خِطابٌ دينيّ وأَجنداتٌ استخباراتيّة

تشهد منطقة الساحل الإفريقي منذ عقود تحولات جذرية في بنيتها السياسية والأمنية والاجتماعية، جعلتها من أكثر مناطق العالم حساسية وتعرضاً لتقلبات التوازنات الدولية والإقليمية. وقد أسهم الموقع الجغرافي الاستراتيجي للساحل، عند التقاء شمال إفريقيا بغربها ووسطها، في تحويله إلى نقطة التقاء وصراع بين حضارات ومشاريع سياسية متباينة.
يواجه الإقليم في السنوات الأخيرة تحديات معقدة تتداخل فيها الأبعاد الإثنية مع التدخلات الخارجية، وتتصاعد فيها حدة أنشطة الجماعات المسلحة العابرة للحدود، مستفيدة من هشاشة الدولة المركزية وتفاقم مشكلات الحوكمة والفساد. تتجلى إحدى أبرز ظواهر الأزمة في توظيف الخطاب الديني كأداة للتجنيد وشرعنة العنف، دون إغفال الروابط المتشابكة للجماعات المسلحة مع شبكات استخباراتية إقليمية ودولية، ما يجعل المشهد الأمني والسياسي في الساحل ساحة صراع مفتوحة لمصالح متعارضة يصعب فصلها عن السياق العالمي للرهانات الجيوسياسية.
إرث الاستقلال وحدود الدولة الهشة
نالت دول الساحل استقلالها في الستينيات (مالي 1960، بوركينا فاسو 1960، النيجر 1960)، لكنها ورثت دولاً هشة بحدود مصطنعة وسلطة مركزية ضعيفة. ما بين 1990 و2020، تصاعدت احتجاجات الطوارق ضد التهميش في مالي والنيجر، وتحولت تدريجياً إلى حركات تمرد مسلحة (أبرزها ثورة الطوارق 1990–1995، وأخرى 2006–2009 في مالي)، في ظل إخفاقات حكومية بتنفيذ اتفاقات السلام.
في 22 مارس 2012، شهدت مالي واحدة من أخطر أزماتها: انقلاب عسكري أطاح بالرئيس أمادو توماني توري، بالتوازي مع سيطرة الجماعات المسلحة الطوارقية والإسلامية على شمال مالي (أزواد). مثّل هذا الحدث نقلة نوعية بالصراع؛ إذ تحولت مناطق واسعة إلى ساحة حرب بالوكالة بين الحكومة والفاعلين المسلحين.
ولادة التشدد الإسلامي والتواطؤ الاستخباراتي
بين 2012 و2015، برز تنظيم “أنصار الدين” و”جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” و”تنظيم الدولة الإسلامية في الصحراء الكبرى”. اتخذ أغلبها الإسلام شعاراً لدغدغة مشاعر المهمشين، لكنها ظلت، بحسب تقارير أممية وفرنسية في 2014 و2017، على صلة بأجهزة استخبارات دول الجوار (بعضها يتلقى الدعم من شبكات تهريب السلاح القادمة من ليبيا بعد سقوط القذافي عام 2011).
في يناير 2013، تدخلت فرنسا عسكرياً (عملية “سيرفال”) لصد تقدم الجماعات المسلحة باتجاه العاصمة باماكو. نجحت العملية جزئياً بتفكيك القيادات، لكنها فشلت في معالجة الجذور البنيوية للأزمة.
تاريخياً، استخدمت الجماعات المسلحة الخطاب الديني كأداة للتجنيد وتبرير الهجمات، لكنه كان أيضاً أداة استخباراتية للضغط وتصفية الحسابات؛ حيث كشفت عمليات تحرير الرهائن (منها عملية أمنية مغربية في أغسطس 2025 لتحرير سائقي شاحنات مغاربة بالقرب من الحدود مع النيجر) عن وجود شبكات تواصل بين قادة الجماعات وجهات مخابراتية، إقليمية ودولية.
التحولات الدولية الكبرى: فرنسا، روسيا، الولايات المتحدة، الاتحاد الأوروبي
- فرنسا: تواجدت في الساحل بشكل عسكري مكثف منذ 2013 حتى يونيو 2023، حين أعلنت رسمياً بدء إنهاء عملية “برخان” وسحب معظم قواتها من مالي. جاء القرار إثر تصاعد الغضب الشعبي وتوتر العلاقات مع الطغمة العسكرية التي استولت على السلطة بانقلاب أغسطس 2020 في مالي، ثم انقلابات في بوركينا فاسو (يناير 2022) والنيجر (يوليو 2023).
- روسيا: دخلت بقوة بعد الفراغ الفرنسي. ففي فبراير 2023، وقّعت بوركينا فاسو اتفاقات للتعاون الأمني مع موسكو، وظهر مرتزقة فاغنر في مالي منذ مطلع 2022. بين يوليو 2023 ويوليو 2025، طبقت الحكومات العسكرية في الساحل نموذج التعاون الروسي: دعم في مكافحة الإرهاب مقابل موارد طبيعية.
- الولايات المتحدة: زادت حضورها بعد خروج فرنسا. في مارس 2024، أعلن البنتاغون تدشين قاعدة لوجستية جديدة قرب نيامي (النيجر) لمراقبة تحركات الجماعات الإرهابية ومحاصرة نفوذ روسيا. في يوليو 2025، شاركت واشنطن في لقاءات أمنية مع حكومات الساحل في محاولة لتشكيل تحالف استخباراتي جديد.
- الاتحاد الأوروبي: دخل مع فرنسا منذ 2013 بمهمة التدريب (EUTM Mali) ودعم العمليات، لكن الأزمة تصاعدت منذ 2021، حين فشل المشروع الأوروبي في فرض سيطرة الحكومة المالية على الشمال، مما أدى إلى تغيّر الاستراتيجية الأوروبية من التدخل العسكري إلى تكثيف الدعم الإنساني والاقتصادي، وإطلاق مبادرة جديدة في سبتمبر 2023 لدعم الحكم المحلي.
صراعات عرقية مدعومة سياسياً
خلال العقد الأخير (2015–2025)، شهد الساحل تصاعداً في الصراعات القبلية: الفولاني ضد الدوغون في وسط مالي (مذبحة أوغوساغو في مارس 2019 أسفرت عن أكثر من 150 قتيلاً)، وصراعات بين الطوارق والإير في النيجر. غالباً ما دعمت النخب الحاكمة هذا الاستقطاب كأداة لضمان بقائها، حتى ولو أدى لاتساع الفوضى والمجازر.
تعمدت دول الساحل على مدى الأعوام دعم ميليشيات مرتبطة بالنخب، وتحويل الصراع العرقي إلى صراع مسلح منظم. وفي 2023، سجلت الأمم المتحدة أعلى معدل للنزوح القسري بسبب الهجمات العرقية في مالي، بوركينا فاسو، والنيجر منذ 2012.
الاقتصاد السياسي والفساد
تاريخياً، شكّل الفساد السياسي والاقتصادي مصدر انهيار الدولة في الساحل. منذ بدء تصدير الذهب واليورانيوم على نطاق واسع في تسعينيات القرن الماضي، ظهرت طبقة جديدة من المسؤولين تستغل السلطة لجني المكاسب الشخصية.
في يونيو 2021، فضحت تقارير “الشفافية الدولية” فضائح تهريب الذهب في مالي ونيجر عبر شبكات مرتبطة مباشرة بمسؤولين كبار. وعلى سبيل المثال، دعمت بعض القوى الدولية أنظمة فاسدة مقابل تعاون أمني، كما حدث في النيجر بعد 2017، ما عزز حلقة مفرغة من الاضطراب والغياب التام للشفافية.
في يوليو 2025، أدرج “مؤشر الإرهاب العالمي” ثلاث دول في الساحل ضمن الأسوأ عالمياً من حيث التهديدات الإرهابية والانفلات الأمني، مشيراً إلى ارتباط مباشر بين تزايد هجمات الجماعات المسلحة وانتشار فساد الأنظمة الحاكمة
انعكاسات الأزمة على الإقليم والعالم
بين 2012 و2025، تحولت مدن الساحل إلى معابر دولية للهجرة غير الشرعية والجريمة المنظمة. شهدت أوروبا موجات متزايدة من اللاجئين المنطلقين من الساحل عبر ليبيا بين 2015 و2022، بينما استفادت جماعات الاتجار بالبشر والمخدرات من ضعف الحدود ومعدلات الفساد المرتفعة، حتى بات الساحل حاضنة لتجارة الأسلحة والممنوعات العابرة للقارات.
في 5 أغسطس 2025، وثقت تقارير أمنية تحرير أربعة سائقي شاحنات مختطفين قرب الحدود مع النيجر في عملية استخباراتية نوعية، كشفت روابط بين شبكات التهريب وقادة محليين مدعومين من جهات دولية.
نماذج الحلول ومسارات الإصلاح
- اعتماد الحوكمة الرشيدة كشرط رئيسي لبناء مؤسسات قادرة على إدارة التنوع الإثني وحماية الحقوق، وتقديم الخدمات المتكافئة وتوزيع الثروة.
- تفكيك شبكات الفساد من خلال تبني الشفافية الدولية وفرض الرقابة على مشاريع التعدين وتصدير الموارد، مع ربط المعونات الدولية بتحقيق الإصلاحات.
- تشكيل تكتلات إقليمية للتعاون الأمني والاستخباراتي بين دول الساحل ودول غرب إفريقيا، والتركيز على مكافحة التهريب، تمويل الجماعات المسلحة، وتطوير قدرات الشرطة المحلية.
- العمل على برامج دمج للفئات المهمشة لتعزيز الاستقرار ومنع استقطاب الشباب لصالح الحركات الراديكالية.
- إعادة صياغة العلاقة مع الفاعلين الدوليين، بتثبيت الأولوية للمصلحة الوطنية وتوظيف الدعم الخارجي لخدمة أجندة التنمية لا الأجندة الأمنية فقط.
لا تزال عملية صناعة الأزمات في الساحل الإفريقي دائرة بين اللاعب المحلي المتشبث بالسلطة وأذرع الفساد، واللاعب الدولي الباحث عن مصالحه الاستراتيجية، والجماعات المسلحة العابرة للحدود التي تمثل في كثير من الأحيان مجرد أذرع أمنية في لعبة النفوذ.
بين أحداث الانقلابات العسكرية (مارس 2012، أغسطس 2020، يناير 2022، يوليو 2023)، وبين تجدّد التدخلات الروسية (2023) والانسحاب الفرنسي (2023–2025) وعودة واشنطن (2025)، لا تلوح نهاية قريبة للأزمة إلا إذا ارتكزت الحلول على معالجة الجذور البنيوية: الحكم الرشيد، العدالة الإثنية، قمع الفساد، وتحالف إقليمي مستقل يضع مصلحة شعوب الساحل فوق كل اعتبار.
بذلك، تجسد أزمة الساحل درساً حياً في التاريخ السياسي للأمم: أن غياب العدالة وشراهة الفاعل الخارجي وفساد الداخل تصنع الفوضى. أما استعادة الأمل فتحتاج إلى إرادة وطنية ودولية صادقة تسندها وقائع لا شعارات.
تنويه | الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبه حصراً، ولا تعكس بالضرورة التوجّه التحريري لمؤسسة "هنا كندا" الإعلامية