سوقُ العمل الكنديّ يواجه ضُغوطًا هيكليّة ووظيفيّة مع تباطُؤ التّصنيع والنّمو السّكاني
في يناير 2026، سجّل الاقتصاد الكندي تراجعًا صافيًا في فرص العمل بلغ 25 ألف وظيفة، وفقًا لمسح قوة العمل الصادر عن إحصاءات كندا. ورغم ذلك، تراجعت نسبة البطالة إلى 6.5 في المئة، وهو أدنى مستوى لها منذ سبتمبر 2024، نتيجة تقلّص عدد الأفراد النشطين في البحث عن وظائف. ويعكس هذا المشهد مزيجًا من الضغوط الهيكلية والعوامل الموسمية المتزامنة، في ظل استمرار تأثير الرسوم الجمركية الأمريكية على القطاع الصناعي المحلي وانعكاسها على مناخ الاستثمار.
تركزت الخسائر الوظيفية بشكل أساسي في العمالة الموسمية والقطاع الخاص، في حين سجلت الوظائف الدائمة زيادة صافية بلغت 45 ألف وظيفة. ووفقًا لإيرل ديفيس، رئيس قسم الدخل الثابت وأسواق المال في بنك مونتريال لإدارة الأصول، فإن هذا التباين يعكس أن سوق العمل لا يمر بحالة ضعف شامل، بل يشهد تحولات موسمية وهيكلية. وغالبًا ما ترتبط الوظائف الموسمية بأنشطة مؤقتة مثل مبيعات مواسم العطلات، بينما تمثل الوظائف الدائمة فرص عمل طويلة الأجل ومؤشرًا على استقرار نسبي في النشاط الاقتصادي.
وفي المقابل، كان القطاع الصناعي الأكثر تعرضًا للضغوط، بعدما فقد 28 ألف وظيفة خلال يناير وحده، لترتفع الخسائر السنوية إلى نحو 51 ألف وظيفة. ويعكس هذا التراجع فتور الاستثمارات لدى الشركات المتوسطة والكبيرة، التي تفضل التريث في ظل غموض قواعد التجارة والاستثمار، لا سيما المرتبطة بالرسوم الجمركية الأمريكية. في المقابل، حققت قطاعات غير صناعية، من بينها المعلومات والثقافة والترفيه، والخدمات المهنية والدعم التجاري، إضافة إلى الزراعة والمرافق، مكاسب محدودة أسهمت في الحد من وتيرة الانكماش في سوق العمل.
تراجع المشاركة في القوى العاملة وتأثير النمو السكاني
انخفض معدل المشاركة في سوق العمل إلى 65 في المئة، مع ارتفاع عدد الأفراد الذين لا يعملون ولا يبحثون عن وظائف، بينهم 34 ألف شخص صُنّفوا كـ “عمال محبطين” نتيجة عدم توافق الفرص المتاحة مع مهاراتهم. وفي الوقت نفسه، شهدت الفئة العمرية بين 15 و24 عامًا تراجعًا في معدلات البحث عن عمل، مع زيادة نسبة الملتحقين بالتعليم، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه الشباب في سوق عمل يعاني من تباطؤ النشاط الاقتصادي ويحتاج إلى سياسات دعم هيكلية.
وتتأثر القوى العاملة بصورة مباشرة بتباطؤ النمو السكاني وتشديد القيود على تدفقات الهجرة، ما يحدّ من دخول عمالة جديدة إلى السوق. ووفقًا لكاري نورمان، خبيرة الاقتصاد في بنك ديجاردان، ظهرت هذه الظاهرة في البداية بين الطلاب الدوليين، لكنها باتت تمتد إلى العمال الأساسيين ضمن الفئة العمرية من 25 إلى 54 عامًا، الأمر الذي يقلّص الحاجة إلى خلق وظائف إضافية للحفاظ على استقرار معدل البطالة.
ويعكس هذا التراجع في النشاط العمالي تحولات هيكلية عميقة، إذ يواجه الاقتصاد ثلاث تحديات متزامنة تشمل الضغوط الناتجة عن الرسوم الجمركية الأمريكية التي أضعفت قطاع التصنيع، إلى جانب تباطؤ النمو السكاني وارتفاع نسبة السكان الذين تتجاوز أعمارهم 65 عامًا، ما يعيد تشكيل ديناميات سوق العمل ويؤثر في توزيع الوظائف والفرص.

قطاع التصنيع أمام مرحلة من عدم اليقين
بالرغم من المكاسب في الوظائف المستمرة، يظل قطاع التصنيع الكندي في مرحلة ركود هيكلي. ويرتبط أي نمو مستقبلي بالنتائج القادمة من إعادة التفاوض على اتفاقية التجارة بين كندا والولايات المتحدة والمكسيك “كوسما”، والتي ستحدد مستقبل الرسوم الجمركية واستثمارات المصانع.
وتواجه الشركات ضعفًا في الاستثمارات بسبب غموض قواعد الاستثمار المستقبلية، ما يزيد التردد قبل اتخاذ أي قرارات توسعية.
كما أظهرت البيانات أن 5.4% من الموظفين الأساسيين في القطاعات المرتبطة بالتجارة الأمريكية يخططون للانتقال إلى وظائف أخرى خلال العام المقبل، بزيادة 1.5 نقطة مئوية عن العام الماضي، ما يعكس القلق المتنامي بين العاملين في القطاعات التصديرية.
وفي الوقت ذاته، ساهمت القطاعات غير الصناعية في تخفيف الضغط على سوق العمل، حيث سجلت قطاعات المعلومات والثقافة والترفيه، والخدمات المهنية والدعم التجاري، والزراعة، والمرافق نموًا محدودًا.
الأجور والسياسة النقدية للبنك المركزي
ارتفعت الأجور بالساعة بنسبة 3.3% سنويًا، ليصل متوسط الأجر إلى 37.17 دولارًا للساعة، وهو معدل متحفظ يعكس تحسنًا جزئيًا في ظروف العمل دون الضغط على التضخم. ويتيح هذا الوضع للبنك المركزي الكندي الحفاظ على معدل الفائدة الأساسي دون تغييرات كبيرة، مع مرونة لتخفيضه إذا ظهرت مؤشرات اقتصادية داعمة.
أوضح محافظ البنك المركزي، تيف ماكليم، أن التعافي في سوق العمل سيكون غير متجانس، إذ ستشهد بعض القطاعات نموًا ملموسًا بينما تواجه أخرى تقدماً أبطأ. وأكد خبراء الاقتصاد مثل أندرو هينسيتش ودوغلاس بورتر أن البيانات الحالية لا تستدعي أي تعديل وشيك في أسعار الفائدة، خاصة مع استمرار عدم اليقين بشأن الاقتصاد الأمريكي والتطورات التجارية، ومن المتوقع أن يترقب البنك بيانات إضافية قبل اتخاذ أي قرارات جديدة.

التباين الإقليمي والمؤشرات الاقتصادية الأمريكية
أظهرت المقاطعات الكندية أداءً اقتصاديًا متفاوتًا، إذ تكبدت أونتاريو النصيب الأكبر من الخسائر، في حين سجلت كل من ألبرتا وساسكاتشوان ونيوفاوندلاند ولابرادور مكاسب محدودة، ما يعكس التباين في تأثر الاقتصادات الإقليمية بالقطاعات التصنيعية والتصديرية.
وفي المقابل، أظهر الاقتصاد الأمريكي مؤشرات قوة لافتة، مع تسجيل فائض ضريبي بنحو 60 مليار دولار خلال يناير، في دلالة على متانة الطلب المحلي، وهو ما يدعم الطلب على الصادرات والخدمات الكندية المرتبطة بالسوق الأمريكية.
ويعكس سوق العمل الكندي صورة مركبة تجمع بين التراجع والتكيّف الهيكلي، إذ خسر الاقتصاد صافي وظائف نتيجة تقلص العمالة الموسمية وتراجع التوظيف في القطاع الخاص، بينما أسهم نمو الوظائف الدائمة في الحد من حدة الانكماش. ولا يزال قطاع التصنيع يواجه ضغوطًا ناتجة عن ضعف الاستثمار واستمرار حالة عدم اليقين التجاري، في وقت يسهم فيه تباطؤ النمو السكاني والاعتماد المتزايد على العمالة الأساسية في إعادة تشكيل سوق العمل وتخفيف الضغوط على معدل البطالة.
ويمنح الارتفاع المعتدل في الأجور، إلى جانب تحسن أداء بعض القطاعات غير الصناعية، البنك المركزي الكندي هامشًا أوسع لإدارة السياسة النقدية مع الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي. كما يبرز هذا التباين الإقليمي الحاجة إلى دعم المقاطعات الأكثر تضررًا وتنويع مصادر التوظيف، في حين تظل متابعة تطورات اتفاقية التجارة بين كندا والولايات المتحدة والمكسيك (كوسما) والمسار الاقتصادي الأمريكي عاملين حاسمين في تحديد آفاق النمو والتوظيف المستدام في كندا.




