مهرجانُ التُّولِيب في أُوتاوَا: زهرةٌ تَرْوِي قِصَّةَ صداقةٍ وتارِيخ
الحاكِمةُ العامَّة تُشارِك بِكلماتٍ مُؤثِّرة وتستَذْكرُ دور كندا في تحرِير هُولندا، والزُّوار يَرْوُون لحظاتٍ مُلهِمة في مهرجان التُّوليب
يُعدّ مهرجان التوليب في أوتاوا من أبرز الفعاليات الثقافية والسياحية في كندا، حيث تتحوّل العاصمة كل ربيع إلى لوحة طبيعية خلّابة تستقطب آلاف الزوّار من مختلف أنحاء العالم، ليستمتعوا بمشهد عشرات الآلاف من زهور التوليب المتفتّحة في قلب العاصمة الكندية.
تمتد مساحات الزهور على طول حديقة المفوّضين وقناة ريدو الشهيرة، لتتحوّل أوتاوا إلى مهرجان مفتوح للألوان والعطور، يعكس عمق العلاقة التاريخية بين كندا وهولندا، ويجسّد رمزًا حيًّا للسلام والامتنان المتبادل.

رمزية ثقافية وتاريخ مشترك
لا يُعدّ المهرجان مجرّد احتفال بالجمال، بل هو أيضًا حدث يحمل في طيّاته رسالة تاريخية وإنسانية. فقد نشأ تقليد مهرجان التوليب كتعبير عن امتنان العائلة المالكة الهولندية للشعب الكندي على دعمه خلال الحرب العالمية الثانية، عندما استضافت كندا الأميرة جوليانا وأفراد عائلتها خلال سنوات الاحتلال النازي، واحتضنت ولادة ابنتها، الأميرة مارغريت، في مستشفى بأوتاوا، حيث تم إعلان جزء من المستشفى كأرض هولندية مؤقتة.
وبعد نهاية الحرب، أهدت الأميرة جوليانا كندا 100 ألف بصيلة توليب، لتبدأ بذلك تقليدًا سنويًا لا يزال قائمًا إلى اليوم، حيث تواصل هولندا إرسال بصيلات التوليب إلى كندا، في رسالة محبة وسلام تتفتّح كل ربيع.

احتفاء بالهوية والتنوّع
في تصريح مؤثّر، قالت الحاكمة العامة لكندا، ماري سيمون: “التوليب هو رمز للحب بأشكاله المتعددة، لكنه أيضًا يذكّرنا بالأحداث التاريخية التي ساهمت في صنع السلام الذي نعتز به اليوم.” وأضافت “لقد عدت مؤخرًا من هولندا، حيث شاركت في مراسم الذكرى الـ80 لتحريرها، وأقمت احتفالاً تذكاريًا في مقبرة هولتن الكندية، بحضور الأميرة مارغريت، التي أرسلت لنا أيضًا رسالة مصوّرة سنعرضها قريبًا.”
جمال طبيعي… ورسائل إنسانية
في أجواء مفعمة بالجمال والألفة، يتوافد الزوّار من جنسيات متعدّدة إلى المهرجان لالتقاط الصور، واستنشاق عبق الزهور، ومشاركة لحظات لا تُنسى وسط الطبيعة والرمزية التاريخية.

بول، سائح بريطاني جاء برفقة عائلته، قال لموقع “هنـا كنـدا”: “إنها زيارتي الأولى للمهرجان، وجاءت بناءً على رغبة زوجتي التي تعشق زهور التوليب. أكثر ما أدهشني هو تنوّع الألوان وتناسق المشهد بشكل رائع.”
وأضاف أن للمهرجان بُعدًا ثقافيًا عميقًا، حيث يجمع بين الجمال الطبيعي والتنوّع الإنساني من خلال التقاء الناس من خلفيات مختلفة في مكان واحد يحتفل بالحياة والسلام.

أما تيفاني، وهي مواطنة كندية من أوتاوا، فقد صرّحت: “أحب الزهور كثيرًا، وجئت اليوم للاستمتاع بها ورؤية الناس من مختلف أنحاء العالم. هذا المهرجان يمثّل بالنسبة لي روح المجتمع الكندي والتنوّع الثقافي الذي نعتز به.”
التحدّيات لم تُطفئ بريق الزهور
رغم التحديات المالية، عبّرت جو رايدينغ، المديرة التنفيذية للمهرجان، عن فخرها بما تم تحقيقه، قائلة: “نحن متعبون، نعم، لكننا فخورون. تخيّلوا فقط ماذا يمكننا أن ننجز إذا حصلنا على دعم أكبر.”
وكان من المقرّر أن تشارك الأميرة مارغريت في المهرجان، إلا أن أسبابًا صحية حالت دون حضورها، لكنها حرصت على توجيه رسالة دعم وشكر عبر مقطع فيديو.

أوتاوا في قلب العالم
يؤكّد مهرجان التوليب مكانة أوتاوا كوجهة سياحية بارزة، ويمنح زوّارها انطباعًا إيجابيًا عن كندا، باعتبارها بلدًا يحتفي بالجمال، ويحفظ ذاكرته التاريخية، ويثمّن العلاقات الإنسانية.
ومع كل زهرة تتفتّح، تتجدّد رسالة الحب والصداقة بين الشعوب، لتبقى التوليب زهرة لا تذبل في ذاكرة التاريخ.




