ثقافة

قلة التمويل الحكومي تهدد مستقبل الثقافة والفنون في كندا

دعوات لتوسيع الدعم الحكومي وتعزيز الاستثمارات الخاصة في الثقافة: فنانون يؤكدون أن الدعم الحالي لا يكفيهم للعيش الكريم

تشكل الثقافة والفنون العمود الفقري لهوية كندا، لكنها اليوم تواجه أزمة تمويل تهدد استقرار القطاع وإمكاناته الإبداعية. ورغم الدعم الجزئي الذي تقدمه الحكومة، يرى الفنانون والمنظمات الثقافية أن الموارد المتاحة لا تواكب حجم وطموح المشهد الثقافي المتنوع، مما يجعل مستقبل الفنون والإبداع الوطني معرضًا لارتدادات سلبية تهدد استدامة القطاع برمته.

التمويل الحكومي للثقافة في كندا:

في السنوات الأخيرة، كان هناك العديد من النقاشات حول انخفاض التمويل الحكومي للثقافة. يُظهر تقرير صادر عن مجلس كندا للفنون أن الاستثمارات الحكومية في قطاع الفنون والثقافة قد تراجعت بشكل ملحوظ في بعض المجالات. على الرغم من أن كندا تتمتع بتاريخ طويل من دعم الفن والثقافة، إلا أن العديد من الفنانين والناشطين الثقافيين يعتقدون أن الموارد المتاحة غير كافية لدعم المشهد الفني المتنوع والنامي في البلاد.

المقاطعات المستفيدة من الدعم المالي:

في إطار جهودها لدعم هذا القطاع الحيوي، خصصت الحكومة الكندية مبالغ كبيرة لتعزيز الأنشطة الفنية في مختلف المقاطعات. ففي أونتاريو، على سبيل المثال، حصلت المقاطعة على أكثر من 50 مليون دولار كندي من برنامج “صندوق الفن في أونتاريو” لدعم المسرح والفنون الموسيقية، مع التركيز على مدينة تورونتو التي تعد مركزًا ثقافيًا رئيسيًا.

وفي كيبك، التي تتميز بتاريخ ثقافي غني، أعلنت الحكومة عام 2022 تخصيص 30 مليون دولار لدعم الصناعات الثقافية، شملت الفنانين المستقلين والمؤسسات الصغيرة في مونتريال وكيبك، خاصة في مجالات السينما والموسيقى.

أما بريتيش كولومبيا، فقد حصلت على تمويل إضافي لتعزيز الابتكار في الفنون الرقمية والوسائط المتعددة، حيث خصصت 10 ملايين دولار لدعم الصناعات الثقافية الرقمية في فانكوفر عام 2021.

وفي ألبرتا، رُصدت 12 مليون دولار لدعم الفنون المسرحية والمرئية، إلى جانب برامج تعليمية ثقافية في مدارس كالجاري وإدمونتون، بينما خصصت الحكومة 5 ملايين دولار لنيوفاوندلاند ولابرادور لدعم الفنون الشعبية والتراث المحلي، شملت مهرجانات موسيقية وأحداث ثقافية في سانت جون.

مقر المجلس الكندي للفنوان في أوتاوا-الصورة لـ سميث واندرسون

إحصائيات وآراء الخبراء

وفقًا للتقرير السنوي للمجلس الكندي للفنون لعام 2023، على الرغم من بعض الاستثمارات الأخيرة من قبل الحكومة الفيدرالية، إلا أن العديد من الفنانين في كندا يعانون من نقص التمويل المستمر. في استبيان أجراه (الائتلاف الكندي للفنون)، ذكر 60٪ من المشاركين أنهم واجهوا صعوبة في الحصول على تمويل حكومي للمشاريع الثقافية.

الآثار على الفنانين والمنظمات الثقافية

تؤثر قلة التمويل الحكومي بشكل كبير على الفنانين المستقلين والمنظمات الثقافية الصغيرة. كثير من هذه المنظمات تعمل في ظروف صعبة للغاية، حيث يتعين عليها إيجاد تمويل من مصادر بديلة مثل التبرعات أو الرعاة، وهو ما قد يؤدي إلى تناقص حرية التعبير الفني. تعاني بعض الفنون مثل المسرح المستقل والسينما من هذا التحدي بشكل خاص، حيث أن نقص التمويل يحد من قدرتهم على تنفيذ مشاريع جديدة أو الحفاظ على استمرارية عملهم.

فنانون ومسرحيون ورسامون يعبرون عن قلقهم من تراجع التمويل الحكومي للفنون في كندا

أعرب عدد من الفنانين والمسرحيين والرسامين عن قلقهم من تراجع مستوى التمويل المخصص للفنون، مشيرين إلى أن السياسات الحكومية الأخيرة تساهم في تفاقم هذه الأزمة. في تصريحاتها لصحيفة ذا غلوبال آند مايل، قالت الكاتبة المسرحية سارة موريس: “بينما أقدر الدعم الذي تقدمه الحكومة للفنون، فإن الواقع يظل مؤلماً، حيث يعاني العديد من الفنانين المستقلين من صعوبة الحصول على التمويل الكافي. يبقى قطاع الفنون في كندا يعاني من فجوة كبيرة بين احتياجات الفنانين والموارد المتاحة”.

من جانبها، أكدت المخرجة السينمائية إليزابيث تانغ في تقرير خاص حول تأثيرات قلة التمويل على صناعة السينما الكندية، والذي تم نشره في أكتوبر 2023، قائلة: “في السنوات الأخيرة، أصبح الحصول على تمويل لصناعة الأفلام في كندا أكثر صعوبة. العديد من المشاريع تتوقف بسبب نقص الدعم الحكومي في وقت يحتاج فيه القطاع السينمائي إلى المزيد من الاستثمارات لتوسيع نطاق الإنتاج وتعزيز الإبداع”.

الرسام اللبناني سمير غانم يقرأ كتاب بعنوان “الطريق” بمقر عمله جنوب أوتاوا-الصورة لـ هنـا كنـدا

وفي اتصال هاتفي مع “هنـا كنـدا”، كشف الفنان التشكيلي والرسام اللبناني سمير غانم المقيم في أوتاوا، أن المناخ العام في كندا لا يشجع على تطوير الفنون، معتبرًا أن هذا من الأسباب الرئيسية لنقص التمويل، حيث قال: “كندا بلد حديث، ولا تشبه أوروبا من حيث الوضع الثقافي، كما أن المجتمع الكندي استهلاكي، والفن بالنسبة له ليس في صدارة أولوياته”. وأضاف غانم: “الفنان في كندا مضطر للعمل في وظائف أخرى مثل المطاعم أو التجارة بدلًا من ممارسة الفن أو الثقافة، إذ أن الفن لا يوفر له حياة كريمة”.

وأشار غانم إلى أن الأرقام تظهر حقيقة الوضع الصعب، حيث قال: “من بين 10 آلاف فنان في كندا، هناك فقط 240 فنانًا يعيشون من مدخولهم الفني. ومن بين 3400 خريج من معاهد وجامعات متخصصة في الفنون، لا يستمر في ممارسة الفن إلا 43 شخصًا كل خمس سنوات”. وخلص غانم إلى أن المساعدات الحكومية للفنانين في كندا تبقى ضئيلة جدًا مقارنة بحجم الاحتياجات.

ردود الفعل الحكومية:

من جهتها، حاولت الحكومة الكندية معالجة هذا الموضوع في بعض الفترات. على سبيل المثال، في عام 2021، أعلن وزير الثقافة الفيدرالي بابلو رودريغيز عن زيادة في ميزانية “مجلس كندا للفنون” ” بمقدار 400 مليون دولار كندي. إلا أن هذه الزيادة لا تزال غير كافية بالنسبة لكثير من الفنانين الذين يرون أنها لا تغطي بالكامل احتياجات القطاع.

التحديات المستقبلية:

مع ذلك، يبقى التساؤل حول كيفية تعزيز دعم الحكومة الفيدرالية للثقافة في كندا. العديد من الخبراء يقترحون أن تتوجه الحكومة نحو استثمارات أكبر في الفنون الرقمية والابتكار الثقافي، خاصة مع تحول الكثير من الإنتاجات الفنية إلى المنصات الرقمية.

من المهم أن تتخذ كندا خطوات عاجلة لضمان استمرار دعم الثقافة والفنون في البلاد. إذ يمكن أن يؤدي انخفاض التمويل إلى تراجع التنوع الثقافي والإبداعي، مما يؤثر على مكانة كندا الثقافية عالميًا. لضمان استدامة الفنون في كندا، يتعين أن يكون هناك حوار مستمر بين الحكومة والفنانين والقطاع الخاص لزيادة الاستثمارات وتشجيع المشهد الفني على النمو والازدهار.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل