الحكومةُ الفيديراليّة أمام القضاء: خُطّتانِ مُتنافستانِ لإصلاح رعاية أطفال الأمم الأولى في كندا
في محطة جديدة من مسار قانوني وسياسي امتدّ قرابة عشرين عامًا، وجدت الحكومة الفيدرالية الكندية وزعماء من الأمم الأولى أنفسهم، خلال الشهر الجاري، أمام مهلة حاسمة فرضتها المحكمة الكندية لحقوق الإنسان لتقديم مقترحاتهم النهائية لإصلاح نظام رعاية أطفال الأمم الأولى داخل المحميات. جاء هذا التطور، وفق ما ذكرته وكالة “ذا كنديان برس”، بعد سلسلة قرارات قضائية أكدت أن أوتاوا مارست تمييزًا ممنهجًا ضد أطفال السكان الأصليين من خلال نقص التمويل المزمن لخدمات الرعاية.
قدّمت حكومة رئيس الوزراء مارك كارني خطة تمويل تتجاوز 35.5 مليار دولار حتى عام 2033 – 2034، مع التزام سنوي دائم بقيمة 4.4 مليارات دولار بعد ذلك، في حين تقدّمت منظمات تمثيلية للأمم الأولى بمقترح موازٍ تُقدَّر كلفته بنحو 50 مليار دولار، معتبرة أن العرض الحكومي لا يعكس حجم الضرر التاريخي ولا يضمن نقل القرار إلى المجتمعات الأصلية نفسها.
خلفية قانونية: حكم إدانة لم يُترجم إلى إصلاح
تعود جذور القضية إلى عام 2007، عندما رفعت جمعية رؤساء الأمم الأولى وجمعية رعاية أطفال وأسر الأمم الأولى شكوى رسمية ضد الحكومة الفيدرالية، متهمة إياها بانتهاك حقوق الأطفال من خلال تخصيص تمويل أقل بكثير من نظيره المخصص للأطفال غير الأصليين. وبعد سنوات من المداولات، أصدرت المحكمة الكندية لحقوق الإنسان عام 2016 حكمًا اعتُبر مفصليًا، خلص إلى أن أوتاوا انتهكت مبدأ المساواة، وأمرت بوقف التمييز فورًا.
غير أن تنفيذ الحكم تعثر، ما دفع المحكمة إلى إصدار أوامر لاحقة، كان أبرزها قرار أغسطس الماضي، الذي شددت فيه على أن الحكومة “لا يمكنها ببساطة الانتظار وترك الوقت يمر”، في إشارة إلى فشل المفاوضات السابقة وضرورة تقديم حلول ملموسة، وفق ما نشرته “ذا كنديان برس”.

خطة الحكومة: تمويل أقل وضمانات أطول
وزيرة الخدمات للسكان الأصليين، ماندي غُل-ماستي، عرضت تفاصيل الخطة الحكومية في تصريحات لهيئة الإذاعة الكندية قبل إعلانها رسميًا في أوتاوا. وأوضحت أن الخطة الحالية تختلف عن عرض حكومة جاستن ترودو السابقة، البالغ 47.8 مليار دولار، والتي رُفضت مرتين من قبل زعماء الأمم الأولى بسبب غياب الضمانات القانونية وخضوع التمويل لمراجعات سنوية.
وقالت غُل-ماستي إن الحكومة الحالية اختارت “التزامًا طويل الأمد يمكن حمايته بأمر قضائي”، مشيرة إلى أن التمويل الجديد سيُدرج ضمن أمر صادر عن المحكمة الكندية لحقوق الإنسان، ما يمنع أي حكومة مستقبلية من تقليصه أو التراجع عنه. وأضافت، نقلًا عن “سي بي سي نيوز”، أن الحكومة لم تسحب فعليًا مبلغ 47.8 مليار دولار، لأن جزءًا كبيرًا منه صُرف بالفعل على خدمات الرعاية بمعدل يقارب 4.4 مليارات دولار سنويًا.
وفي تبريرها للمقاربة الجديدة، قالت الوزيرة إن “كل يوم تأخير هو يوم إضافي يُوضع فيه طفل داخل نظام لم يُصمَّم لحماية هويته”، معتبرة أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بإبقاء الطفل داخل مجتمعه، محاطًا بثقافته ولغته وأسرته.
مقترح الأمم الأولى: كلفة أعلى وقيادة مختلفة
في المقابل، تقدّمت “اللجنة الوطنية لرؤساء الأطفال”، وهي مجموعة تضم زعماء من الأمم الأولى ومدافعين عن حقوق الأطفال، بمقترح بديل يُقدّر كلفته بحوالي 50 مليار دولار على مدى عشر سنوات. ويستند هذا المقترح إلى نموذج تقوده الأمم الأولى نفسها، مع نقل كامل لصلاحيات اتخاذ القرار إلى المجتمعات المحلية، بدل الاكتفاء بمرونة إدارية ضمن الإطار الفدرالي.
رئيسة جمعية رؤساء الأمم الأولى، سيندي وودهاوس نيبيناك، عبّرت، وفق “ذا كنديان برس”، عن دعمها المبدئي لهذا المقترح في بيان صحفي، قائلة إن “لا شيء أهم من أطفالنا”، مضيفة أن الجمعية تريد من الحكومة أن تمنح أطفال الأمم الأولى “الأولوية ذاتها التي تمنحها المجتمعات الأصلية”.
ورغم تأكيدها الاستعداد للعمل المشترك مع أوتاوا، شددت وودهاوس نيبيناك على أن الجمعية “ستواصل القتال إذا لزم الأمر”، في إشارة إلى أن قبول الخطة الحكومية ليس أمرًا محسومًا.

نقطة الخلاف: من يملك القرار؟
أحد أبرز عناصر التباين بين المقترحين يتمثل في طبيعة الحوكمة. فالحكومة الفيدرالية تتحدث عن اتفاق وطني يُنفَّذ عبر مقاربات إقليمية مرنة، تتيح لكل منطقة تحديد أولوياتها في مجالات مثل الوقاية أو البنية التكنولوجية، بحسب ما صرحت به غُل-ماستي في مقابلة مع “تورونتو ستار”. وتقول الوزيرة إن هذا النموذج “يُمكّن مجتمعات الأمم الأولى من أن تكون صانعة قرار على المستوى الإقليمي”.
لكن منظمات السكان الأصليين ترى أن هذه الصيغة لا تذهب بعيدًا بما يكفي، معتبرة أن أي نموذج لا ينقل السيطرة الكاملة إلى المجتمعات الأصلية سيعيد إنتاج منطق الوصاية الذي فشل تاريخيًا في حماية الأطفال.
ضغط قضائي وسياق سياسي
يأتي هذا التطور في ظل ضغط متزايد من المحكمة الكندية لحقوق الإنسان، التي فتحت الباب صراحة أمام قبول خطة تقودها الأمم الأولى إذا فشلت الحكومة في التوصل إلى اتفاق مقبول. كما يتقاطع الملف مع تعهدات سياسية أطلقها رئيس الوزراء مارك كارني خلال الحملة الانتخابية الربيعية، حين قال إنه سيعمل مع الأمم الأولى لإصلاح النظام، معتبرًا أن ذلك “أساسي لضمان نجاح الأطفال على المدى الطويل”.
رغم تقديم الخطط، لا يعني ذلك نهاية النزاع. فالمحكمة ستقيّم المقترحات المقدّمة، وقد تطلب تعديلات إضافية أو تسعى لدمج عناصر مشتركة بين الخطة الحكومية ومقترح الأمم الأولى. ووفق “سي بي سي نيوز”، أعلنت الحكومة في بيان لها أن مشاورات مع كيانات إقليمية من الأمم الأولى ستبدأ مطلع العام الجديد.
وبينما تتحدث أوتاوا عن “لحظة تقدم”، ترى منظمات السكان الأصليين أن الاختبار الحقيقي لا يكمن في الأرقام المعلنة، بل فيما إذا كان الإصلاح سينقل السلطة فعلًا إلى المجتمعات التي دفعت ثمن هذا النظام لعقود.
تجد كندا نفسها اليوم أمام اختبار مزدوج: قانوني أمام المحكمة الكندية لحقوق الإنسان، وأخلاقي أمام مجتمعات الأمم الأولى. فبعد سنوات من الإدانة القضائية والمفاوضات المتعثرة، لم يعد السؤال ما إذا كان النظام بحاجة إلى إصلاح، بل أي إصلاح سيُعتمد، ومن سيملك القرار في مستقبل آلاف الأطفال. وبين عرض حكومي محصّن قانونيًا ومقترح أممي أعلى كلفة وأكثر جذرية، يبقى الفصل الأخير بيد المحكمة… وبما ستقرره الدولة الكندية فعليًا على الأرض.




