الحكومة الفيدراليّة تخصّص أكثر من ملياري دولار لدعم الشعوب الأصليّة وسط تساؤلات حول آليات التّمويل
أعلنت الحكومة الفيدرالية الكندية عن حزمة تمويل تتجاوز 2 مليار دولار، موجهة لدعم البرامج الأساسية المرتبطة بالشعوب الأصلية، في خطوة تعكس حجم الضغط السياسي المتصاعد، لكنها في الوقت ذاته تفتح الباب أمام تساؤلات عميقة حول جدوى هذه الاستثمارات وآليات إدارتها على الأرض.
وقالت وزيرة خدمات السكان الأصليين، ماندي غول-ماستي، إن التمويل الجديد يأتي في إطار الاستجابة لبرامج كان من المقرر أن تنتهي هذا الربيع، موضحة أن الحكومة تسعى إلى ضمان استمرارية الخدمات الأساسية في مجالات الصحة والحوكمة وإدارة الطوارئ. وفي إعلانها، خصصت الحكومة 738.9 مليون دولار لتعزيز خدمات الرعاية الصحية، ودعم الحوكمة وبناء القدرات، إلى جانب دعم أنظمة الاستجابة للطوارئ في مجتمعات الأمم الأولى.
لكن الإعلان لم يتوقف عند هذا الحد، إذ كشفت الوزيرة في اليوم التالي عن حزمة إضافية بقيمة 1.4 مليار دولار، موجهة لدعم السكان الأصليين في المناطق الحضرية، وتعزيز خدمات الصحة النفسية، إلى جانب برامج الدعم المعيشي داخل المحميات. وقالت في بيان رسمي إن هذه الاستثمارات “ستضمن الوصول إلى الدعم الأساسي سواء في المدن أو المجتمعات، وتعزز الكرامة، وتوفر رعاية تعكس واقع الشعوب الأصلية”.

تمويل ضخم وسط أزمة ثقة واستدامة تهدد البرامج الأساسية
ورغم هذا الزخم المالي، جاء الإعلان في سياق سياسي متوتر، بعد أن أثارت تقارير الميزانية الفيدرالية في نوفمبر مخاوف من انتهاء تمويل برامج حيوية، من بينها مبادرات مرتبطة بـ“مبدأ جوردان”، إضافة إلى تمويل الطوارئ ومراكز الصداقة. وقد دفع ذلك قادة من السكان الأصليين إلى انتقاد الحكومة، بل والمطالبة بمساءلة سياسية، معتبرين أن التخطيط المالي يفتقر إلى الاستدامة.
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، أعلنت الحكومة في فبراير عن تخصيص 1.55 مليار دولار لتمديد العمل بـ“مبدأ جوردان”، وهو برنامج يضمن حصول الأطفال من السكان الأصليين على الخدمات دون تأخير بسبب النزاعات الإدارية أو المالية. غير أن هذه الخطوة، رغم أهميتها، لم تنجح في تهدئة المخاوف المتزايدة بشأن مستقبل البرامج الاجتماعية الأساسية.
ضمن تفاصيل الحزمة الجديدة، خصصت الحكومة 400 مليون دولار على مدى خمس سنوات، بدءًا من السنة المالية 2026-2027، لدعم الخدمات الصحية في المجتمعات النائية، مع التركيز على توسيع الوصول إلى الأدوات الرقمية والخدمات عن بُعد. كما تم تخصيص 41.7 مليون دولار لدعم العاملين في الخطوط الأمامية في 29 مجتمعًا، إضافة إلى 84.38 مليون دولار لتوظيف مسعفين مجتمعيين، في خطوة تهدف إلى تقليص الفجوة في الخدمات الطبية داخل المناطق المعزولة.
وفي قطاع الصحة النفسية، أعلنت الحكومة عن تمويل بقيمة 630 مليون دولار على مدى عامين لدعم خدمات الرفاه النفسي، بما في ذلك تجديد برنامج “الدعم الصحي والثقافي المرتبط بالصدمات”، وهو برنامج يركز على معالجة آثار تاريخ طويل من التهميش والمعاناة.
وفي السياق ذاته، أعلنت أوتاوا عن تخصيص 168 مليون دولار على مدى خمس سنوات لتمويل البرامج الحضرية الخاصة بالسكان الأصليين، بما في ذلك مراكز الصداقة، مع تخصيص 27.5 مليون دولار سنويًا لدعم العمليات التشغيلية. وتؤدي هذه المراكز دورًا محوريًا في تقديم خدمات اجتماعية وثقافية وتعليمية، ما يجعل استمرار تمويلها عنصرًا أساسيًا في الحفاظ على استقرار المجتمعات الأصلية في المدن.

تباين المواقف يسلّط الضوء على فجوة الثقة مع الحكومة
رحّبت رئيسة الجمعية الوطنية لمراكز الصداقة، باميلا غلود-ديشروش، بالتمويل، معتبرة أنه “يعكس التزامًا حقيقيًا بالدور الحيوي الذي تؤديه هذه المراكز”، مشيرة إلى أن هذه الاستثمارات ستسمح لها بمواصلة تقديم الخدمات التي يعتمد عليها السكان الأصليون يوميًا.
لكن في المقابل، جاءت الانتقادات من داخل المجتمعات الأصلية أكثر حدة، حيث قال الزعيم الأكبر جيري دانيلز إن هذه التمويلات “لا تزال لا ترقى إلى مستوى التحديات”، مؤكدًا أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب مشاركة حقيقية للمجتمعات في اتخاذ القرار. وأضاف: “لا يمكن الاستمرار في اتخاذ القرارات خلف الأبواب المغلقة”.
هذا التوتر يعكس فجوة أعمق بين السياسات الحكومية والواقع الميداني، خاصة مع استمرار الأزمات المرتبطة بالبنية التحتية والخدمات الأساسية. وتشير بيانات الحكومة إلى أن مجتمعات السكان الأصليين تمثل نحو 42% من عمليات الإجلاء الناتجة عن حرائق الغابات خلال العقود الأربعة الماضية، مع تهجير نحو 45 ألف شخص من 73 مجتمعًا خلال عام 2025 فقط، وهو رقم يعكس حجم الهشاشة في مواجهة الكوارث الطبيعية.
كما تبقى أزمة المياه النظيفة أحد أبرز التحديات، حيث واجهت بعض المجتمعات حالات طوارئ بسبب نقص مياه الشرب، وهو ما دفع رئيس مجتمع كاشيشيوان، هوسيا ويسلي، إلى الدعوة لاستقالة الوزيرة قبل أن يتراجع عن موقفه بعد زيارتها للمجتمع والتفاعل مع السكان.
وفي تعقيبها على هذه الأوضاع، أكدت الوزيرة أن الحكومة “مستمرة في دعم المجتمعات طالما استدعى الأمر”، مشيرة إلى العمل مع مختلف مستويات الحكومة لإعادة السكان إلى منازلهم وضمان الوصول إلى مياه نظيفة. غير أن هذه التصريحات، رغم طابعها التطميني، تعيد طرح سؤال جوهري: هل تكفي المليارات لمعالجة أزمة تاريخية معقدة، أم أن غياب الشراكة الحقيقية سيُبقي فجوة الثقة قائمة بين الطرفين؟
يبدو أن ما أعلنته أوتاوا ليس مجرد خطة تمويل، بل اختبار حقيقي لمدى قدرتها على تحويل هذه الأموال إلى تغيير ملموس على الأرض، في ظل واقع يفرض تحديات متراكمة، وأصوات تطالب بما هو أعمق من الدعم المالي: شراكة، شفافية، واعتراف حقيقي بالواقع.




