كنـدا الآن

رئيس وزراء جديد لكيبيك اليوم.. فريشيت ودرانفيل في صراع وراثة لإنقاذ التّحالف من التّلاشي

مونتريال | تستعد مقاطعة كيبيك لدخول نفق سياسي مجهول المعالم مع إسدال الستار اليوم على حقبة “فرانسوا لوغو”، حيث يتجمع آلاف الأعضاء في مدينة “ديروموندفيل” لحسم صراع الوراثة المحتدم بين “كريستين فريشيت” و”برنار درانفيل”. هذا المنعطف التاريخي لا يمثل مجرد تغيير في الأسماء، بل هو محاولة أخيرة لترميم شروخ حزب “التحالف من أجل مستقبل كيبيك” الذي بات يترنح تحت وطأة استطلاعات رأي كارثية تنبئ بخروج مهين من المشهد السياسي في أكتوبر المقبل.

تأتي هذه الانتخابات الداخلية في توقيت شديد الحساسية، حيث يواجه الحزب الحاكم عاصفة من الرفض الشعبي أدت لتراجع رصيده إلى مستوى تاريخي عند حدود 9%. ومع انسحاب “لوغو” الذي ظل لسنوات الصخرة التي تتحطم عليها طموحات المعارضة، يجد المصوتون أنفسهم أمام رؤيتين متصادمتين، إحداهما تميل نحو الانغلاق الهوياتي والتشدد القومي، والأخرى تدفع باتجاه براغماتية اقتصادية منفتحة قد تكسر المحرمات البيئية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من رصيد الحزب المتهالك.

إن المعركة التي تدور رحاها اليوم ليست مجرد سباق على زعامة حزب، بل هي استفتاء على هوية المقاطعة ومستقبل علاقتها بالفيدرالية الكندية في ظل ترقب “الحزب الانفصالي” للحظة الانقضاض. يدرك المصوتون أن أي خطأ في تقدير شخصية الزعيم القادم قد يعني فتح الأبواب على مصراعيها لعودة شبح الاستفتاء على الاستقلال، مما يضع مستقبل كيبيك الاقتصادي والسياسي على المحك في ظل اضطرابات عالمية لا تحتمل المغامرات غير المحسوبة.

مرشحا قيادة حزب ‘التحالف من أجل مستقبل كيبيك’ كريستين فريشيت وبرنار درانفيل يتصافحان قبيل انطلاق مناظرة القيادة في مدينة لافال بكيبيك.. السبت 11 أبريل 2026 – الصورة لت ذا كنديان برس عبر سي بي سي نيوز

معركة الهوية واللغة.. مقامرة “درانفيل” وتكتيكات “فريشيت

يقود برنار درانفيل، الوزير السابق المخضرم، تياراً يرى في “القومية المتشددة” طوق النجاة الوحيد لاستعادة القواعد الشعبية الغاضبة، مراهناً على إرثه في الدفاع عن ميثاق القيم الكيبيكية. وقد استخدم درانفيل خطاباً هجومياً شرساً ضد منافسته، متسلحاً بدعم وزراء الحقائب السيادية الذين يرون في شخصيته الصدامية وسيلة لفرض إرادة كيبيك على الحكومة الفيدرالية، خاصة في ملف الهجرة الذي يعتبره درانفيل السبب الرئيس وراء ترهل البنية التحتية واكتظاظ المدارس بشكل فاق قدرة المقاطعة على الاستيعاب.

في المقابل، تتبنى كريستين فريشيت خطاباً يبتعد عن الصدام الهوياتي الصريح لصالح حماية لغوية مدروسة، حيث اقترحت توسيع نطاق القانون “101” ليشمل تعليم الكبار، في خطوة تهدف لقطع الطريق على اتهامات “التردد” التي يرميها بها خصمها. فريشيت، التي تحظى بدعم كاسح من الكتلة البرلمانية ومن وزراء المالية والبيئة، تحاول تقديم نموذج “الوطنية العقلانية” التي تحمي اللغة الفرنسية دون الدخول في صراعات دبلوماسية مع “أوتاوا”، مما يجعلها مرشحة التيار الوسطي الذي يخشى من جنوح الحزب نحو اليمين المتطرف.

وصلت حدة التوتر بين القطبين إلى ذروتها في مناظرة “لافال”، حيث تعرض درانفيل لصيحات استهجان عقب اتهامه لفريشيت بالتقاعس في إغلاق طريق “روكسهام” الحدودي، وهو ما يعكس الانقسام العميق داخل القواعد الحزبية. هذا التراشق لم يكن مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل كشف عن فجوة في تقدير كيفية التعامل مع “أيتام” برامج الهجرة السابقة، فبينما يصر درانفيل على سقف منخفض للمهاجرين لا يتجاوز 18 ألفاً، تطرح فريشيت رؤية أكثر مرونة باستيعاب 45 ألفاً لضمان استمرارية سوق العمل الكيبيكي.

لم يقتصر الانقسام حول ملف الهوية على التصريحات، بل امتد ليشمل خارطة الولاءات داخل الحزب، حيث أعلن الوزير السابق ليونيل كارمان دعمه لفريشيت كشرط لعودته للعمل السياسي، معتبراً رؤيتها هي الأنسب للمرحلة المقبلة. وفي المقابل، نجح درانفيل في استقطاب الجناح الشبابي للحزب، مستفيداً من مواقفه الصارمة بخصوص الانضباط المدرسي ومنع الهواتف المحمولة، مما يخلق مشهداً معقداً يجمع بين خبرة الرموز وطموح الشباب داخل حزب “التحالف” الذي يقف اليوم على مفترق طرق تاريخي.

كريستين فريشيت في “هجوم براغماتي” خلال مناظرة لافال.. المرشحة الأقرب للتيار الوسطي تدافع عن رؤيتها الاقتصادية وتكسر المحرمات بملف الغاز الصخري، في محاولة لتقديم بديل عقلاني يحمي لغة المقاطعة دون الصدام مع “أوتاوا” – الصورة لـ مونتريال غازات

المقامرة الكبرى.. الغاز الصخري و”الرابط الثالث” بين الجدوى والأنا

تطل الأجندة الاقتصادية برأسها كأحد أكثر الملفات سخونة في هذا السباق، حيث أحدثت فريشيت هزة في الأوساط السياسية والبيئية بدعوتها لإعادة النظر في استغلال “الغاز الصخري” والتنقيب الهيدروليكي. وترى فريشيت أن التحولات الجيوسياسية العالمية وأزمة الطاقة تفرض على كيبيك استغلال مواردها الطبيعية لتحقيق الاستقلال الطاقوي، وهي مقامرة سياسية كبرى نظراً للحساسية الشعبية المفرطة تجاه هذا الملف، إلا أنها تراهن على “القبول الاجتماعي” المشروط بحماية موارد المياه الصالحة للشرب كصمام أمان لمشروعها الطموح.

وعلى الضفة الأخرى، يبدو الصدام حول مشروع “الرابط الثالث” بين كيبيك وليفيس كأنه معركة حول “الأنا السياسية” أكثر من كونه مشروعاً للبنية التحتية، حيث اتهمت فريشيت خصمها درانفيل بالدفاع عن مشروع فاشل لا يحظى بدعم حقيقي سوى لإرضاء طموحاته الشخصية. وقد اقترحت فريشيت تحويل المشروع إلى جسر برسوم مرور ممول جزئياً من القطاع الخاص، وهو ما وصفه درانفيل بالمقترح “الفرعوني” الذي سيتجاوز في طوله وتكلفته جسر “غولدن غيت” الشهير، معتبراً أن خطتها تهدف لتعطيل المشروع بعراقيل مالية تعجيزية.

هذا التباين في الرؤى التنموية يعكس أزمة أعمق داخل الحزب تتعلق بكيفية موازنة الميزانية في ظل تراجع النمو، فبينما يرى درانفيل ضرورة الالتزام بالوعود الانتخابية القديمة للحفاظ على معاقل الحزب في المناطق الريفية، تدفع فريشيت نحو براغماتية مالية تتماشى مع توجهات وزارة المالية. الصدام حول الغاز الصخري و”الرابط الثالث” ليس مجرد خلاف فني، بل هو صراع على فلسفة الحكم، هل يستمر الحزب في سياسة المشاريع الكبرى المكلفة، أم ينتقل لسياسة الترشيد المالي والشراكات الاستراتيجية لتجاوز العجز المتفاقم.

لم يخلُ النقاش من الاتهامات الشخصية التي خرجت عن المألوف، حيث سخرت فريشيت من تحولات درانفيل السياسية وتاريخه في الحزب الانفصالي قبل انضمامه لـ “التحالف”، متسائلة عن مدى ثبات مبادئه. درانفيل بدوره حاول الظهور بمظهر رجل الدولة الذي يمد غصن الزيتون، عارضاً على فريشيت منصب نائب رئيس الوزراء في حال فوزه، وهو العرض الذي قوبل ببرود واضح من قبلها، مما يؤشر على صعوبة لمّ شمل الحزب بعد إعلان النتائج في ظل هذه الجروح العميقة التي خلفها الصراع العلني.

وزير العدل سيمون جولين باريت، ووزير النقل جوناثان جوليان، ووزيرة الصحة سونيا بيلانجر (من اليمين واليسار)، يعلنون دعمهم للمرشح برنار درانفيل (وسط الصورة) خلال المؤتمر العام لحزب ‘التحالف’ في كيبيك.. السبت 11 أبريل 2026 – الصورة لت ذا كنديان برس عبر سي بي سي نيوز

رهان البقاء.. سيناريوهات “الصفر مقاعد” وشبح الاستقلال

يدخل الحزب الحاكم هذه الانتخابات وهو يدرك أن عدوه الحقيقي يكمن في الخارج، حيث تشير محاكيات الانتخابات إلى احتمالية خروج الحزب بصفر مقاعد في حال أجريت الانتخابات اليوم. هذا التهديد الوجودي جعل من اختيار الزعيم القادم مهمة انتحارية تهدف لصد زحف الحزب الانفصالي وحزب الليبراليين الذين يتقاسمون الآن تركة “التحالف” المنهارة. الزعيم الجديد لن يمتلك ترف الوقت، إذ عليه البدء فوراً في إعادة صياغة خطاب سياسي قادر على إقناع الناخبين بأن الحزب لا يزال يمتلك رؤية صالحة لقيادة المقاطعة.

يشكل صعود “الحزب الانفصالي” وتصدره لاستطلاعات الرأي هاجساً مرعباً للتيار الفيدرالي داخل حزب “التحالف”، حيث يرى المحللون أن فوز درانفيل قد يعزز من فرص الانفصاليين نظراً لخلفيته السيادية السابقة. وفي المقابل، تُعتبر فريشيت المرشحة الأكثر قدرة على استقطاب أصوات الفيدراليين القلقين من عودة خيار الاستقلال، مما يجعل اختيار اليوم حاسماً ليس فقط لمستقبل الحزب، بل لاستقرار الكيان الفيدرالي الكندي ككل، خاصة مع تلويح الانفصاليين باستفتاء جديد في حال وصولهم للسلطة.

التحدي الأكبر الذي سيواجه القائد القادم هو كيفية تقليص حجم الحكومة والبيروقراطية دون المساس بالخدمات الأساسية، وهو ملف اتفق فيه المرشحان على ضرورة “الرشق الحكومي” لتقليل التكاليف. غير أن هذا الاتفاق يصطدم بواقع الحاجة لتمويل مشاريع ضخمة لإرضاء الأقاليم التي شعرت بالتهميش، مما يضع الزعيم الجديد أمام معادلة مستحيلة، كيف يمكن تقليل الإنفاق وفي الوقت نفسه بناء جسور وأنفاق ومستشفيات جديدة لاستعادة ثقة الناخبين الغاضبين في المناطق البعيدة عن المركز.

مع إغلاق صناديق الاقتراع في دروموندفيل وبدء العد التنازلي، تترقب الدوائر السياسية في “أوتاوا” و”كيبيك” الدخان الأبيض الذي سيخرج من المؤتمر العام. وسواء كانت فريشيت ببراغماتيتها الاقتصادية أو درانفيل بصلابته الهوياتية، فإن المهمة التي تنتظر أحدهما تتجاوز رئاسة الوزراء إلى محاولة إحياء سياسي لمشروع بدأ كحلم لإنهاء الصراع التقليدي، وينتهي اليوم وهو يصارع لكي لا يصبح مجرد هامش عابر في تاريخ كيبيك السياسي المعاصر.

فرانسوا لوغو يترجل عن صهوة القيادة في لحظة فارقة.. يغادر المؤسس تاركاً خلفه إرثاً يصارع رياح التغيير، وحزباً يقف على أعتاب اختبار الوجود؛ فهل يكون رحيله فاتحة لاستعادة الثقة أم بداية النهاية لمشروع “التحالف”؟ – الصورة لـ ذا كنديان برس عبر سيتي نيوز

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل