مـا وراء الحدث

حرائِـقُ كنـدَا: فشلٌ إِدارِيّ أَم كارِثةٌ مُناخيَّة؟

أكثر من 1,985 حريقًا نشطًا و3.8 مليون هكتار محترق: صيفٌ استثنائيٌّ يُشعل انتقاداتٍ واسعة لاستجابةِ الحكومة الكندية

ما إن بدأ شهر مايو حتى دخلت كندا مجددًا في نفقٍ من النيران، حيث امتدّت حرائق الغابات بشكل متسارع وغير مسبوق، لتطال مقاطعات بأكملها وتُشعل جدلًا سياسيًا وشعبيًا بات موسميًا. النيران، التي اندلعت أولًا قرب “منتزه إلك آيلاند” في مقاطعة ألبرتا، تحوّلت خلال أسابيع إلى كارثة وطنية، مع اتساع رقعتها لتشمل مانيتوبا، ساسكاتشوان، بريتيش كولومبيا، أونتاريو وكيبيك، ما أجبر عشرات الآلاف من السكان على إخلاء منازلهم.

بحلول منتصف جوان، تجاوز عدد الحرائق 1,985 حريقًا نشطًا، منها أكثر من 225 حريقًا خارج السيطرة، بينما التهمت النيران أكثر من 3.87 مليون هكتار من الغابات، وفق تقارير رسمية نقلتها وسائل إعلام كندية كبرى مثل هيئة الإذاعة الكندية وصحيفة “ذا غلوب آند ميل”.

الحرائق تسببت بخسائر مادية مباشرة فادحة، حيث تم تدمير أكثر من 428 مبنى، ونزح ما يزيد عن 40,000 مواطن كندي، أغلبهم من بلدات ومجتمعات ريفية فقيرة لا تملك بنية تحتية كافية لمواجهة الكوارث. مناطق مثل لاك دو بونيه في مانيتوبا شهدت حرائق قاتلة أودت بحياة زوجين حوصرا داخل منزلهما، بينما تم إجلاء آلاف العائلات من مناطق مثل “ريدووتر” و”ساندي ليك” في الغرب.

تُظهر هذه الصورة التي قدمتها حكومة مانيتوبا حرائق الغابات في فيلين فلون، مانيتيوبا، كندا، يوم الثلاثاء 27 مايو 2025 – الصورة لـ حكومة مانيتوبا عبر وكالة أسوشيتد برس

في مقاطعة ساسكاتشوان، صرّح رئيس الوزراء الإقليمي سكوت مو في مؤتمر صحفي يوم 30 ماي أن “الأسبوع القادم سيكون حاسمًا، ونحن أمام أحد أخطر مواسم الحرائق في تاريخ المقاطعة”. أما في ألبرتا، فقد اضطرت شركات النفط الكبرى إلى وقف الإنتاج جزئيًا بعد أن اقتربت الحرائق من منشآت استراتيجية في “فورت ماكموري” و”كريستينا لايك”، مما أدى إلى خسارة تقدر بـ344 ألف برميل يوميًا، أي نحو 7% من إجمالي إنتاج النفط الكندي، وفق تقرير نشرته وكالة “رويترز”.

الدخان الكثيف لم يبقَ داخل حدود كندا؛ فقد امتد إلى ولايات أمريكية مجاورة مثل مينيسوتا وميشيغان وويسكونسن، حيث تراجعت جودة الهواء إلى “مستويات خطرة”، وتفاقمت الإصابات بأمراض التنفس، بحسب بيانات صحية محلية. ولم تمضِ أيام حتى وصل أثر الدخان إلى أوروبا الغربية، متسببًا في انخفاض إشعاع الشمس، وعرقلة إنتاج الطاقة الشمسية في بعض البلدان بنسبة وصلت إلى 10%.

طائرة هليكوبتر تُسقط الماء على حريق غابة درايدن كريك، شمال سكواميش، بريتيش كولومبيا، يوم الأربعاء، 11 يونيو 2025 – الصورة لـ سي تي في عبر ذا كنديان بـرس

الاستجابة الفيدرالية، رغم أنها أتت بتحرّك حكومي أوسع من الأعوام السابقة، لا تزال محل انتقاد واسع. الحكومة أعلنت تخصيص 104 ملايين دولار لبرنامج “فاير سمارت”، و9.1 ملايين لمراكز الإطفاء، و17.9 مليونًا لمقاطعات الغرب. لكن هذه المبالغ، كما وصفها خبراء بيئيون، “لا تُطفئ حتى رماد الحريق، فضلًا عن جذوره”.

وزيرة السلامة العامة الكندية، إلينور أولسزوفسكي، وصفت موسم 2025 بـ”الاستثنائي”، مشيرة إلى أن الجفاف ودرجات الحرارة غير الطبيعية سيجعلان من هذا الصيف “الأشد على الإطلاق”، في تصريح لقناة “CTV”.

وزيرة إدارة الطوارئ، إلينور أولسزوفسكي، ناشدت أعضاء البرلمان ألّا تتحول حرائق الغابات إلى “نقاط خلاف حزبية”، مؤكدة أنها “تعمل عن كثب” مع حكومات المقاطعات لإدارة استجابة الحكومة الفيدرالية – الصورة لـ ذا هيـل تـايمز

أما جاستن ترودو، رئيس الوزراء السابق، فصرّح خلال قمة مجموعة السبع في يونيو 2023 بأن “حرائق الغابات رسالة مناخية للعالم”، لكنه اكتفى بالتحذير دون أي خطة عمل وطنية شاملة، وهو ما أسهم، حسب مراقبين، في تكرار هذه الكوارث سنويًا دون رادع فعلي.

رئيس الوزراء الحالي مارك كارني بدوره أبدى حراكًا ملموسًا. ففي 30 مايو 2025، أمر بإرسال الجيش للمساعدة في عمليات إجلاء 17 ألف مواطن من مانيتوبا، وعقد اجتماعًا طارئًا في أوتاوا في 8 يونيو ضم وزراء الأمن والطوارئ ومسؤولين فيدراليين لمراجعة خطط الإغاثة. وفي 16 يونيو، طرح في قمة مجموعة السبع “ميثاق حرائق الغابات” لتعزيز التعاون الدولي وتبادل المعدات والمساعدات.

 

لكن رغم أهمية هذه التحركات، فإنها، بحسب نقّاد، لا تزال “رد فعل لا خطة”، وتُدار بعقلية إطفاء لا وقاية. ما يقوم به كارني، وإن كان خطوة للأمام مقارنة بسلفه، يبقى داخل إطار التعامل مع النتائج، لا معالجة الأسباب. الكارثة المناخية التي تعصف بكندا تتطلب تغييرًا جذريًا في سياسات إدارة الغابات، وإعادة النظر في استراتيجيات الوقاية، لا الاكتفاء بترقيع سياسي موسمي.

يتصاعد الدخان من حريق بحيرة إديث، الذي أجبر على إخلاء بلدة سوان هيلز المجاورة في ألبرتا، كندا، كما يظهر في صورة جوية بتاريخ 25 مايو 2025 – الصورة لـ آب ستريم أونلاين عبر رويترز/ سكانبيكس

المنظمات البيئية، ومن بينها “السلام الأخضر”، شددت على أن الحكومة لم تعتمد بعد سياسة شاملة لإدارة الوقود النباتي، ولا تطبّق الحرق الوقائي في المناطق عالية الخطورة، فضلًا عن ضعف التنسيق مع المجالس المحلية وغياب التمويل الكافي لأنظمة الإنذار المبكر.

سكان كندا من المدن إلى الأرياف عبّروا عن غضبهم المتصاعد. أحد المواطنين في شمال مانيتوبا قال لصحيفة محلية: “نُخلى كل صيف وكأننا لاجئون في وطننا. نُطفئ النار بأنفسنا قبل أن تصل فرق الإطفاء”. شهادات مشابهة وردت من بريتيش كولومبيا وكيبيك، حيث استغرق وصول فرق الإغاثة في بعض المناطق أكثر من 48 ساعة بعد اندلاع الحرائق.

الدولة التي كانت تُسوّق لنفسها كرمز للبرودة والثروة الطبيعية، باتت من أكثر البلدان المتقدمة عرضة لكوارث المناخ. ومع اقتراب شهري يوليو وأغسطس، تحذّر مراكز الأرصاد الجوية من موجات حر شديدة قد تدفع بمزيد من الحرائق نحو الجنوب الشرقي.

مارك كارني يتحدث في مؤتمر صحفي عن تعبئة الحكومة الفيدرالية لكل الموارد لمواجهة حرائق الغابات ونشر الجيش لدعم الإجلاءات، أوتاوا يوم 6 يونيو 2025 – الصورة لـ وينباغ برس فري

وهنا تُطرح الأسئلة بصوت أعلى من أي وقت مضى: هل تكفي قرارات كارني الآنية في مواجهة هذا الجحيم الموسمي؟ أم أن كندا بحاجة إلى ثورة سياسية بيئية تنقلها من منطق رد الفعل إلى بناء منظومة وقائية حقيقية؟

ما لم تُتّخذ قرارات شجاعة وجذرية، فإن الحرائق ستبقى تشتعل كل عام… وتُطفأ مؤقتًا بالدخان، لا بالحلول.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل