هيئة الإحصاءات الكنديّة تكشف: التضخّم الغذائي يرتفع إلى 7.3% ويُثقل كاهل الأسر
شهدت كندا خلال يناير الماضي ارتفاعًا غير مسبوق في أسعار الغذاء، حيث قفز التضخم الغذائي إلى 7.3% على أساس سنوي، رغم تباطؤ معدل التضخم العام إلى 2.3% وفق بيانات هيئة الإحصاءات الكندية، ويعكس هذا الاتجاه استمرار الضغوط على الأسر الكندية، بينما تراجعت أسعار الغاز بنسبة 16.7% بفضل انتهاء ضريبة الكربون للمستهلكين، وهبطت ضغوط الإيجار إلى أدنى مستوياتها منذ خمس سنوات، لكن ذلك لم يعوض الزيادة في أسعار المواد الغذائية الأساسية.
عطلة الضريبة تشوه صورة التضخم الحقيقي
وأوضحت الهيئة أن ارتفاع أسعار الغذاء جاء جزئيًا نتيجة تأثير “عطلة الضريبة” الفيدرالية على الوجبات في المطاعم وعدد من السلع والخدمات، والتي بدأت في يناير 2025، وهو ما شوه المقارنات السنوية، إذ ارتفعت أسعار وجبات المطاعم بنسبة 12.3% على أساس سنوي في يناير 2026 مع إعادة احتساب الضريبة في المؤشرات الاقتصادية.
وارتفعت أسعار المواد الغذائية في المتاجر بنسبة 4.8% خلال الشهر الماضي بعد زيادة 5% في ديسمبر 2025، ورغم انخفاض أسعار الفواكه الطازجة بنسبة 3.1% نتيجة مواسم زراعية مستقرة، استمرت أسعار بعض المواد الأساسية مثل القهوة واللحم البقري في مواجهة زيادات مزدوجة الرقم، وهو ما يعكس عوامل اقتصادية حقيقية تتجاوز تأثير عطلة الضريبة.
وأوضحت ليزلي بريستون، كبيرة الاقتصاديين في بنك “تي دي”، أن جزءًا من هذه الزيادة مرتبط بضغوط سعر الصرف في أوائل 2025 وفرض كندا رسومًا انتقامية على منتجات أمريكية مثل عصير البرتقال من فلوريدا، مما جعل استيراد الأغذية والمواد الخام أكثر تكلفة، وأن انعكاس هذه التكاليف على أسعار التجزئة يظهر بتأخر زمني يصل إلى عدة أشهر.
كما أشارت أولغا بيليك، كبيرة الاقتصاديين في بنك كندا، إلى أن هناك علاقة وثيقة بين التضخم الغذائي وارتفاع تكاليف سلسلة التوريد، بعد الأخذ في الاعتبار تأخر ستة أشهر، ما يعني أن أي تخفيف لهذه الضغوط سيستغرق وقتًا قبل أن ينعكس على فاتورة المستهلكين.
وشهد البرلمان جلسات ساخنة حول قضية التضخم وارتفاع الأسعار، حيث انتقد زعيم حزب المحافظين بيير بويليفر السياسات الليبرالية التي وصفها بأنها تسبب ارتفاع الأسعار عبر الرسوم التنظيمية على سلسلة التوريد، مطالبًا رئيس الوزراء مارك كارني باتخاذ إجراءات عاجلة قبل أن يواجه الكنديون صعوبات غذائية حقيقية.
وبالرغم من بعض الانخفاضات الطفيفة في أسعار المواد الغذائية الطازجة، إلا أن الأسر الكندية ما تزال تواجه ضغوطًا كبيرة، خصوصًا مع استمرار ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتذبذب الأسعار حسب المواسم والسلع المستوردة.

الأطلسي تحت ضغط أسعار الغذاء
ويظهر أثر التضخم بوضوح في مناطق الأطلسي، حيث سجلت نوفا سكوتيا معدل تضخم غذائي بلغ 9.2% وجزيرة الأمير إدوارد 10.1%، وفق تقرير لـ “سي تي في”، ما يعكس الضغوط المباشرة على الأسر ذات الدخل المحدود.
ويقول مارتن أرسينو، متسوق في سوق “غاثواي ميت ماركيت” في نوفا سكوتيا، وفقًا لـ “ذا كنديان برس”: “سأدخل إلى متجر عادي وأخرج فورًا، هنا أحصل على صفقة أفضل بكثير”، فيما أضافت متسوقة أخرى، شيريل مارتن: “يمكنك الحصول تقريبًا على ضعف ما يعرض في بعض المتاجر الكبرى مثل صـوبيز “، مشيرة إلى أن الأسواق المحلية الأرخص تخفف من عبء الأسعار لكنها لا تلغي الحاجة إلى اللجوء لبنوك الطعام للأسر منخفضة الدخل.
ويفسر المحلل التجاري بروس ويندر هذه الظاهرة بوجود عاملين رئيسيين: ارتفاع تكاليف النقل بسبب بعد المسافات، والظروف المناخية التي تحد من الإنتاج المحلي في الأطلسي، ما يزيد الاعتماد على الأغذية المستوردة ويضاعف أثر التضخم.
وأكدت فويبي ستيفنز، أستاذة مشاركة في جامعة دالهوسي ومتخصصة في نظم الغذاء المستدامة، أن تحسين سلسلة التوريد الإقليمية وزيادة الإنتاج المحلي قد يقللان من تكلفة الغذاء، مشيرة إلى بدء عمل مركز غذائي في هاليفاكس يهدف إلى توزيع الغذاء محليًا وإقليميًا، وتطمح لتوسيع هذا النموذج في باقي مناطق الأطلسي لتعزيز المرونة الغذائية. كما أشار الخبراء إلى أن إزالة بعض الحواجز التجارية بين المقاطعات يمكن أن تساعد في تقليل تكاليف الشحن داخليًا، مما يجعل أسعار السلع أكثر استقرارًا، على الرغم من أن هذه الإصلاحات تحتاج وقتًا وجهدًا لتطبيقها.
وعلى الصعيد الدولي، ارتفعت أسعار الغذاء في الولايات المتحدة بنسبة 2.9% في يناير، وهو معدل أقل من كندا، ما يوضح أن الاقتصاد الكندي أكثر تأثرًا بتقلبات أسعار الاستيراد والعملات، خصوصًا في الشتاء عندما يكون الإنتاج المحلي محدودًا. كما أكدت تحليلات بيليك أن أسعار السلع العالمية مثل القهوة والشوكولاتة تأثرت بالعوامل المناخية القصوى والتعريفات الجمركية، وهو ما يزيد الضغوط على الأسعار المحلية في كندا.

الاستيراد وسلاسل التوريد يعمّقان أزمة الأسعار
ويمثل تقرير يناير، وفقًا لهيئة الإحصاءات، أول مؤشر على التضخم منذ تثبيت بنك كندا لسعر الفائدة الأساسي عند 2.25%، وقالت بريستون إن البيانات تشير إلى تباطؤ الأسعار في سلة المستهلكين بمعدل أسرع من المتوقع، ما يفتح المجال أمام احتمال تخفيض أسعار الفائدة إذا استمر الاتجاه نفسه لعدة أشهر.
بدوره، رأى دوغ بورتر، كبير الاقتصاديين في بنك مونتريال، أن أي تخفيض محتمل مرتبط بتباطؤ التضخم الأساسي، ويمكن أن يكون أداة لدعم الاقتصاد في حال واجه صعوبة خلال التحولات الهيكلية الناتجة عن التجارة الدولية.
ويشير خبراء الاقتصاد والصناعة الغذائية إلى أن زيادة الإنتاج المحلي، وتحسين سلسلة التوريد، وإزالة الحواجز التجارية بين المقاطعات تعتبر خطوات حيوية لتقليل التضخم الغذائي وبناء مرونة غذائية أكبر. كما أن إنشاء مراكز توزيع إقليمية للغذاء يمكن أن يوفر نموذجًا مستدامًا ومرنًا لضمان وصول الأغذية بأسعار مقبولة لجميع الأسر، خصوصًا في المناطق الأطلسية والشمالية الأكثر تأثرًا.
من أوتاوا إلى الأطلسي والأقاليم الشمالية، يواجه الكنديون مستويات مرتفعة للتضخم الغذائي منذ سنوات، متأثرين بعوامل محلية مثل تكاليف النقل والظروف المناخية، وعوامل وطنية كالسياسات الضريبية وتقلبات سعر الصرف، وأيضًا عوامل عالمية كالأحوال الجوية والتعريفات التجارية.
ويشير محللو الاقتصاد إلى أن التحدي الأساسي يكمن في تحقيق توازن بين السياسات الاقتصادية، وزيادة الإنتاج المحلي، واستدامة سلاسل التوريد لضمان وصول الغذاء بأسعار ميسورة لجميع الأسر. كما يُتوقع استمرار ضغوط الأسعار في الأشهر المقبلة حتى تُعالج السياسات الضريبية، ويُعزز الإنتاج المحلي، وتُطوّر شبكات التوزيع بشكل أكثر مرونة وكفاءة لتخفيف أثر التضخم على الاقتصاد الكندي بأكمله.




