الجيشُ الكنديّ يُواجه شبح العنصريّة: اعتذارٌ تاريخيّ وتحوّلاتٌ كبرى
في لحظة وُصفت بأنها غير مسبوقة في تاريخ المؤسسة العسكرية، وقفت القوات المسلحة الكندية، في نهاية أكتوبر الماضي، أمام مرآة الحقيقة، مقدِّمة اعتذارًا علنيًا عن عقود من التمييز والتحرش العرقي داخل صفوفها. لم تكن المناسبة مجرد بروتوكول أو خطوة علاقات عامة، بل انفجارًا مكبوتًا لملف طال إخفاؤه خلف صرامة البدلة العسكرية وهيبة الرتبة.
ومن قلب العاصمة أوتاوا، بدا الاعتذار كأنه اعتراف رسمي بأن المؤسسة التي يُفترض أنها حامية القيم الكندية كانت، لسنوات، عاجزة عن حماية بعض أفرادها من الظلم الممنهج. وخلف الكلمات الهادئة، كان المشهد أشبه بكشف حساب ثقيل لأزمة ثقافية وبنيوية تهدد تماسك الجيش وقدرته على أداء مهامه داخليًا وخارجيًا، في لحظة انعطاف تكشف حجم الصدع الذي ظل يتسع بصمت لعقود.
قالت الجنرال جيني كارينيغان، رئيسة هيئة الأركان، بصراحة نادرة: “كنا نظن أننا نحمي القيم، لكننا سمحنا بأن تزدهر العنصرية داخلنا”، فيما شدد الرقيب الأعلى بوب ماكان على أن الاعتذار موجّه “لكل من شعر يومًا بأنه غير مرئي”، مؤكدًا أن الإصلاح الحقيقي “يُقاس بالفعل اليومي، لا بالخطابات”. هذه الاعترافات لا تعبّر فقط عن نبرة ندم، بل عن إدراك لتهديد مباشر لتماسك المؤسسة العسكرية وصورتها أمام المجتمع الكندي.
إلى جانب الاعتذار، رحّبت الحاكمة العامة ماري سايمون بالخطوة، ووصفتها بأنها “جزء من جهود القوات المسلحة لتعزيز بيئة عمل شاملة يحظى فيها كل فرد بالاحترام”، مؤكدة أن الاعتراف الرسمي يعكس التزام القيادة بمساءلة واضحة وإصلاح جذري.

جذور الأزمة: روايات صادمة وثقافة صمت ممتدة
تكشف شهادات العسكريين السابقين أن العنصرية لم تكن حادثًا عرضيًا، بل حالة ممنهجة سمحت بها هياكل المؤسسة نفسها. من حرمان الترقيات أو تأخيرها، إلى الإهانات اليومية داخل المعسكرات ومراكز التدريب، عاش كثير من الجنود سنوات من خدمة حقيقية للوطن، يقابلها استهزاء أو إقصاء داخل المؤسسة.
قالت ويندي جوكو، رقيب متقاعدة من المجتمع الأصلي: “لا نريد وعودًا جديدة… نريد ثقافة جديدة. سنوات خدمتي كانت معركة يومية ضد الإقصاء”. أما الكابتن كيفن جونور من الجالية السوداء، فيصف خدمته بأنها “صراع بين فخر الانتماء وألم التهميش”، فيما يؤكد الملازم الأول ألبرت وونغ من الجالية الآسيوية أن الاعتذار “يفتح الباب لجرح قديم كان الجميع يطالب بأن يبقى مخفيًا”.
تتقاطع هذه الشهادات مع تنفيذ 80٪ من توصيات اللجان المختصة، ومن أبرزها إدراج مفهوم “طيف السلوك الكريه” في التدريب العسكري، لتعريف الأفراد بسلوكيات تتراوح بين الإهانات البسيطة وصولًا إلى التطرف. والهدف هو منع الكراهية قبل وقوعها، لا الاكتفاء بمعاقبة مرتكبيها.

ما وراء الاعتذار: ضغط قانوني أم تحول مؤسسي جذري؟
توقيت الاعتذار يطرح سؤالًا محوريًا؛ ففي أكتوبر الماضي، فتحت القوات المسلحة دعوى جماعية لتعويض المتضررين من التمييز الذي وقع بين عامي 1985 و2025. وشملت الدعوى تعويضات مالية، ورسالة اعتذار، وجلسات شفاء مع القيادة، ما يثير احتمال أن يكون الاعتذار استجابة لضغوط قانونية أكثر منه مبادرة ذاتية.
غير أن كارينيغان تبدو واعية لهذا الجدل حين تقول: “لا يمكن لقوة عسكرية أن تواجه تهديدًا خارجيًا وهي عاجزة عن مواجهة ضعفها الداخلي”. عبارة تحمل إقرارًا بأن الاعتذار ضرورة استراتيجية قبل أن يكون واجبًا أخلاقيًا، وهو ما يعكس حجم الصدع الذي تسعى المؤسسة إلى سدّه.
ردود الفعل: بين التفاؤل والشك
بين صفوف العسكريين الحاليين والسابقين، وعلى منصة “ريديت” تحديدًا، تباينت ردود الفعل. فريق يرى في الاعتذار خطوة شجاعة تعيد الاعتبار لمن سُلبت حقوقهم، بينما يتحدث آخرون عن “خطوة اضطرارية” فرضتها الدعوى القضائية والضغط الإعلامي.
وكتب أحد الجنود السابقين: “الاعتذار جميل… لكنني أريد أن أرى ضباطًا يُحاسَبون، لا مجرد خطابات وتصريحات”. وتكشف هذه المخاوف أن الثقة لن تُستعاد إلا بإجراءات ملموسة تُشعر الجنود بأن ثقافة المؤسسة تغيّرت فعلًا.

التداعيات الأمنية والسياسية والاجتماعية: أزمة أخلاقية تتحول إلى ملف أمن قومي
لا تتعلق المسألة بمجرد تصحيح مسار داخلي، بل بقدرة الجيش على تنفيذ مهامه على الأرض. فغياب الانسجام الداخلي يخلق بيئة هشّة قد تؤثر في جاهزية القوات، سواء داخل كندا أو في عملياتها الدولية.
اجتماعيًا، يمثل الاعتذار فرصة لإعادة الاعتبار لوحدات مهمّشة، مثل كتيبة الإنشاء رقم 2 ذات الأغلبية السوداء، التي لعبت دورًا محوريًا في الحروب العالمية وظلت منسية لعقود. وسياسيًا، شرعت القيادة العسكرية في تطوير برامج إلزامية حول التمييز، واستحداث وحدات رقابية لمتابعة الانتهاكات، وإرساء آليات تقييم تعتمد على العدالة والمساواة، في إطار استراتيجية تهدف إلى ترميم الثقة بين المؤسسة والشعب.
ويجعل هذا الاعتذار القوات المسلحة الكندية في مواجهة مباشرة مع إرث من التمييز والاختلالات البنيوية، معلنةً ما وصفته وزارة الدفاع بأنه “علامة تاريخية” في مسار إصلاح المؤسسة العسكرية. وتثبت الشهادات والتقارير الداخلية أن المشكلة كانت ممتدة ومؤسسية، وأن ما يحدث اليوم يشكّل اختبارًا حقيقيًا لمصداقية القيادة وقدرتها على تنفيذ الإصلاح وحماية جميع الجنود من أي شكل من أشكال التمييز.




