من بغدادَ إلى أوتاوا: ريشةٌ عِراقيّةٌ تحفظُ ذاكرةَ وطنٍ في المهجَر
ابتسام نصرت، فنّانةٌ عراقيّةٌ ثمانينيّة، تجعلُ من ريشةِ الرّسمِ جوازَ سفرٍ إلى بغداد، وتُبقي ذاكرةَ الوطنِ حيّةً رغم محدوديّةِ إِنتاجِها السّنوِي.
أوتـاوا – هنا، في ضواحي العاصمة الكندية، اجتمعت الجالية العراقية في أمسية ثقافية تحت عنوان “من بغداد إلى أوتاوا”. المعرض التشكيلي الذي أقامته الفنانة العراقية ابتسام حميد نصرت، الثمانينية المقيمة في كندا، لم يكن مجرد حدث فني عابر، بل شهادة حيّة على ذاكرة وطن هُجِّر مع أبنائه وظلّ حاضرًا بريشة فنانة لم تفقد الأمل رغم عقود المنفى.
ريشة تُقاوم النسيان
ابتسام نصرت، التي تجاوزت الثمانين، ما زالت تنحني أمام لوحاتها كما لو كانت في العشرين. سنوات الغربة لم تُضعف إصرارها على جعل الرسم جواز سفرها الحقيقي. تقول وهي تتأمل إحدى لوحاتها: “أنا ابنة بغداد التي لم تفارقني أبدًا، حملت وجعها معي إلى كل مكان، وكنت دائمًا أبحث عن الجمال وسط الركام”.
لوحاتها ركّزت على الأزقّة والشوارع البغدادية، ونساءٍ بملامح شرقية مطبوعة على الذاكرة، وألوانٍ تستدعي دفء الطفولة في الحي القديم، مع لمساتٍ تعكس الحياة في المنفى الكندي بشكل عام. هكذا بدا الوطن حاضرًا رغم الغياب، كأنها تُعلن أن الهوية لا تُمحى بالمنفى، بل تتجدّد وتتكيف.

منذ مغادرتها العراق، عرضت ابتسام أعمالها في الأردن، ولندن، واسكتلندا، والبحرين، والإمارات، وصولًا إلى كندا حيث تقيم اليوم. ورغم أن إنتاجها لا يتجاوز ثلاث لوحات سنويًا، فإن كل عمل بدا أشبه بسيرة ذاتية على قماش، سردٍ بصريٍّ للعراق، تاريخه المثقل بالوجع وأحلامه المؤجَّلة. تقول بابتسامة واثقة: “الرسم بالنسبة لي حياة كاملة، هو لغتي الوحيدة التي لا تخونني، وهو هويتي التي أحملها من بغداد حتى وأنا في أوتاوا”.
الفن جسر بين وطنين
المعرض لم يكن مناسبة عراقية مغلقة، بل نافذة للحوار مع المجتمع الكندي، حيث وقف مثقفون كنديون وأجانب أمام اللوحات يتأملون كيف تحوّل الألم العراقي إلى جمالية كونية. ترى ابتسام في ذلك رسالتها الأساسية: “حين يقف زائر كندي أمام لوحاتي ويسألني عن بغداد، أشعر أنني حققت هدفي: أن أجعل من الفن جسرًا للتعريف ببلدي وقضيتي”.

رحلة ابتسام نصرت مع الريشة لم تكن سوى مرآة لرحلة العراقيين في الشتات؛ كل لوحة تحكي عن وطنٍ مفقود وغربةٍ فرضتها الحروب، لكنها أيضًا تروي عن الصمود والجمال. بالنسبة لها، الفن ليس ترفًا بل مقاومة ضد النسيان: “الفنان المهاجر يحمل وطنه أينما ذهب، ولوحتي هي جواز سفري الحقيقي، بها أتكلم وأتنفس وأقاوم الغياب”.
في ختام الأمسية، خاطبت ابتسام الأجيال الجديدة من الفنانين العراقيين في كندا بوصية مؤثرة: “لا تتركوا الفن، فالفن هو الذي يُبقي الوطن حيًا فينا. كل لوحة نرسمها هي بيت صغير نقيمه للعراق في قلوبنا”.
وبينما تبادل الحاضرون الصور والانطباعات، بقيت الفنانة واقفة أمام إحدى لوحاتها كأنها تنظر في مرآة عمرها الطويل. لم تكن بحاجة إلى كلمات؛ الألوان تكفّلت بالحديث عنها، واللوحات روت ما عجز اللسان عن قوله.
من أوتاوا، بعثت ابتسام نصرت برسالة واضحة: أن الفن يمكن أن يكون وطنًا، وأن ريشةً عراقيةً ثمانينية ما زالت قادرة على أن تحفظ بغداد حيّةً، حتى وهي على ضفاف نهر أوتاوا.





