شرطةُ أُونتاريُو وبرمجيَّاتُ التّجسُّسِ الإسرائِيليَّة: تساؤلاتٌ حولَ الاستخدامِ السِّري
في عصرٍ تُقاس فيه الحريات الفردية بمستوى الأمان الرقمي، تواجه كندا اختبارًا غير مسبوق في علاقتها مع مواطنيها. ما كشفه تحقيق تقني صادر عن “سيتزن لاب” في جامعة تورونتو لم يكن مجرّد تقرير أكاديمي، بل جرس إنذار يدق في صمت: أدوات مراقبة متقدمة تُستخدم من داخل الأراضي الكندية، بقدرات تسمح باختراق الهواتف دون إذن أو علم، وبغطاء قانوني غير واضح. وبينما تتحدث الجهات الأمنية عن التزامها بالقانون، يكشف الخبراء عن واقع أكثر تعقيدًا، تحوّل فيه التكنولوجيا من وسيلة لحماية الأمن إلى أداة تتسلل إلى أعماق الحياة الشخصية، في غياب تشريعات واضحة، وصمت سياسي لافت.
“التهديد الحقيقي لا يأتي من التكنولوجيا بحد ذاتها، بل من غياب الشفافية في استخدامها”، هكذا قال الدكتور رون ديبرت، مدير “سيتزن لاب”، الذي كان أول من رفع الستار عن استخدام شرطة أونتاريو لبرمجيات تجسس إسرائيلية من نوع “غرافيت”. ما بين الصمت الرسمي وتضارب المواقف، يبقى السؤال: هل لا تزال الخصوصية في كندا محمية، أم أن زمن الرقابة الرقمية قد بدأ فعلاً؟
في واحدة من أكثر القضايا حساسية في كندا خلال السنوات الأخيرة، انكشفت تفاصيل صادمة عن استخدام أجهزة الشرطة في مقاطعة أونتاريو لبرمجية “غرافيت” التي طوّرتها شركة “باراغون سوليوشنز” الإسرائيلية. هذه البرمجية، المصنّفة كواحدة من أكثر أدوات المراقبة الرقمية تطورًا، تتيح اختراق الهواتف الذكية دون علم المستخدم، والوصول إلى بياناته، وتشغيل الكاميرا والميكروفون، ومتابعة تحركاته لحظة بلحظة.
التحقيق الذي أعدّه “سيتزن لاب”، ونُشر في مارس 2025، كشف أن شرطة أونتاريو تستخدم هذا البرنامج ضمن نطاق غير واضح المعالم قانونيًا. وقد تمكّن خبراء المعهد من تتبّع إشارات رقمية مرتبطة بالبنية التحتية التقنية للشرطة، مرتبطة بشبكة تستخدم برمجية “غرافيت”. هذا الكشف أثار عاصفة من التساؤلات القانونية والحقوقية: من الذي أعطى الضوء الأخضر؟ وما مدى التزام هذا الاستخدام بالمبادئ الدستورية لحماية الخصوصية؟

الرد الرسمي من شرطة أونتاريو جاء مقتضبًا، وأكد أن الأدوات التقنية تُستخدم حصريًا في سياق التحقيق في الجرائم الكبرى، وبموجب أوامر قضائية. لكن البيان لم يُجب عن أسئلة جوهرية: ما هي طبيعة الأدوات المستخدمة؟ كم مرة تم استخدامها؟ وهل أُخطر مفوّض الخصوصية الفيدرالي بذلك؟
“غرافيت” ليست برمجية بسيطة. إنها الأخت التقنية لبرنامج “بيغاسوس” الشهير الذي استُخدم في دول حول العالم للتجسس على صحفيين ومعارضين ونشطاء. قدرتها على التسلل إلى الهاتف من خلال ثغرات غير معروفة (زيـرو كلـيـك) تجعلها سلاحًا رقميًا بامتياز. وكندا، التي لطالما تباهت بقيمها الديمقراطية، تجد نفسها اليوم موضوعة أمام تساؤل وجودي: هل تُستخدم هذه الأدوات بما يتماشى مع القانون… أم أن التكنولوجيا سبقت التشريع؟
هذه ليست سابقة وحيدة. فقد اعترفت الشرطة الفيدرالية في 2022 باستخدام برمجيات مماثلة في تحقيقات داخلية، دون إعلام الجمهور، ما أثار حينها موجة من الغضب في أوساط المجتمع المدني، ودفع بلجان برلمانية إلى المطالبة بوضع إطار قانوني صارم لتنظيم أدوات التجسس الرقمي. لكن، وبعد ثلاث سنوات، لم يرَ أي قانون من هذا النوع النور.
رئيس “سيتزن لاب”، رون ديبرت، حذّر في تصريحاته للصحافة الدولية من أن “المشكلة لا تكمن فقط في الأدوات، بل في من يستخدمها، وتحت أي رقابة”. واعتبر أن كندا لا يمكنها أن تحافظ على موقعها كدولة ديمقراطية فعالة إذا استمرت مؤسساتها الأمنية في استخدام أدوات مراقبة خفية دون شفافية أو محاسبة.
في المقابل، لا تزال الحكومة الكندية مترددة في فرض رقابة فعلية على هذا المجال. لم يصدر أي تقرير رسمي من وزارة السلامة العامة يوضّح حجم استخدام هذه التكنولوجيا، ولا أُنشئت أي هيئة مستقلة حتى الآن لتدقيق هذه الممارسات. ما يُفاقم المخاوف هو أن الكشف عن استخدام هذه البرمجية جاء عبر تحقيق أكاديمي مستقل، لا عبر آلية رقابية داخلية أو مساءلة برلمانية، ما يطرح علامات استفهام كبرى حول فعالية الرقابة المؤسسية في هذا الملف.
كذلك، نقلت صحيفة “ذا غارديان” البريطانية وموقع “غلوبال نيوز” الكندي عن باحثين قولهم إن استخدام هذه التقنيات دون إعلان أو تشريع واضح يشكّل ثغرة خطيرة في النظام الديمقراطي، ويفتح الباب أمام انتهاكات محتملة لا يمكن تتبعها أو محاسبة مرتكبيها بسهولة. فبمجرد تفعيل برنامج تجسس، يمكن جمع كمٍّ هائل من البيانات الشخصية في ثوانٍ، دون علم الضحية، ودون أن تترك التقنية أثرًا واضحًا.
ما جرى الكشف عنه لا يمكن أن يُعامل كحادثة تقنية معزولة، بل كعلامة فارقة في مسار العلاقة بين المواطن والدولة في كندا. ففي ظل الغموض التشريعي، وغياب رقابة مستقلة فعالة، تتحول أدوات الأمن الرقمي إلى منظومة غير مرئية من النفوذ، يمكن أن تُستخدم كما تشاء، ومتى تشاء، دون علم أو مساءلة. الخبراء يحذّرون من أن كندا اليوم تقف عند مفترق طرق: إما أن تبني إطارًا تشريعيًا شفافًا يوازن بين الأمن والحرية، أو أن تجد نفسها لاحقًا في مواجهة أزمة ثقة وطنية، يُفقد فيها المواطنون شعورهم بالأمان من هواتفهم قبل شوارعهم.
المخاوف التي عبّر عنها باحثو “سيتزن لاب”، وصحفيون دوليون مثل فريق “ذا غارديان” و”غلوبال نيوز”، ليست افتراضات مستقبلية، بل تنبيهات واقعية لمستقبل يُصاغ الآن في الظل. وفي غياب تحرّك حكومي فعلي، يبقى السؤال الأهم بلا إجابة: من يُراقب من… في كندا اليوم؟



