المحلي وتعزيز نفوذها الاجتماعي. وإلى جانب ذلك، وظّفت ندرة الموارد الطبيعية، ولا سيما المياه، كأداة استراتيجية لتعزيز السيطرة على الأرض، عبر تسميم بعض مصادر المياه في المناطق التي انسحبت منها القوات الحكومية، أو فرض قيود وضرائب على الوصول إليها، بما مكّنها من ممارسة الضغط على المجتمعات المحلية والقوى المناوئة، وترسيخ حضورها الميداني وقدرتها على التمويل والاستمرار.
وختامًا، يتضح أن مسألة صعود الفاعلين المسلحين من غير الدول، لم يعد من الممكن اعتبارها مجرد ظاهرة هامشية في المشهد الإفريقي، بل جزءًا فاعلًا من بنية السلطة والنفوذ على الأرض، مستفيدين من الفراغات التي تتركها الدولة؛ فهشاشة المؤسسات، وتفاوت التنمية، والصراعات حول الموارد، بالإضافة إلى الدعم الخارجي والتغيرات المناخية، تشكّل معًا بيئة مواتية لاستمرار هذه الجماعات وتوسيع نفوذها الاجتماعي والاقتصادي. ومن هنا، يظهر أن معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تقتصر على الحلول الأمنية التقليدية أو الاستجابات الجزئية، بل تتطلب رؤية شاملة تعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع المحلي، وتعزز مؤسسات الحكم الشرعي، وتحد من الفراغات التي تستثمرها هذه الكيانات. وأخيرًا، يشكّل الوعي بدور الفاعلين المسلحين غير الحكوميين كوجه آخر لأزمات إفريقيا خطوة محورية نحو وضع سياسات شاملة تعيد الأمن، وتقوّي مؤسسات الحكم الرشيد، وتدعم مسار التنمية المستدامة في القارة.
تنويه | الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبه حصراً، ولا تعكس بالضرورة التوجّه التحريري لمؤسسة "هنا كندا" الإعلامية