مواقـع التـواصل

ثورة “اللّيبرالي” بمونتريال: لا منصات رقميّة للقاصرين في كندا قبل سنّ الـ 16

في تحول تشريعي لافت، تتجه الحكومة الكندية نحو تبني قانون يحظر وصول الأطفال دون سن 16 عاماً إلى منصات التواصل الاجتماعي وروبوتات الدردشة، في خطوة تعكس تصاعد القلق الرسمي والشعبي من تأثير الفضاء الرقمي على الصحة النفسية للنشء. ويضع هذا التوجه كندا في صدارة الدول الساعية لفرض قيود صارمة على شركات التكنولوجيا، وسط مساعٍ لإعادة التوازن بين الحقوق الرقمية وحماية المجتمع، خاصة مع تنامي الأدلة على ارتباط الاستخدام المكثف للمنصات باضطرابات نفسية لدى المراهقين.

وبحسب ما أوردته شبكة “سي بي سي نيوز”، تبرز تحديات كبيرة أمام تنفيذ الحظر، أبرزها آليات التحقق من العمر دون المساس بخصوصية المستخدمين. ويحذر مراقبون من أن تلك القيود قد تدفع المراهقين نحو “مجتمعات رقمية مخفية” أو تطبيقات مشفرة غير خاضعة للرقابة، مما قد يزيد المخاطر بدلاً من الحد منها، وهو ما يتطلب إطاراً تشريعياً يشبه “قوانين سلامة الطرق” التي تجمع بين حدود السن، المعايير الهندسية للمنتج، والرقابة الصارمة.

ويهدف التشريع المرتقب إلى نقل مسؤولية حماية القاصرين من الأسر إلى عمالقة التكنولوجيا، في ظل تزايد الانتقادات لفشل سياسات “التنظيم الذاتي”. وترى أوتاوا أن التدخل القانوني بات ضرورياً لإجبار المنصات على تعديل نماذج عملها القائمة على جذب انتباه المستخدمين الصغار، وتحويل التركيز من “خوارزميات التفاعل” إلى “هندسة المنتجات الآمنة” التي تضع سلامة القاصرين فوق اعتبارات الربح.

على خطى أستراليا.. زخم عالمي متصاعد لفرض حظر شامل على المنصات الرقمية لمن هم دون الـ 16، وكندا تتأهب للحاق بالركب التشريعي – الصورة لـ شبكة سي بي سي

تحديات التنفيذ وقلق الخصوصية

في السياق السياسي، تقود النائبة ريتشل بيندايان هذا التوجه داخل الحزب الليبرالي، مؤكدة أن تصميم المنصات يعتمد على آليات إدمانية تستهدف صغار السن. وأشارت إلى أن عدداً متزايداً من المراهقين أنفسهم باتوا يؤيدون فرض قيود رقمية تمنحهم مساحة للابتعاد عن الضغط المستمر للتواجد على الإنترنت، مشددة على أن الكنديين نضجوا بما يكفي لإجراء نقاش وطني جاد حول حماية خصوصية النشء.

من جانبه، كان رئيس الوزراء مارك كارني قد تعامل بحذر مع الملف في تصريحات أدلى بها مؤخراً من العاصمة اليابانية طوكيو، حيث أكد أن قراراً بهذا الحجم يستوجب نقاشاً وطنياً واسعاً قبل حسمه، لضمان موازنة معايير السلامة مع تحديات التنفيذ التقني واحتمالية مواجهة طعون قانونية من شركات التكنولوجيا الكبرى.  وفي المقابل، يثير المشروع هواجس تتعلق بالخصوصية، حيث يحذر معارضون من أن أنظمة التحقق من العمر قد تفرض على المستخدمين تقديم بيانات حساسة للمنصات، مما يضاعف مخاطر تسريب المعلومات الشخصية.

ويمتد النقاش ليشمل تقنيات الذكاء الاصطناعي، إذ تسعى الحكومة إلى إدراج روبوتات الدردشة ضمن الحظر، خاصة بعد حوادث أمنية خطيرة كواقعة “تامبلر ريد” في مقاطعة بريتش كولومبيا، حيث تورط حساب دردشة في حادث عنيف دون إبلاغ السلطات من قبل الشركة المعنية. ويرى الخبير تايلور أوين أن استثناء هذه التقنيات من التنظيم يمثل ثغرة خطيرة، داعياً إلى إخضاع شركات مثل “أوبن أيه آي” لرقابة مماثلة، ومنعها من بناء “ملفات تعريفية” تجارية للمراهقين بناءً على محادثاتهم الخاصة.

رئيس الوزراء مارك كارني وسط أنصاره بمونتريال، في مشهد يعكس التماسك الحزبي قبل حسم القرارات الرقمية الكبرى. وتبرز في الخلفية البرلمانية “ماريلين غلادو” المنضمة حديثاً للحزب، مما يعزز من قدرة الليبراليين على تمرير “ثورة” حظر المنصات داخل البرلمان – الصورة لـ ذا كنديان برس عبر سي بي سي

نحو سيادة رقمية شاملة

كما يطرح أكاديميون مقترحات موازية، بينها مفهوم “العفو الرقمي” الذي يدعو إلى حذف السجلات الرقمية للأطفال عند بلوغهم سناً معينة، لتفادي تأثير بيانات الطفولة على مستقبلهم. وتستند الحكومة في توجهها إلى دعم شعبي واسع؛ إذ أظهرت بيانات معهد “أنغوس ريد” أن نحو 75% من الكنديين يؤيدون فرض حظر شامل على استخدام المنصات لمن هم دون 16 عاماً، معتبرين إياه “درعاً مجتمعياً” لا غنى عنه.

في المقابل، يشكك بعض الخبراء في فعالية الحظر المنفرد، مؤكدين أن الحل يتطلب تعزيز التوعية الرقمية وإجبار الشركات على تطوير أدوات حماية فاعلة بدلاً من الاكتفاء بالمنع. وتتابع أوتاوا عن كثب التجربة الأسترالية، مع توجه لاعتماد نظام “طرف ثالث” للتحقق من العمر يوازن بين الأمان وحماية الخصوصية، لضمان عدم وصول بيانات الهوية الرسمية إلى الشركات بشكل مباشر.

ومع اقتراب طرح مشروع قانون “الأضرار عبر الإنترنت” أمام البرلمان، تبدو كندا على أعتاب اختبار تشريعي معقد. إن دمج معايير سلامة المنتج مع قيود العمر يعكس رغبة أوتاوا في إنهاء حقبة “الفوضى الرقمية”، وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة وقطاع التكنولوجيا، بما يضمن صياغة ملامح “السيادة الرقمية” وحماية الأجيال القادمة في العصر الحديث.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل