مجتمع

تعطيل الرّقابة في أوتاوا: متضرّرون وخبراء قانونيّون يطالبون بكشف الملفّات السرية للممارسات الشُّرطية

أوتـاوا | تواجه منظومة الرقابة على الشرطة الملكية الكندية حالة من التعطيل الإجرائي بسبب تكدس 365 ملفاً وتحقيقاً تخص تجاوزات أمنية بانتظار الاعتماد القانوني لنشرها. وتكمن عقدة الأزمة في بقاء منصب رئيس مفوضية المراجعة والشكاوى المدنية شاغراً منذ مطلع عام 2025، مما أحال تقارير كبرى حول سلوك وحدات شرطية خاصة إلى وثائق محبوسة إدارياً، لغياب المسؤول الذي يملك وحده صلاحية التوقيع اللازمة للإفراج عنها أمام الرأي العام.

ويأتي على رأس هذه الملفات تحقيق منهجي شامل انتهى بالفعل حول ممارسات وحدة الاستجابة للصناعة والمجتمع، وهي قوة شرطة واجهت مئات الشكاوى المتعلقة بآلية التعامل مع احتجاجات السكان الأصليين.

ويرى مراقبون حقوقيون أن هذا التعطيل الذي دخل عامه الثاني يضع التزامات الحكومة الفيدرالية تحت المجهر، حيث تسبب الفراغ الإداري في العاصمة أوتاوا في إرجاء المساءلة العلنية لواحدة من أكثر الوحدات الأمنية إثارة للجدل.

تتجاوز هذه القضية حدود الجدل الإداري لتطرح تساؤلات حول آليات حماية العقد الاجتماعي وسيادة القانون. ويذهب خبراء إلى أن ترك أهم جهاز رقابي أمني بلا قيادة لما يزيد عن عام لا يعطل مسار العدالة في قضايا استراتيجية فحسب، بل يرسخ انطباعاً بإمكانية تجميد الرقابة عبر ترك المناصب القيادية شاغرة، مما يترك مئات الشكاوى عالقة في حالة من الترقب القانوني والسياسي.

عناصر الشرطة الملكية خلال تنفيذ أمر قضائي لفتح الطريق أمام عمال خط أنابيب “كوستال غاز لينك” في يناير 2019 وهي اللحظات الميدانية التي خضعت لتحقيقات رقابية مكثفة لا تزال نتائجها طي الكتمان في أوتاوا بانتظار الإفراج عن الملفات السرية – الصورة لـ شبكة سي بي سي

“مطرقة الصناعة” وتحقيقات حبيسة الإجراءات

تعود جذور القضية إلى عام 2017 حين استحدثت الشرطة الملكية وحدة خاصة عُرفت بمجموعة الاستجابة للصناعة والمجتمع والتي تسمى حالياً وحدة الاستجابة الحرجة.

وقد خُصصت هذه القوة للتعامل مع النزاعات المرتبطة باستخراج الموارد الطبيعية في مقاطعة كولومبيا البريطانية، واقترن اسمها بجدل واسع حول ممارسات المراقبة والتدخل الميداني لا سيما خلال الاحتجاجات ضد مد خط أنابيب كوستال غازلين عام 2019.

وعقب تقديم 572 شكوى عامة بين عامي 2019 و2022 أطلقت مفوضية الرقابة في مارس 2023 تحقيقاً منهجياً في ممارسات هذه الوحدة. وتؤكد المعطيات الحالية أن التحقيق أُنجز فعلياً لكنه يظل ممنوعاً من التداول لغياب رئيس يملك صلاحية الإفراج عنه.

وفي هذا الصدد، نقلت شبكة سي بي سي نيوز تصريحاً لمديرة السياسات في جمعية الحريات المدنية، ميغان ماكديرموت، قالت فيه إن مرور وقت أطول يزيد الأمر عبثية، ويعد أمراً مكدراً من منظور محاسبة الشرطة وسيادة القانون.

عناصر الشرطة الملكية أثناء إزالة متظاهر ثبّت نفسه بالإسمنت في الأرض خلال احتجاجات فيري كريك عام 2021 وهي ضمن الممارسات التي شملها التحقيق المنهجي المعطل حالياً في أوتاوا – الصورة لـ سي بي سي نيوز

مطالبات بالإلغاء وانتقادات حقوقية لتقاعس الحكومة

أصبحت وحدة الاستجابة هدفاً لمطالبات حقوقية بالإلغاء التام من قبل منظمات كبرى رأت في ممارساتها تجاوزاً للمعايير المطلوبة. ورغم تأكيدات مكتب وزير السلامة العامة الكندي بأن الحكومة في طور التعيين، إلا أن الفراغ القيادي دخل عامه الثاني دون إعلان رسمي.

ووصف رئيس اتحاد زعماء الهنود الزعيم الأكبر ستيوارت فيليب هذا التقاعس الفيدرالي بالأمر المشين في بيان خص به شبكة سي بي سي.

وأكد فيليب أن تعطيل الرقابة يقوض التزامات كندا تجاه الشعوب الأصيلة ويفتح الأبواب أمام استمرار العمليات الأمنية بعيداً عن أي تقييم رقابي مستقل.

وبحسب السجلات الرسمية تم قبول 123 شكوى رسمية للتحقيق من أصل مئات البلاغات، لكن جميع هذه الملفات تظل رهينة غياب التوقيع القيادي اللازم لخروجها إلى حيز التنفيذ العلني.

متظاهرون يغلقون تقاطعاً حيوياً أمام مكتب رئيس الوزراء في أوتاوا تضامناً مع الزعماء الوراثيين لشعب ويتسويتن المعارضين لخط أنابيب الغاز في مشهد يعكس جذور الغضب الشعبي الذي ينتظر اليوم كشف تحقيقات الرقابة الفيدرالية حول ممارسات الشرطة الملكية – الصورة لـ ذا كنديان برس عبر سي بي سي نيوز

مستقبل الشفافية تحت مجهر الرأي العام

تتزامن هذه الأزمة مع تشريع صدر في أكتوبر 2024 لإنشاء مفوضية رقابية موحدة تدمج رقابة الشرطة وأمن الحدود، غير أن محللين يؤكدون أن غياب القيادة عن هذه المؤسسات يحول النصوص القانونية إلى حبر على ورق ويمنع تفعيلها إدارياً. وفي هذا السياق يرى ممثلون عن السكان الأصليين أن البيروقراطية التي تُغيب الحقائق تظل العائق الأكبر أمام مساعيهم لإرساء مبادئ الشفافية.

ستبقى أنظار المنظمات الحقوقية معلقة بذلك الكرسي الشاغر في أوتاوا، فإما أن يُعين رئيس للمفوضية لتتحرر مئات التحقيقات المحبوسة وتنكشف ممارسات الوحدة الأمنية المثيرة للجدل، أو سيُسجل عام 2026 كالعام الذي واجهت فيه الشفافية أكبر انتكاسة في واحدة من أكثر الديمقراطيات رسوخاً.

إن قضية هذه الملفات السجينة تعكس واقعاً مفاده أن العدالة لا تتحقق بمجرد صياغة التشريعات، بل بالقدرة الإدارية على إنفاذها، ليبقى المشهد بانتظار قرار أوتاوا بالإفراج عن نتائج التحقيقات العالقة.


الزعيم الوراثي لشعب ويتسويتن نا موكس متحدثاً في ساسكاتون حول انتهاكات الحقوق والأراضي وهو أحد أبرز الأصوات المطالبة بإنهاء السرية وكشف تقارير الرقابة المعطلة في أوتاوا بشأن تجاوزات الشرطة الملكية – الصورة لت ذا كنديان برس عبر شبكة سي بي سي نيوز

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل