إقتصاد

وُول سترِيت تنزف: هزّةٌ ماليّةٌ عالميّة بسببِ رهاناتِ ترامب

شهدت الأسواق المالية العالمية يوم الجمعة عاصفة غير مسبوقة بعدما هوَت بورصة وول ستريت بشكل حاد في أكبر تراجع لها منذ مايو الماضي، في مشهد يعكس حجم المخاوف التي تعصف بالاقتصاد الأميركي وسط سياسات تجارية مثيرة للجدل يتبناها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وأرقام اقتصادية صادمة هزّت ثقة المستثمرين في متانة أكبر اقتصاد في العالم.

بداية الانهيار جاءت مع صدور تقرير وزارة العمل الأميركية الذي كشف عن تباطؤ غير متوقع في سوق العمل، إذ لم يضف الاقتصاد سوى 73 ألف وظيفة في يوليو، وهو رقم بعيد جداً عن توقعات المحللين التي كانت تراهن على مئات الآلاف من الوظائف. ولم تتوقف الصدمة عند هذا الحد، بل تم تعديل بيانات شهري مايو ويونيو بشكل سلبي بحذف 258 ألف وظيفة، في إشارة واضحة إلى أن النمو الأميركي بدأ يفقد زخمه. هذه الأرقام التي نقلتها وكالات عالمية مثل “رويترز” ووسائل إعلام كندية بينها “غلوب أند ميل” و”هيئة الإذاعة الكندية” أطلقت موجة ذعر في الأسواق، وأشعلت أسئلة حول مدى قدرة الاقتصاد الأميركي على الصمود في مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية.

وفي الوقت الذي كان المستثمرون يحاولون استيعاب هذه البيانات، فجّر ترامب مفاجأة جديدة بإعلانه فرض رسوم جمركية مرتفعة على واردات من أكثر من 60 دولة، مع تأجيل تنفيذها حتى السابع من أغسطس. هذه الخطوة التي وصفتها “بلومبيرغ” و”واشنطن بوست” بأنها مقامرة سياسية واقتصادية، جاءت لتزيد من تعقيد المشهد وتدفع بالمخاوف إلى ذروتها. فالتعريفات الجديدة لا تهدد فقط الشركاء التجاريين، بل تضرب مباشرة سلاسل التوريد العالمية وتضيف أعباء مالية ضخمة على الشركات الأميركية الكبرى، في وقت تكافح فيه لمواجهة تباطؤ الطلب وارتفاع التكاليف.

تداعيات هذه القرارات كانت سريعة وقاسية؛ فقد هبط مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” بنسبة 1.6% مسجلاً أكبر خسارة يومية منذ 21 مايو، فيما تراجع مؤشر “داو جونز” الصناعي بنسبة 1.2%، وانخفض “ناسداك” المركب بنسبة 2.2%. شركات التكنولوجيا العملاقة تلقت الضربة الأقسى، حيث خسر سهم أمازون 8.3%، وتراجع سهم أبل 2.5% رغم إعلانها أرباحاً قوية، ما يعكس حجم القلق الذي يسيطر على وول ستريت. هذه الخسائر دفعت المستثمرين إلى رفع توقعاتهم بخفض عاجل لأسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، إذ قفزت احتمالات خفض الفائدة في سبتمبر إلى 87% بعد أن كانت أقل من 40% قبل يوم واحد فقط، وفق بيانات متخصصة نقلتها وسائل إعلام أميركية.

متداولون يعملون على أرض بورصة نيويورك يوم الجمعة 1 أغسطس 2025، وسط تقلبات حادة في الأسواق عقب إعلان سياسات جديدة أثرت على الثقة الاستثمارية – الصورة لـ وكالة أسوشيتد برس عبر ايكسبرس نيوز

ويرى محللون أن القرارات الجمركية التي أعلنها ترامب لا تنفصل عن حسابات سياسية، إذ يسعى الرئيس الأميركي إلى تعزيز شعبيته في ظل استحقاقات انتخابية مقبلة، عبر الظهور بمظهر الحامي للصناعة الوطنية في مواجهة المنافسين التجاريين، حتى لو كان ذلك على حساب استقرار الأسواق على المدى القصير.

لكن خلف هذه الأسباب المعلنة تكمن عوامل أعمق لم تحظَ بتغطية كافية في الإعلام الاقتصادي. فهناك مؤشرات إلى أن الصناديق الاستثمارية الكبرى قد تكون استغلت حالة الذعر لإعادة تموضع أصولها وجني أرباح من المراهنات على الهبوط، فيما يعرف بصفقات البيع على المكشوف. مثل هذه الاستراتيجيات تضخم موجات التراجع وتزيد من حدة الخسائر في فترة زمنية قصيرة، وهو ما يفسر الهبوط السريع للمؤشرات.

الأسواق أيضاً بدأت تسعّر مخاطر جيوسياسية متنامية، من الحرب في أوكرانيا إلى التوتر مع الصين مروراً بالأزمات في الشرق الأوسط. هذه الملفات، التي لا تبرز عادة في نشرات البورصة اليومية، أصبحت عاملاً أساسياً في قرارات المستثمرين الذين يفرون نحو الملاذات الآمنة مثل الذهب والسندات، على حساب الأصول عالية المخاطر.

الأمر الأخطر هو فقدان الثقة في حيادية المؤسسات الاقتصادية. فقد نقلت صحيفة “نيويورك تايمز” معلومات عن إقالة ترامب لمسؤول بارز في وكالة الإحصاءات المعنية ببيانات التوظيف، ما اعتُبر تدخلاً سياسياً يهدد شفافية البيانات الرسمية ويزيد من الشكوك حول مصداقية المؤشرات الاقتصادية. هذه الخطوة، في نظر الأسواق، أخطر من أي بيانات سلبية، لأنها تقوض أساس الثقة الذي تقوم عليه القرارات الاستثمارية.

ولا يمكن تجاهل المخاوف من أزمة سيولة تلوح في الأفق نتيجة تراكم ديون الشركات الأميركية بعد سنوات من الاقتراض الرخيص، وهي مشكلة قد تتفجر إذا استمر التباطؤ، ما يدفع البنوك والمستثمرين الكبار إلى التحوط مبكراً وسحب السيولة من الأسواق.

في الوقت نفسه، تدور حرب صامتة بين البيت الأبيض والاحتياطي الفيدرالي؛ ترامب يضغط لخفض الفائدة سريعاً لإنعاش الاقتصاد قبل الاستحقاقات المقبلة، بينما الفيدرالي يواجه تضخماً عند مستوى 2.6% ويخشى أن تؤدي أي خطوة غير محسوبة إلى تفاقم الضغوط السعرية. هذا الصراع غير المعلن يزيد من ضبابية المشهد ويغذي تقلبات الأسواق.

محطات التلفزيون تبث المؤتمر الصحفي لرئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول على أرض بورصة نيويورك في 30 يوليو، وسط تجدد انتقادات الرئيس ترامب بعد رفض البنك المركزي خفض أسعار الفائدة – الصورة لـ بلومبيرغ

ولم تكن هذه الأزمة أميركية فقط؛ فالتداعيات طالت الأسواق العالمية من آسيا إلى أوروبا. فقد خسر مؤشر “داكس” الألماني 2.7%، وتراجع “كاك 40” الفرنسي 2.9%، فيما هبط مؤشر “كوسبي” في كوريا الجنوبية 3.9%. العالم بأسره يراقب بقلق ما يجري في واشنطن، لأن أي ركود في أكبر اقتصاد عالمي سينعكس فوراً على النمو الدولي وحركة التجارة العالمية.

السؤال الكبير الآن: هل ما نشهده مجرد عاصفة مؤقتة أم بداية أزمة أعمق قد تدفع الاقتصاد الأميركي والعالمي إلى ركود جديد؟ الخبراء منقسمون؛ بعضهم يرى أن خفض الفائدة قد يخفف الصدمة، لكن آخرين يحذرون من أن استمرار التصعيد التجاري سيقود إلى أزمة حتمية. في كل الأحوال، ما جرى في وول ستريت ليس مجرد تصحيح طبيعي، بل إنذار قوي لمرحلة مضطربة قد تكون الأخطر منذ الأزمة المالية العالمية.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل