من يُحرِّك خيوط الفوضَى والإرهابِ في السّاحل الإفرِيقيّ؟
224 هجومًا شهريًا في 2025، بمشاركة مئات المسلّحين وطائرات مسيّرة وأجهزة تشويش، تحوّل الساحل الإفريقي إلى مسرح صراع استخباراتي معقّد.
تشتعل منطقة الساحل الإفريقي مجدداً على وقع تصاعد الهجمات المسلحة وتداخلات خارجية معقدة، في مشهد يعكس تحوّل الصراع من مجرد مواجهة مع جماعات متطرفة إلى حرب استخباراتية مفتوحة بين قوى دولية وإقليمية متعددة. تكشف التطورات الأخيرة أن المنطقة لم تعد ساحة نزاع هامشية، بل تحوّلت إلى نقطة ارتكاز في سباق عالمي لإعادة رسم مناطق النفوذ، تحت ستار مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود، بينما يدفع السكان المحليون الثمن الأكبر في حرب مركبة لا تبدو نهايتها قريبة.
تشير تقارير أممية وأمنية حديثة، حصلت عليها وسائل إعلام غربية، من بينها تقرير قدم إلى مجلس الأمن الدولي أواخر يوليو الماضي، إلى أن الهجمات الأخيرة التي استهدفت قواعد عسكرية في مالي وبوركينا فاسو لم تكن عشوائية، بل تمت بتخطيط عالي المستوى وتنسيق معقد، بمشاركة مئات المسلحين المدعومين بتقنيات متطورة تشمل الطائرات المُسيّرة وأجهزة التشويش المتقدمة. وأوضح التقرير أن الجماعات المسلحة المتطرفة في الصحراء الكبرى باتت تمتلك القدرة على تنفيذ عمليات معقدة ضد مواقع استراتيجية محصنة بدرجة “بحرية نسبياً”، مما يثير علامات استفهام حول مصادر الدعم اللوجستي والاستخباراتي التي يتلقونها.
تُظهر قاعدة بيانات النزاعات المسلحة (آكليد) التي نقلتها وكالة “رويترز” ارتفاعاً ملحوظاً في وتيرة الهجمات، حيث بلغت 224 هجوماً شهرياً في مالي وبوركينا فاسو والنيجر خلال عام 2025، مقارنة بـ 128 هجوماً شهرياً فقط عام 2021. وهذا التصعيد لا يقتصر على الكم فحسب، بل يشمل طبيعة العمليات التي انتقلت من الكمائن التقليدية والتفجيرات إلى عمليات اجتياح منظمة لمراكز عسكرية، وهو تحول نوعي لا يمكن تفسيره بقدرات محلية بحتة.

في أغسطس الجاري، أكد تقرير صادر عن بعثة الأمم المتحدة لمراقبة الأوضاع في الساحل أن الهجمات في شمال مالي وغرب بوركينا فاسو “شهدت مستوى من التخطيط والاستخبارات العسكرية يعادل ما تقوم به جيوش نظامية”، مشيراً إلى أن الهجمات الأخيرة اعتمدت على ثلاث مراحل متزامنة: التشويش على الاتصالات، اقتحام مدرّع، والاستيلاء على الإمدادات، ما يفتح الباب أمام تساؤلات عن الأطراف التي تقف وراء هذا التطور النوعي في العمليات.
من أبرز المحطات التي هزّت المشهد الأمني خلال الأسابيع الماضية، الهجوم الدامي على قاعدة بوليكيسي شمال مالي قرب الحدود مع بوركينا فاسو في أوائل يوليو، والذي أودى بحياة أكثر من مئة جندي مالي وأسر العشرات، في عملية وصفها خبراء عسكريون بأنها “تفكيك كامل لقيادة ميدانية” أكثر من كونه هجوماً مباغتاً. تبعها هجوم آخر على قاعدة “دارغو” في إقليم بولسا ببوركينا فاسو أواخر الشهر ذاته، حيث قُتل نحو خمسين جندياً وأُحرقت القاعدة بالكامل بعد الاستيلاء على معدات عسكرية وأجهزة اتصالات. وكان اللافت أن المهاجمين استخدموا أجهزة تشويش على الاتصالات، وهو عنصر نادر التوفر لدى المجموعات المحلية الصغيرة، ما يعزز فرضية وجود دعم تقني خارجي.
في الجهة الجنوبية من الساحل، لم تسلم توغو من هذه الموجة العنيفة، إذ أعلن وزير خارجيتها نهاية يوليو أن البلاد تعرّضت لـ 15 هجوماً منذ بداية العام في شمالها، أسفرت عن مقتل 54 مدنياً وثمانية جنود، في مؤشر على اتساع رقعة الفوضى جنوباً نحو خليج غينيا، وهي منطقة كانت حتى وقت قريب بعيدة عن نشاط الجماعات المسلحة. ويفتح هذا التمدد الجغرافي الباب أمام سيناريوهات أكثر خطورة، إذ يهدد طرق التجارة والموانئ الحيوية على الساحل الأطلسي.
غير أن الهجمات الميدانية ليست سوى وجه الأزمة، فالوجه الآخر يكمن في حرب الاستخبارات التي تدور خلف الكواليس. فرغم الانسحاب المعلن للقوات الفرنسية والأمريكية من مالي والنيجر بين أواخر 2024 ومنتصف 2025، تشير تقارير دبلوماسية وصور أقمار صناعية إلى استمرار عمل بعض القواعد التقنية والاستخباراتية، خصوصاً في نيامي شمال النيجر، وفي منشآت أخرى بشمال تشاد. وتؤكد مصادر أمنية في المنطقة أن فرق استطلاع أجنبية تعمل “خلف الستار” تحت غطاء التعاون الأمني، في حين تتزايد الشواهد على نشاط شركات أمن خاصة مرتبطة بعواصم أوروبية.

في المقابل، تعزز موسكو حضورها عبر “فيلق إفريقيا” الذي حلّ محل عناصر مجموعة “فاغنر” منذ منتصف 2024. يتألف هذا الفيلق من مرتزقة وخبراء عسكريين يركزون على تأمين الأنظمة العسكرية في مالي وبوركينا فاسو والنيجر أكثر من محاربة الجماعات المسلحة، ما يثير جدلاً واسعاً حول أهدافه الحقيقية. كما دخلت تركيا على خط المنافسة عبر تزويد التحالف الجديد في الساحل بطائرات مسيرة من طراز “بيرقدار”، في خطوة تؤكد أن الساحة تحولت إلى مسرح مواجهة استخباراتية متعددة الأطراف، حيث تختلط خطوط الأمن الرسمي بالمصالح الاقتصادية.
البعد الاقتصادي للحرب لا يقل خطورة. فقد ارتفعت عقود الحماية التي تبرمها الشركات العاملة في قطاعات التعدين والطاقة بنسبة 40% منذ بداية العام، بينما تُقدّر عائدات التهريب عبر طرق الساحل بنحو 1.2 مليار دولار سنوياً. تعكس هذه الأرقام أن استمرار الفوضى يخدم شبكات مصالح تمتد من داخل الحكومات المحلية إلى عواصم القرار الدولية، ما يجعل السلام خياراً مؤجلاً في نظر المستفيدين من اقتصاد الحرب.

تزيد خريطة التحالفات الإقليمية تعقيد المشهد، حيث يواصل تحالف الساحل الجديد (آيس) الذي يضم مالي وبوركينا فاسو والنيجر، مسار التصعيد مع المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، ما يفتح الباب أمام صدامات سياسية وعسكرية أوسع. وبينما تراهن الأنظمة العسكرية في الساحل على الحماية الروسية والتركية، تبدو القوى الغربية في طور إعادة التموضع عبر الاستثمارات الأمنية وشركات الحماية الخاصة، لا عبر الوجود العسكري التقليدي.
النتيجة أن الساحل اليوم لم يعد مجرد ساحة لصراع داخلي مع جماعات مسلحة، بل أصبح مختبراً لتجارب النفوذ العالمي، حيث تُدار الحروب بالمعلومة والتكنولوجيا أكثر من البندقية، وحيث تحدد شركات الأمن والصفقات الاقتصادية مسار الدماء على الأرض. كل ذلك يجري وسط غياب شبه كامل لاستراتيجية إقليمية موحّدة، فيما تسقط القرى الواحدة تلو الأخرى في أتون العنف، ويبقى المدنيون الحلقة الأضعف في معادلة معقدة لا تقدر وزن حقوق الإنسان.
يرى خبراء أمنيون أن موجة أعنف من التصعيد قد تشهدها منطقة الساحل في سبتمبر المقبل، بينما يرى آخرون أن قنوات التفاوض السرية بين باريس وموسكو وواشنطن قد تعيد ترتيب أوراق اللعبة. غير أن المؤشرات الميدانية لا تبعث على التفاؤل، فمع كل هجوم جديد يتضح أن الحرب تجاوزت حدودها المحلية إلى فضاء أوسع، وأن الساحل لم يعد مجرد جغرافيا مضطربة، بل صار مركز ثقل في حرب استخباراتية عالمية تدور رحاها بعيداً عن الأضواء.





