إقتصاد

كـارنِي يُحافظ على صناعة الصّلب الكنديّة ويُصعّد المُواجهة مع الصّين والولايات المتّحدة

كندا تفرِضُ رُسومًا بنسبة 25٪ على الصّلبِ المُستورَدِ من الصينِ وروسيا، وتُخصِّص 70 مليون دُولارٍ لدعم وتدريب عُمّالِ الصّناعةِ المُتضرِّرينَ من سِياساتِ ترامب

في لحظة حاسمة تعكس تحوّلًا جريئًا في السياسة التجارية الكندية، أعلن رئيس الوزراء مارك كارني اليوم، من داخل مصنع للصلب في مدينة هاميلتون، عن حزمة اقتصادية وتجارية متكاملة تستهدف التصدي لـ “الإغراق الصيني” ولسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي ضربت قطاع الصلب الكندي في الصميم. كارني، الذي بدا حاسمًا وحازمًا في لهجته، خاطب عمال الصلب المتضررين بالفرنسية والإنجليزية، قائلاً: “الصلب هو أساس كندا… ولن نسمح بانهيار صناعتنا الوطنية تحت ضغط المنافسة غير العادلة”. هذا التصريح جاء تتويجًا لتصعيد حكومي غير مسبوق في وجه التلاعب بأسواق المعادن، وأعقبه إعلان مجموعة إجراءات قد تغيّر وجه الصناعة الثقيلة في البلاد لعقود قادمة.

تشمل الإجراءات فرض تعريفة جمركية بنسبة 25% على جميع منتجات الصلب المصهورة والمصبوية في الصين وروسيا، وهو قرار يُنظر إليه على أنه صفعة تجارية مباشرة لبكين، ورسالة إلى موسكو بأن كندا لن تقف مكتوفة اليدين أمام ممارسات تشوّه قواعد السوق. كما أعلنت الحكومة عن نظام جديد لحصص الواردات يفرض سقفًا لا يتجاوز 100% من حجم واردات عام 2024 للدول ذات الاتفاقيات التجارية مع كندا، و50% فقط لبقية الدول، مع تطبيق رسوم إضافية تصل إلى 50% على أي واردات تتجاوز تلك الحدود. المستوردون الصينيون هم المستهدفون الرئيسيون بهذه الإجراءات، بعدما تضاعفت وارداتهم إلى كندا في الربع الأول من 2025 بنسبة 42%، وفقًا لبيانات حكومية.

في المقابل، تواجه كندا منذ شهور تصعيدًا جمركيًا من إدارة ترامب، حيث فرضت واشنطن تعريفات تصل إلى 35% على واردات الصلب الكندي، متذرعة بحماية الأمن القومي. وفي حين لا تزال المفاوضات التجارية بين أوتاوا وواشنطن تراوح مكانها، أكد كارني أن بلاده لن تصعد النزاع مع حليفتها التاريخية في الوقت الحالي، لكنها تحتفظ “بكافة الخيارات مفتوحة” في حال استمرار الضرر. المثير في موقف كارني أنه يُوازن بين الرد على واشنطن اقتصاديًا، دون كسر العلاقة الاستراتيجية، وفي الوقت ذاته يُرسل إشارة لبكين بأن كندا لم تعد سوقًا سهلة للاختراق.

الصلب هو الأساس الحقيقي لكندا”، قال رئيس الوزراء مارك كارني خلال زيارته لأحد مصانع تصنيع الصلب في مدينة هاميلتون. “سنحتاج إلى المزيد منه لإطلاق المشاريع ذات الأهمية الوطنية التي ستتوالى على مدى العقود القادمة – الصورة لـ غيتي إيماجيس عبر تورنتو ستـار

لكن الطابع الدفاعي للحزمة الحكومية لا يقتصر على الحماية التجارية فقط، بل يمتد إلى الداخل الاجتماعي والاقتصادي. فقد أطلقت الحكومة دعمًا ماليًا مباشرًا بقيمة 70 مليون دولار كندي موزعة على ثلاث سنوات لإعادة تدريب آلاف عمال الصلب المتضررين من الانكماش، خاصة في مناطق مثل هاميلتون ووندسور وساسكاتشوان، وستُدار الأموال من خلال اتفاقيات تطوير سوق العمل مع المقاطعات. كما ستُمنح الأولوية المطلقة للصلب الكندي في جميع المناقصات الحكومية الكبرى، بما في ذلك مشاريع البنية التحتية المستقبلية المقترحة تحت مظلة مشروع القانون C-5، مما يضخ الطلب المحلي على المنتج الوطني ويمنح الصناعة دفعة أمام رياح المنافسة العالمية.

ردود الفعل من داخل كندا كانت متباينة. نقابات عمال الصلب رحبت بالخطوة، لكنها طالبت بالمزيد من الحماية وتوسيع نطاق الرسوم لتشمل المنتجات المشتقة. أما جمعيات الصناعة فعبّرت عن دعم مشروط، محذّرة من أن الصين سترد على الأرجح بإجراءات مضادة قد تمس صادرات أخرى. أما على الصعيد الدولي، فقد عبّرت وزارة التجارة الصينية عن “استياء شديد” من القرار الكندي، مهددة بإجراءات انتقامية، في حين لم تصدر الإدارة الأميركية تعليقًا رسميًا، واكتفت مصادرها بالقول إن “كندا تعرف كيف تحمي مصالحها”.

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني (يسار) والرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال قمة مجموعة السبع في ألبرتا – الصورة لـ غيتي إيماجيس | وكالة فرانس برس عبر فورتين

رسميًا، لم تُغلق كندا باب الحوار مع لا بكين ولا واشنطن. بل على العكس، أكّد كارني أن بلاده منفتحة على “حلول متوازنة تحفظ المنافسة العادلة”، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن “انفتاح كندا لا يعني قبول الضعف”. وفي هذا السياق، تتضح استراتيجية كارني: استخدام أدوات الحماية الاقتصادية بطريقة مدروسة، مرفقة بدعم اجتماعي مباشر، وتوجيه رسائل قوية إلى خصوم تجاريين دون تمزيق العلاقات الاستراتيجية.

ما أعلن اليوم ليس مجرد إجراءات جمركية أو دعم قطاعي، بل هو إعلان صريح بأن كندا تدخل مرحلة جديدة من السيادة الاقتصادية والتصنيع الوطني. مارك كارني يرسم معالم سياسة هجومية تقطع مع مرحلة الانفتاح غير المشروط، وتؤسس لاقتصاد أكثر استقلالًا وصلابة في مواجهة تقلبات الأسواق العالمية. ما تريده كندا واضح حسب ما أعلن عنه خبراء: حماية صناعتها، استعادة زمام المبادرة التجارية، وتحصين عمّالها ضد الحروب الاقتصادية القادمة. وإذا سارت الأمور كما خُطط لها، فإن هذه القرارات قد تُعيد رسم خريطة الصلب في أمريكا الشمالية… وعلى العالم أن ينتبه.

 

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل