أوروبـــا

من مُراقبةِ السّلام إلى خطّ الجبهة: أوروبّا تُعبِّئ قوّاتها استعدادًا لنشر عشراتِ الآلافِ من الجنُود في أوكرانيا

بينما لا تزال المدافع تدوي على الجبهة الأوكرانية وتتعثّر كل المبادرات السياسية لوقف الحرب، بدأت تتسرّب إلى الإعلام الغربي معطيات مقلقة تكشف عن تحوّل نوعي في التفكير الأوروبي، يتمثل في الانتقال من تقديم الدعم العسكري والمالي لأوكرانيا إلى الاستعداد لنشر قوات مباشرة على أراضيها تحت مسميات رسمية مثل “مراقبة وقف إطلاق النار” و “الضمانات الأمنية”. لكن خلف هذه العناوين الدبلوماسية الناعمة تتكشف صورة أكثر خطورة توحي بأن أوروبا قد تكون بصدد إعادة رسم قواعد الاشتباك في أخطر نزاع تشهده القارة منذ الحرب العالمية الثانية، استعدادًا لمرحلة ما بعد الحرب يمكن أن تعيد تحديد ميزان القوى في المنطقة وتضع أوروبا في قلب معادلة أمنية جديدة، وأكثرها خطورة.

أرقام صادمة وتسريبات تكشف الاستعداد الأوروبي

بدأت القصة بتقارير أوروبية تحدثت عن نشر 10 إلى 15 ألف جندي خلال الأشهر الستة الأولى بعد انتهاء الحرب ضمن ما يُعرف بـ “تحالف الراغبين”، وهو تحالف يضم الدول الأوروبية المستعدة للتحرك على الأرض دون انتظار موافقة الجميع. لكن تقريرًا لاحقًا كشف أن الرقم الحقيقي الذي يُتداول في الكواليس يصل إلى 25 إلى 30 ألف جندي، أي ضعف التقديرات الأولى تقريبًا. هذه الأرقام الكبيرة لا تمثل مجرد فرق في تقدير القدرة، بل تكشف عن روايتين متوازيتين: الأولى موجهة للرأي العام لتخفيف حدة المخاوف، والثانية داخلية تعكس استعدادًا لمواجهة أمنية واسعة النطاق.

القوات التي يتم التخطيط لنشرها تشمل وحدات داخل أوكرانيا وأخرى متمركزة خارج الحدود، جاهزة للتحرك بسرعة في حال خرق روسيا أي اتفاق محتمل. هذا التحرك يتجاوز مفهوم قوات حفظ السلام التقليدية، التي عادة ما تعمل بتفويض أممي وتنتشر بين طرفين متحاربين وتلتزم بقواعد اشتباك صارمة. ففي الحالة الأوكرانية، القوة الأوروبية ستكون احتياطية مزودة بقدرات تدخل سريع ومدعومة بقوات إضافية خارج الأراضي الأوكرانية، ما يجعلها أداة ضغط استراتيجي أكثر من كونها بعثة مراقبة سلمية.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يصافح قادة أركان جيوش الاتحاد الأوروبي والناتو، في مشهد يرمز إلى توحيد جزء من الاستراتيجية الأوروبية لمواجهة التهديد الروسي المحتمل، فيما تبرز فرنسا كقائدة عبر تحضير قوات احتياطية وخطط للتدخل السريع داخل أوكرانيا، بينما تظهر المؤشرات الأولية انقسامًا أوروبيًا حول طبيعة المشاركة وجاهزية القوات، ما يعكس تحول أوروبا من دعم أوكرانيا عن بُعد إلى جاهزية ميدانية حقيقية لإدارة النزاع واستباق أي خرق أمني – الصورة لـ رويترز عبر فوكس نيوز

قادة أوروبا في الواجهة: فرنسا وبريطانيا على الخطوط الأمامية

وفق المصادر الغربية، القوات الأوروبية لن تُنشر على خطوط التماس المباشرة، لكنها ستكون جاهزة لإظهار القوة في حال حاولت روسيا إعادة إطلاق الهجوم بعد أي اتفاق محتمل. وهذا يخرج عن الإطار التقليدي لقوات حفظ السلام، حيث أوروبا لا تخطط لمراقبة السلام فقط، بل لإدارته بالقوة عند الضرورة.

تشير التسريبات إلى أن فرنسا هي الدولة الأكثر تقدمًا في التخطيط العسكري لهذا السيناريو، مع قدرة محتملة على نشر نحو 10 آلاف جندي بمفردها. بينما أعلن رئيس وزراء المملكة المتحدة، كير ستارمر، صراحة استعداد بلاده لإرسال قوات بريطانية لأداء مهام حفظ السلام، مع التأكيد على أن الهدف هو حماية الأمن الأوروبي وضمان التزام روسيا بأي اتفاق مستقبلي.

دول أخرى فتحت الباب أمام المشاركة، بينها السويد، حيث أعلن رئيس وزرائها أولف كريسترسون أن نشر قوات سويدية “أمر ممكن تمامًا”، بينما أبدت دول أوروبية وازنة مثل ألمانيا وإسبانيا ترددًا، إما بسبب ضعف الجاهزية العسكرية أو خشية الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع روسيا، ما يعكس انقسامًا أوروبيًا واضحًا حول طبيعة المشاركة ومدى الالتزام بالمخاطر على الأرض. في المقابل، تُظهر التسريبات أن بعض الدول الصغيرة والوسطى تعتبر هذه الفرصة اختبارًا لقدرتها على العمل العسكري المستقل ضمن تحالف متعدد الأطراف، ما يفتح الباب لتنوع أدوار القوات على الأرض بين مهام مراقبة وعمليات دعم لوجستي وتدخل سريع في حالات الخرق.

غياب التفويض الأممي وفتح ملف السيناريوهات المحتملة

أحد أبرز ما تكشفه هذه الخطط هو الاستعداد للتحرك دون تفويض من الأمم المتحدة. وفق المصادر الدبلوماسية الغربية، ترى باريس ولندن أن دعوة رسمية من الحكومة الأوكرانية تكفي قانونيًا لنشر القوات، ما يفتح تساؤلات قانونية وسياسية ثقيلة حول مدى تجاوز مجلس الأمن وإمكانية استخدام هذا النهج كسابقة في نزاعات أخرى، وتحول “تحالف الراغبين” إلى بديل عملي عن النظام الدولي المعطّل.

في هذا السياق، تظهر الولايات المتحدة بوصفها مراقبًا غير مباشر، حيث طلبت من الأوروبيين تحديد قدراتهم لدعم كييف لكنها أكدت عدم مشاركة القوات الأميركية على الأرض، ما يضع العبء العسكري المباشر على أوروبا، مع إبقاء الدور الأميركي استخباراتيًا ولوجستيًا وسياسيًا. وفي الوقت نفسه، ترفض روسيا أي انتشار أوروبي مع تهديد ضمني باعتبار أي قوة غير شرعية هدفًا عسكريًا، ما يجعل التوازن الأوروبي دقيقًا للغاية.

وبناءً على هذه المعطيات، تتضح ثلاثة سيناريوهات محتملة: الأول هو سيناريو السلام الهش، ويشمل وقف إطلاق نار جزئيًا، وانتشارًا محدودًا، وتوترًا دائمًا بين الطرفين. الثاني هو سيناريو الردع الموسع، حيث تتوسع القوة الأوروبية تدريجيًا كضغط استراتيجي على موسكو دون الاشتباك المباشر. والثالث هو سيناريو الانزلاق، أي أن أي حادث أمني أو خرق روسي قد يؤدي إلى مواجهة محدودة تتحوّل إلى أزمة إقليمية. وفق مصادر إعلامية أمريكية، يُستخدم الحديث عن وقف إطلاق النار حاليًا كغطاء سياسي للتحضير لمرحلة جديدة، سواء تحقق السلام أو لم يتحقق، ما يعني أن نشر القوات قد يرتبط أساسًا بـ تجميد النزاع على طريقة شبه كورية وليس بضمان سلام وشيك.

الجنرال الأوكراني ألكسندر سيرسكي، رئيس هيئة الدفاع، يقدم إحاطة أمام لجنة الجيش للناتو، في مشهد يعكس التنسيق العسكري بين كييف والتحالف الأوروبي والناتو لمناقشة التهديد الروسي المحتمل بعد الحرب، ويشير الاجتماع إلى مناقشة السيناريوهات المحتملة لإدارة النزاع ومراقبة التطورات على الأرض، سواء تحقق وقف إطلاق النار أم تطلب الوضع تحركًا أوروبيًا منسقًا – الصورة لـ حلف الناتـو

الكواليس الأوروبية والتحضير لمواجهة محتملة

في الكواليس الأوروبية، تدور ثلاث مسارات متوازية: الأول تحضير عسكري هادئ بعيدًا عن الأضواء لضمان جاهزية كاملة قبل أي إعلان. الثاني إدارة خطاب إعلامي منخفض السقف لتجنب ردود فعل روسية سريعة أو إثارة المخاوف في الداخل الأوروبي. أما الثالث فهو اختبار الرأي العام تدريجيًا لفكرة وجود الجنود على الأرض، مع تقييم تأثير أي كشف مبكر للتسريبات.

وتشير بعض المصادر إلى أن الانتشار قد يبدأ بعدد محدود، ثم يتوسع تدريجيًا ليصل إلى ما بين 40 و50 ألف جندي إذا اقتضى الوضع. كما يشمل التخطيط توزيع المهام بين القوات الميدانية في أوكرانيا وقوات الاحتياط خارج الحدود، لضمان مرونة التدخل وسرعة الاستجابة لأي خرق روسي أو تطورات مفاجئة.

هذا التحول يعكس استراتيجية أوروبية غير مسبوقة، حيث تتحرك الدول الأوروبية من مجرد تقديم الدعم إلى فرض معادلات الردع على الأرض، مستفيدة من الفراغ القانوني والسياسي الناتج عن الفيتو الروسي في مجلس الأمن. ما يجري اليوم ليس مجرد نقاش تقني حول بعثة مراقبة، بل تحول استراتيجي عميق في الدور العسكري الأوروبي: من سياسة الدعم غير المباشر إلى وجود مباشر على الأرض، ومن الالتزام بالقواعد التقليدية إلى فرض معادلات الردع.

وبين تحضير القوة، غياب التفويض الأممي، والتباين الأوروبي في المواقف، يبدو أن أوروبا تستعد لنقل الصراع من إطار الدعم المالي والسياسي إلى الميدان العسكري المباشر، مع كل ما يحمله ذلك من مخاطر دبلوماسية وقانونية وأمنية. ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح هذه الخطط في منع تجدد الحرب، أم أنها تفتح الباب لفصل جديد أكثر خطورة في النزاع الأوكراني؟

جنود أوكرانيون على ناقلة جند مدرعة في منطقة دونيتسك، في مشهد يذكّر بأن ما بعد الحرب لا يزال مفتوحًا على كل الاحتمالات، حيث تدرس أوروبا والناتو سيناريوهات متعددة لإدارة التهديد الروسي المحتمل، تشمل مراقبة النزاع، الانتشار الجزئي للقوات، والتدخل السريع إذا تصاعدت التوترات، فيما يبقى السؤال: هل يتحقق وقف إطلاق النار أم تتحول المنطقة إلى مرحلة “تجميد النزاع” مطولة مع استمرار الاستعدادات الأوروبية لتأمين الاستقرار والردع؟ – الصورة لـ وكالة أسوشيتد برس عبر فرانس 24

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل