مـا وراء الحدث

كندا في قلبِ حربٍ شرسةٍ مع عصاباتِ المُخدّرات

كندا ضبطَت أكثر من 2.5 طنّ من الكوكايين في 2025 بقيمة سوقية تُقدَّر بأكثر من 250 مليون دولار، فيما سجَّلت بريتش كولومبيا أكثر من 2000 وفاة جرعة زائدة في نفس العام

ثـمة ما يدعو للقلق. في السنوات الأخيرة، شهدت كنـدا تصاعدًا مقلقًا في نشاط شبكات الاتجار الدولي بالمخدرات، التي باتت تتخذ من البلاد نقطة عبور رئيسية، وأحيانًا سوقًا لتوزيع مواد محظورة، تقوّض الأمن العام وتهدد النسيج المجتمعي. ورغم الجهود المكثفة التي تبذلها أجهزة الأمن الكندية، فإن هذه الظاهرة تواصل التمدد عبر الحدود، مستفيدة من التقنيات الحديثة، والثغرات اللوجستية، وشبكات الجريمة المنظمة التي تتقاطع مصالحها من أمريكا الجنوبية حتى موانئ فانكوفر وهاليفاكس.

كشف تـقرير حديث لـلشرطة الملكية الكندية، صدر في يوليو 2025، عن تفاصيل واحدة من أكبر عمليات تهريب الكوكايين التي تم إحباطها هذا العام، حيث جرى ضبط أكثر من 2.5 طن من الكوكايين قادمة من أمريكا الجنوبية إلى ميناء مونتريال، كانت موجهة إلى شبكات توزيع في تورونتو وفانكوفر. وأكد التقرير أن قيمة الشحنة المحجوزة تُقدَّر بأكثر من 250 مليون دولار كندي في السوق السوداء، فيما أوقِف 14 شخصًا ينتمون إلى جنسيات متعددة، من بينهم كنديون يُعتقد أنهم يعملون ضمن خلايا محلية على صلة بعصابات دولية.

من جهتها، أكدت وكالة خدمات الحدود الكندية أن عمليات التفتيش والتتبع عبر موانئ البلاد شهدت تعزيزًا ملحوظًا منذ عام 2023، خصوصًا فيما يتعلّق بالحاويات القادمة من مناطق معروفة بإنتاج المخدرات مثل كولومبيا والمكسيك. ويقول متحدث باسم الوكالة إن “المهرّبين يستخدمون طرقًا معقدة لإخفاء الكوكايين والميثامفيتامين والهيروين داخل شحنات قانونية، مثل الأطعمة المعلبة أو المعدات الصناعية”.

لكن المخدرات التي تدخل كندا ليست كلها موجهة للتصدير. ففي السوق المحلية، تُسجّل السلطات ارتفاعًا حادًا في تعاطي المواد الأفيونية والمخدرات الاصطناعية، وعلى رأسها الفنتانيل، وهو مخدر قاتل يُعد مسؤولًا عن أكثر من 70% من وفيات الجرعة الزائدة المسجّلة سنويًا في كندا، وفقًا لتقرير الوكالة الكندية للصحة العامة لشهر مايو 2025.

بـيد أن التهديد لا يقتصر فقط على صحة المواطنين، بل يتجاوز ذلك إلى تهديد مباشر للأمن القومي. ففي عام 2024، أحبطت وكالة الأمن والاستخبارات الكندية محاولة اختراق من قبل منظمة إجرامية لها علاقات بميليشيات دولية، كانت تهدف إلى إنشاء بنية تحتية لتوزيع المخدرات وتبييض الأموال في كيبيك وأونتاريو. وتشير مصادر استخبارية، نُقلت عنها صحيفة “غلوب أند ميل”، إلى أن هذه الجماعات تستخدم العملات الرقمية والشركات الوهمية لإخفاء آثار أنشطتها.

في 6 مارس 2025، نجحت وكالة خدمات الحدود الكندية في ضبط كمية مشتبه بها من الكوكايين بقيمة تزيد على 11 مليون دولار عند جسر بلو وتر، ما أدى إلى توجيه تهم جنائية من قبل الشرطة الملكية الكندية – الصورة لـ كندا بوردر سارفيس آجنسي

وفي هذا السياق، شددت وزيرة السلامة العامة، شيريل لانغوا، في تصريحات أدلت بها في 30 يوليو الجاري، على أن “كندا ليست ولن تكون أرضًا خصبة للجريمة المنظمة”. وأضافت أن الحكومة تعمل على تحديث الاستراتيجية الوطنية لمكافحة المخدرات، مع رصد ميزانية إضافية بقيمة 1.3 مليار دولار لتعزيز قدرات الشرطة الفدرالية ومراكز التحليل المالي.

من جانبها، أطلقت شرطة تورونتو حملة موسعة تحت اسم “كسر السلسلة”، أدت إلى تفكيك 6 شبكات لتوزيع المخدرات منذ بداية عام 2025 فقط، وضبط كميات من الكوكايين والفنتانيل تُقدَّر بأكثر من 12 مليون دولار، بالإضافة إلى حجز أسلحة نارية وأموال نقدية.

أما في بريتش كولومبيا، حيث تُعد مدينة فانكوفر من أكثر النقاط تضررًا من ظاهرة الإدمان، فقد سجلت المقاطعة أكثر من 2000 وفاة بسبب الجرعات الزائدة في عام 2024 وحده، وفق ما أفادت به هيئة الخدمات الصحية المحلية. وأقرت حكومة المقاطعة حالة طوارئ صحية عامة، وسط تصاعد الأصوات المطالِبة بإصلاح جذري في السياسات الوقائية والصحية.

يتحدث مسؤول الشرطة آراش في مؤتمر صحفي للشرطة الملكية الكندية للإعلان عن تفكيك عدة مختبرات لإنتاج الفنتانيل في منطقة ساري بمقاطعة بريتيش كولومبيا، يوم الخميس 10 أبريل 2025 – الصورة لـ ذا كنديان برس عبر أسوشيتد برس

وفي وجه هذا الواقع المعقّد، تتعدد المقاربات الكندية، إذ توازن الحكومة بين المقاربة الأمنية الصارمة في مواجهة البارونات الدوليين، والسياسة الصحية الرامية إلى تقليل الأضرار عبر مراكز العلاج الآمن، وتوزيع أدوات الوقاية، والتثقيف المجتمعي.

غير أن الانتقادات تتواصل من جهات عدة. فقد اعتبر تقرير صادر عن معهد السياسات العامة الكندي أن الإجراءات الأمنية، وإن كانت ضرورية، تبقى غير كافية دون معالجة جذرية للأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تُسهم في نمو شبكات الجريمة، مثل التفاوت الطبقي، والتهميش في الضواحي، وغياب برامج دمج فعّالة للشباب في سوق العمل.

ثـمة مفارقة لافتة هنا، حيث تُعرف كندا عالميًا بسياساتها التقدمية في الصحة والإصلاح الجنائي، بيد أن الجرائم المرتبطة بالمخدرات لا تزال تكلّف الاقتصاد الكندي سنويًا ما يناهز 11 مليار دولار، وفقًا لتقرير الحكومة الفدرالية الصادر نهاية عام 2024. هذا المبلغ يشمل نفقات الشرطة، والخسائر الاقتصادية، والرعاية الصحية، والتأثيرات المجتمعية.

لا شك أن السلطات الكندية تبذل جهودًا مضنية في تتبع هذه الشبكات، وإغلاق قنواتها التمويلية، ومحاصرة تحركاتها داخل وخارج البلاد. لكن الحرب ضد المخدرات لم تُحسم بعد، بل تُظهر أرقام العام الجاري أن التحديات تتعاظم، وتتطلب استراتيجيات أشمل، وتنسيقًا أعمق بين الأجهزة الأمنية، والقضاء، والمجتمع المدني.

وتظل حماية كندا من هذه الآفة مسؤولية جماعية، تتجاوز العمل الشرطي التقليدي إلى الحاجة إلى وعي وطني ومؤسساتي عميق بخطورة ما يحدث في الظل، حيث تختلط الأرباح القذرة بالأرواح المهدورة، وحيث يقف الأمن العام في مواجهة بارونات بلا وجه، ولكن بأذرع تمتد في كل اتجاه.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل