مـا وراء الحدث

تحـقيقٌ رسـمِيّ: مدنيّ يتّهمُ الأمن العسكرِيّ بالاعتداءِ داخِلَ قاعدةٍ في مُونترِيال

لم يكن ما جرى داخل قاعدة القوات المسلحة الكندية في “لونغ بوينت” بمونتريال صباح الثاني عشر من نوفمبر 2024 تمرينًا اعتياديًا لمحاكاة سيناريو إطلاق نار نشط، بل حدثًا فوضويًا اتخذ طابعًا حقيقيًا ومزعجًا دفع بمؤسسة الدفاع الكندية إلى قلب العاصفة. فوفقًا لتحقيقات صحفية نشرتها “ذا كنديان برس” بتاريخ 23 يوليو 2025، تدور ادعاءات مزعومة بأن عناصرًا من الشرطة العسكرية قاموا، عن طريق الخطأ، بـ”طرح موظف مدني أرضًا، وسحله خارج مبنى إداري، وتمزيق ملابسه، ومصادرة محفظته”، خلال تنفيذ تمرين أمني غير منسّق بشكل جيد. وقد أوردت “سيتي نيوز مونتريال” أن الموظف لم يكن على علم مسبق بالتمرين، ولم تُتخذ أي تدابير لإبلاغه أو حمايته أثناء التدخل الأمني، ما تسبب له بـ”صدمة نفسية شديدة وإصابات جسدية”، وفقًا لممثليه.

مصدر رسمي من الجيش، نقلًا عن تصريح داخلي أوردته “غلوبال نيوز”، أشار إلى أن “التمرين فشل بشكل منهجي نتيجة ضعف في التواصل والتخطيط”، وأضاف أن تحقيقًا داخليًا مؤلفًا من 23 صفحة أعدته قيادة القاعدة في وقت لاحق، “أكد وجود قصور إداري خطير”. من جانبها، أقرّت وزارة الدفاع بأن التمرين لم يُنفذ وفقًا للمعايير المعتادة، لكنها شددت على أن الواقعة “قيد التحقيق” وأنه “لا يمكن الجزم بصحة الادعاءات دون استكمال الإجراءات الرسمية”، وفقًا لما نقلته “سي بي 24 نيوز”.

في المقابل، ذكرت “ذا كنديان برس” أن الموظف المتضرر قال في شكواه إنه “لم يتم إخطاره مطلقًا بوجود تمرين”، وإنه اعتقد في اللحظات الأولى أن “الاعتداء كان حقيقيًا، وليس جزءًا من أي تدريب”. وأضاف أن سحله إلى الخارج في البرد الشديد دون سترة شتوية أو أحذية مناسبة “عرّضه لخطر حقيقي وأذى نفسي عميق”. وتابعت الصحف أن الموظف لا يزال يعاني من آثار ما وصفه بـ”الصدمة المروّعة”، وأنه لم يتلقّ حتى لحظة نشر التقارير أي اعتذار رسمي أو تعويض.

تقدّم الموظف بشكوى رسمية إلى كل من وزارة العمل الكندية بموجب قانون السلامة والصحة المهنية، وإلى لجنة شكاوى الشرطة العسكرية، التي أعلنت في اليوم نفسه من نشر الخبر، فتح تحقيق مستقل لتحديد ملابسات الواقعة والتثبت من مدى التزام عناصر الأمن بالإجراءات الصحيحة خلال التمرين. وتأتي هذه الخطوة بعد ضغوط متزايدة من نقابة العاملين المدنيين داخل القواعد العسكرية، التي وصفت في تصريح لـ”سيتي نيوز مونتريال” ما جرى بأنه “تجاوز خطير يعكس انعدام التنسيق وغياب المحاسبة داخل بعض وحدات الشرطة العسكرية”.

أصدرت لجنة شكاوى الشرطة العسكرية يوم الثلاثاء تقريرًا تتهم فيه مكتب المارشال المسؤول — الذي يتولى قيادة جميع أفراد الشرطة العسكرية في كندا — بـ‘إغلاق’ مسارات الشكاوى – الصورة لـ سي بي سي نيـوز

من جهتها، أكدت لجنة الشكاوى في بيان رسمي أن التحقيق الجاري “سيركّز على مدى التزام أفراد الشرطة العسكرية بضوابط استخدام القوة أثناء التدريبات”، وأنه “لا يُفترض بأي تمارين ميدانية أن تعرّض المدنيين أو غير المشاركين لأي نوع من الترويع أو الإيذاء”. فيما نقلت “غلوبال نيوز” عن خبراء أمنيين تحذيرهم من “فقدان ثقة المدنيين بالعاملين في المؤسسة العسكرية، إذا لم تُحسم الحادثة بشفافية ومسؤولية”.

ورغم أن الجيش لم يصدر بعد اعتذارًا رسميًا أو تعويضًا، إلا أن التصريحات الصادرة من أكثر من جهة داخلية توحي بوجود إدراك لحجم الضرر المؤسسي المحتمل. مصادر مطلعة على سير التحقيق، بحسب ما ذكره تقرير لـ”سي بي 24 نيوز”، أفادت بأن لجنة العمل تسعى للتثبت من “مدى احترام الحقوق الفردية للموظفين المدنيين داخل بيئات عمل عسكرية مغلقة”، مشيرة إلى أن الحادثة “تكشف عن ثغرات هيكلية في إدارة التدريبات الطارئة”.

ورغم أن ما حدث لا يزال في خانة “الادعاءات المزعومة”، إلا أن الحقائق الأولية، كما نُشرت في الصحف الكندية، تؤكد وجود خروقات إجرائية، وتُثير تساؤلات ملحّة حول طبيعة العلاقة بين الشرطة العسكرية والموظفين المدنيين، ومستوى الشفافية والانضباط داخل القواعد المسلحة.

ما جرى في قاعدة مونتريال لا يمكن اعتباره حادثًا عرضيًا معزولًا، بل هو مرآة لحالة مقلقة من “الاستسهال التكتيكي” في بيئة يُفترض أن تكون الأعلى تدريبًا والأكثر احترامًا للبروتوكولات. إنه اختبار ليس فقط لأجهزة الشرطة العسكرية، بل لصورة القوات المسلحة الكندية ككل، كمؤسسة من المفترض أن تحمي لا أن تُرهب. وإذا لم يُعالج هذا الملف بحزم وشفافية، فإن سؤال “من يضبط الأمن حين يُصبح الأمن ذاته موضع اتهام؟” سيظل معلقًا في ضمير الجمهور الكندي لفترة طويلة.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل