مجتمع

الجُسور إلى المجتمع: استراتيجيّاتُ “الوقاية المبكّرة” لمكافحة ضياع أطفال المدارس في كندا

انطلق البرنامجُ استنادًا إلى نتائج أبحاث سابقة أظهرت أنّ غياب العلاقات الإيجابيّة والشّعور بالانتماء قد يجعل الأطفال عرضةً للتّأثيرات السلبية من أقرانهم في المستقبل

توصل أخصائيون في التعليم بكندا إلى ابتكار أسلوب عملي جديد يحمي أطفال المدارس من الضياع “ما بعد المدرسة”، يقدم لهم يد المساعدة ويقيهم مبكرا من أية آثار نفسية سلبية قد يحملها هؤلاء التلاميذ وهم يعيشون وسط حشد كبير من نظرائهم بتلك المدارس التعليمية.

ويعتقد هؤلاء المعلمون بأن البرنامج الذي هدفه تحديد سلوك الطفل “ما بعد المدرسة” يُعلّم الأطفال أدوات لمقاومة التأثيرات السلبية لاحقاً في حياتهم”.

الرسائل العميقة

نقلا عن شبكة “سي بي سي نيوز”، بإحدى مدارس كالغاري وعلى على مدى ساعتين في بعد ظهر يوم الاثنين، يقوم هؤلاء الأطفال الذين يدرسون في الصفوف الرابع والخامس والسادس بممارسة تمارين التنفس العميق، ثم يلعبون ألعاباً في الصالة الرياضية، ويختارون كتباً لتقديمها للأطفال الأصغر سناً، ويكتبون رسائل لطيفة فيها.

ستيفاني باسترو منسقة المشروع تقود نشاطاً يتعلق بموضوع أسبوعي في الفصل الدراسي وهو: الإيثار، تشجع كل طالب على اختيار كتاب واحد ليهديه لطالب أصغر وكتابة ملاحظة لطيفة فيه، وفق ما جاء في “سي بي سي”.

ومما كتبه أحد التلاميذ في الكتاب الذي أهداه للتلميذ الأصغر سناً منه: “آمل أن يعجبك هذا الكتاب لأنني أعجبت به.. على الرغم من أنني لا أعرف من أنت، إلا أن لدي شعورا بأنك شخص لطيف وتملك قلباً طيباً”.

كجزء من موضوع هذا الأسبوع، الإيثار، اختار كل طفل كتابا ليهديه لطفل آخر وكتب رسالة لطيفة بداخله-الصورة لـ سي بي سي

تقول الصحفية كارينا زاباتا صاحبة التحقيق الصحفي على الشبكة الإخبارية إن “هناك هدفاً أعمق من هذا العمل، إذ يتم تعليم الطلاب أدوات لمقاومة التأثيرات السلبية لاحقًا في الحياة”.

وكشفت أيضا أنه منذ عام 2021، تواجه إدارة التعليم في كالغاري تسجيلا قياسياً مع طلاب جدد من جميع أنحاء كندا وما وراءها، وأن المدارس ممتلئة لدرجة أن العديد منها مغلقة الآن أمام الطلاب الجدد.

بينما قالت المعلمة السابقة والمديرة لورين كينسمان لـ”سي بي سي نيوز” إنه “ليس مجرد برنامج للجلوس والاستماع، يجب أن يكون هناك تفاعل نشط”.

لورين كينسمان المنسقة في مؤسسة كالغاري بريدج للشباب والمشرفة على برنامج “الجسور إلى المجتمع”، قدمت في تصريحها لـ”سي بي سي نيوز” بعضاً من تفاصيل وأهداف هذا البرنامج.

ومما قالته: “إذا كنت تريد تعليم حل النزاعات، اجمع 15 طفلا معاً للعب كرة القدم….أعدك، في 15 دقيقة سيكون لديك أربع فرص لتعليم حل النزاعات… هذا ما نحاول القيام به، فقط منحهم الفرصة للمشاركة.”

كينسمان أكدت أيضا بأن الأبحاث أظهرت أنه بدون تكوين علاقات إيجابية وإحساس بالانتماء، يمكن أن يكون الأطفال عرضة لنطاق من التأثيرات السلبية من أقرانهم في المستقبل من التغيب عن المدرسة إلى الأنشطة الإجرامية.

فيما تكشف الصحفية معدة التقرير على “سي بي سي” عن تساؤلات الآباء وحتى المعلمين وقلقهم عما إذا كانت المدارس ستتمكن من مواكبة ذلك وتقديم كل هذه الاهتمام الشخصي الذي يحتاجه الطلاب الجدد.

لورين كينسمان مديرة البرامج في مؤسسة جسر كالغاري للشباب-الصورة لـ سي بي سي

الوقاية المبكرة

هيو نغو، أستاذ مشارك في العمل الاجتماعي بجامعة كالغاري، تحدث لـ”سي بي سي نيوز” عن تجربته في العمل مع الأطفال، حيث قال “إن برامج الوقاية المبكرة مثل هذه تذهب بعيدا ويمكن أن توفر الكثير من المال على المدى الطويل”.

مضيفاً بأنه “عندما لا نستثمر في برامج مثل هذه، نجد أنفسنا ندفع أكثر بكثير لاحقًا، خاصة عندما يضيع الشباب في المجتمع، دون أن يشعروا بإحساس بالاتصال، ويفتقرون إلى المرونة والثقة بشأن من هم”.

تجمع مجموعة من 30 طفلًا في الصفوف من الرابع إلى السادس بعد المدرسة من أجل أسبوعهم الأخير في برنامج “الجسور إلى المجتمع”، الذي تديره مؤسسة كالغاري للجسور للشباب-الصورة لـ سي بي سي

برنامج “الجسور إلى المجتمع

بحسب “سي بي سي نيوز” أطلق برنامج “جسور إلى المجتمع” في الخريف الماضي عبر أربع مدارس ابتدائية، وعلى مدار ستة أسابيع، إذ يحاول كينسمان وآخرون تعليم الأطفال المرونة وقيمة الذات.

ويتم تمويل البرنامج من منحة بقيمة 100 ألف دولار من “يـونايتد واي” ستسمح للمؤسسة بتشغيل البرنامج عبر 12 مدرسة، والعمل مع ما يصل إلى 600 طفل في كالغاري.

وسم الثعابين

“وسم الثعابين” ليست مجرد لعبة فقط، بل قد تكون العمود الفقري لبرنامج “الجسور إلى المجتمع”، لكن ما قصتها؟ وما الهدف منها؟

نقلا عن “سي بي سي نيوز”، فإن هذه اللعبة تكون في المدارس في تمام الساعة الرابعة، حيث يقوم 12 طفلا بالتزحلق مثل الثعابين على أرضية الصالة الرياضية، يضحك آخرون ويصرخون أثناء فرارهم.

تقول قواعد اللعبة إنه إذا تم وسمك من قبل ثعبان، فإنك تتحول إلى واحد آخر، ومن يبقى يكون الفائز، بحسب “سي بي سي”.

يواجه كل طفل خيارات باستمرار، إما البقاء داخل الخطوط أو القفز خارجها، ثم الاعتراف بالوسم أو يبدأ الجدال بينهم.

ووفق الشبكة الإخبارية فإن لهذه اللعبة أهدافاً تتلخص في تعليم الأطفال كيفية تنظيم عواطفهم واتخاذ قرارات جيدة، وهي مهارات حيوية يحتاجونها ليكونوا جزءا من فريق وأن يشعروا بانتمائهم.

وعبرت باسترو لـ”سي بي سي” عن إعجابها بمدى وعي الأطفال بأنفسهم، حتى في سن الثامنة، مضيفة: “لذا، دمجت الوعي الذهني في المنهج الدراسي… الوعي الذهني هو ممارسة التواجد في اللحظة الحالية وقد وُجد أنه يزيد من التفاؤل، ويقلل من التوتر، بل ويحسن أيضا مهارات الرياضيات لدى الأطفال في سن المدرسة الابتدائية”.

منسقة المشروع ستيفاني باسترو تقوم بقيادة البرنامج كل أسبوع-الصورة لـ سي بي سي

وعند بداية ونهاية كل جلسة، تقول باسترو للطلاب أن يجلسوا بشكل مريح ويغلقوا أعينهم إذا أرادوا باستخدام وعاء صوتي نحاسي محمول، تدق جرساً وأطلب منهم التنفس لمدة خمس ثوانٍ، ثم الزفير لمدة خمس ثوانٍ أخرى ثلاث مرات متتالية… بعض الأطفال يضحكون خلال التنفس، بينما يبقى الآخرون مركزين على المهمة… الغرفة تصبح أكثر هدوءا عندما تنتهي التمارين”.

وأوضحت – نقلا عن “سي بي سي” دائما بأن: “ما يحدث في تلك الغرفة خلال ساعتين فقط هو ذو معنى ويؤثر بالفعل… وعلى الرغم من أن ذلك قد يكون مقلقاً بعض الشيء، إلا أنه يعد أيضا فرصة كبيرة عندما ترى التقدم والنمو، فإن ذلك يجعل الأمر يستحق تماماً”.

وتعتقد باسترو بأن القياس الحقيقي للنجاح هو إذا كان هؤلاء الأطفال سيستمرون في تقوية علاقاتهم ويزدهرون لفترة طويلة بعد أن يمنحهم هذا البرنامج دفعة للأمام، ومع ذلك تنوه إلى صعوبة قياس ذلك.

ويعمل رواد البرنامج مع مديري المدارس على معرفة ما إذا كانت المهارات التي اكتسبها الأطفال ستظل موجودة، وهم يستخدمون التعليقات لتعديل البرامج المستقبلية، وسط آمال لاستمرار البرنامج لأكثر من 6 أسابيع.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل