الصّومالُ في مرمى صراع النّفوذ الخارجي: كيف تحوّل تعثّرُ الدّولة إلى مشروع تفكيك؟
الصومال، البلد الغني بالموارد الطبيعية والثروات الاستراتيجية، أصبح اليوم ساحة مفتوحة للصراعات الجيوسياسية الدولية والإقليمية، في وقت تكافح فيه الدولة المركزية للتعامل مع أزمات داخلية مستمرة تشمل الأمن والاقتصاد والسياسة. ومن الشرق الأوسط إلى القرن الإفريقي، تتصاعد التساؤلات حول احتمال اندلاع فصل جديد شبيه بالربيع العربي، فيما تشير التطورات الأخيرة المرتبطة بإقليم أرض الصومال إلى أن أطرافًا دولية وإقليمية تعمل، بدرجات متفاوتة، على تقويض وحدة الدولة الصومالية واستثمار الفراغ السياسي لتحقيق مصالح بعيدة المدى.
وفق تقرير خاص لـ “كريتيكال ثريتس”، فإن الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال لا يمكن فصله عن تحولات جيوسياسية أوسع في القرن الإفريقي، إذ يعمّق الانقسامات الداخلية ويؤسس لمسارات انفصالية محتملة ضمن بيئة إقليمية مضطربة.
تصاعد التوترات بعد الاعتراف الإسرائيلي
وفي قلب هذا المشهد المأزوم، جاءت زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي إلى هرغيسا، العاصمة غير المعترف بها لإقليم أرض الصومال، لتأكيد دعم سياسي مباشر للإدارة الانفصالية. وقد أثار هذا التحرك انتقادات واسعة من الحكومة الصومالية والاتحاد الإفريقي، وأشعل مظاهرات في مقديشو اعتبرت الخطوة تهديدًا صريحًا لوحدة البلاد وسيادتها. وفي السياق نفسه، طالب الاتحاد الإفريقي بإلغاء الاعتراف، معتبرًا أنه خروج عن الإجماع الدولي ويزيد منسوب التوتر في منطقة تعاني أصلًا من هشاشة أمنية وتشابك مصالح دولية.
ويرى الدكتور شافعي يوسف عمر، مدير البحوث والاستشارات في الصومال، في تصريح لـ “هنا كندا”: ” أن الدعوة إلى تقسيم البلاد لا يمكن اختزالها في نزاع داخلي، بل تمثل مشروعًا جيوسياسيًا معقّدًا يهدد مبدأ سيادة الدول في القرن الإفريقي والبحر الأحمر. تفكيك السودان في السابق خلق فراغًا أمنيًا استغلته جماعات متطرفة وقوى نفوذ، والسيناريو ذاته قد يتكرر في الصومال، بما يحول المنطقة إلى ساحة صراعات بالوكالة تهدد الأمن الإقليمي والدولي وخطوط التجارة العالمية”.

أطراف الانقسام ومصالحها الاستراتيجية
ويضيف يوسف: “الجهات الداعمة للانفصال تضم قوى خارجية تسعى للسيطرة على الممرات البحرية الحيوية، وأطرافًا إقليمية تبحث عن نفوذ استراتيجي طويل الأمد، إضافة إلى نخب محلية محدودة لا تمتلك تفويضًا شعبيًا. الهدف ليس الاستقرار بقدر ما هو إنشاء كيانات ضعيفة قابلة للتوظيف العسكري والاستخباراتي. التحكم في باب المندب وخليج عدن، وإضعاف العمق العربي والإفريقي، ومنع قيام دولة صومالية موحدة قادرة على حماية سيادتها، تشكّل جوهر المصالح المتداخلة خلف هذا المسار”.
في هذا الإطار، تبرز إثيوبيا كأحد الأطراف الساعية تاريخيًا إلى كسر العمق الصومالي والحصول على منفذ بحري، وهو ما تُرجم بمحاولات سياسية أبرزها مذكرة تفاهم وُقعت مع إدارة محلية في شمال الصومال مطلع عام 2024، قبل أن تتعثر بفعل الموقف الصومالي الرسمي والتحرك الدبلوماسي. غير أن المسار الإثيوبي، بحسب خبراء، وجد دعمًا غير مباشر من قوى أخرى رأت في إضعاف الدولة الصومالية فرصة لإعادة ترتيب النفوذ في البحر الأحمر.
وفي هذا السياق، انتقلت إسرائيل من دعم سياسي وأمني للمسار الإثيوبي إلى خطوة الاعتراف الأحادي بالإدارة الانفصالية، في محاولة لتعزيز حضورها قرب الممرات البحرية الاستراتيجية الممتدة من باب المندب وخليج عدن إلى البحر الأحمر، وبما يسمح بخلق نقاط ارتكاز استخباراتية وأمنية في منطقة تشهد تنافسًا دوليًا متصاعدًا.
إلى جانب ذلك، تشير وسائل إعلام دولية إلى أن الحضور الإماراتي في شمال الصومال، عبر استثمارات في ميناء بربرة وترتيبات لوجستية وأمنية، تجاوز الإطار الاقتصادي البحت، ليمنح أبو ظبي نفوذًا استراتيجيًا في مراقبة الممرات البحرية الحيوية. وقد أثار هذا الدور جدلًا داخل الأوساط الصومالية، خصوصًا مع اعتبار الحكومة المركزية أن بعض هذه الترتيبات تمت خارج سلطتها، وأسهمت في تكريس واقع سياسي وأمني موازٍ للدولة، ما دفع لاحقًا إلى مراجعة وإلغاء أو تجميد عدد من الاتفاقيات، في سياق إعادة التأكيد على السيادة الوطنية ووحدة القرار السياسي.
أما الولايات المتحدة، فبينما تؤكد رسميًا دعمها لوحدة الصومال، يرى مراقبون أن سياساتها في القرن الإفريقي تتسم ببراغماتية عالية، تستند إلى إدارة الأزمات بدل حلّها جذريًا.
وتشير تحليلات إلى أن واشنطن تنظر إلى ضعف الدولة الصومالية بوصفه فرصة لمراقبة خطوط الملاحة الدولية، وموازنة النفوذ الصيني والروسي المتنامي في المنطقة، دون الانخراط المباشر في كلفة بناء دولة مركزية قوية. ويُعاد في هذا السياق التذكير بمقاربات اتُّبعت خلال إدارات أمريكية سابقة، من بينها فترة الرئيس “دونالد ترامب”، حيث طُرحت تصورات تقوم على التعامل مع كيانات محلية ضعيفة أو غير معترف بها رسميًا، باعتبارها أقل كلفة سياسيًا وقانونيًا، وأكثر قابلية للتفاهمات الأمنية والاستخباراتية.
انعكاسات التحركات الدولية والإقليمية

ويصف الدكتور حسن البصري، الكاتب والباحث الصومالي، التحرك الإسرائيلي بأنه استغلال واضح لحظة الانكفاء الصومالي وانشغال الحكومة بملفات داخلية معقّدة، ما أضعف الردع الدبلوماسي وفتح المجال أمام مبادرات أحادية. ويؤكد لـ “هنا كندا”: “إسرائيل تفضّل العمل مع سلطات تبحث عن شرعية خارجية، لأن ذلك يتيح لها هامش حركة أوسع في مجالات المراقبة البحرية والجوية. زيارة وزير الخارجية الإسرائيلي لا يمكن قراءتها كحدث عابر، بل كاختبار لقدرة الصومال على حماية سيادته، في ظل تزايد أدوار إقليمية ودولية متداخلة”.
من جانبه، يحذر الخبير والمحلل السياسي محمد تورشين من أن تداعيات الاعتراف والانفصال المحتمل لا تقتصر على الصومال، بل قد تمتد إلى القرن الإفريقي بأسره، حيث تعاني دول عدة من نزعات انفصالية كامنة.
ويشير تــورشين إلى أن فتح باب الاعتراف بكيانات انفصالية سيضعف الدولة الصومالية الموحدة، ويخلق سابقة خطيرة قد تُستنسخ في دول أخرى مثل إثيوبيا والسودان، ما يعمّق حالة التشظي ويخدم مصالح قوى كبرى ترى في الانقسام وسيلة لإدارة المنطقة.
تداخل المصالح الدولية والإقليمية
تتقاطع أهداف أطراف عدة في الصومال بما يجعل الفراغ السياسي ساحة تنافس مكثفًا بين القوى الإقليمية والدولية؛ إذ تسعى إثيوبيا للحصول على منفذ بحري ومصالح استراتيجية، بينما تعمل إسرائيل إلى تعزيز نفوذها الاستخباراتي والبحري في المنطقة، ويحرص الإمارات على تأمين مصالح لوجستية واقتصادية ضمن معادلة أمن البحر الأحمر، في حين تركز الولايات المتحدة على إدارة التوازنات الدولية وحماية خطوط الملاحة، مستفيدة من ضعف الدولة الصومالية لمراقبة النفوذ الصيني والروسي دون الانخراط المباشر في كلفة بناء دولة مركزية قوية، وفي الوقت نفسه تستفيد نخب محلية محدودة من الدعم الخارجي لتعزيز مواقعها السياسية، ما يجعل الاعتراف الإسرائيلي وفق “كريتيكال ثريتس” حلقة ضمن تحولات جيوسياسية أوسع، تعمّق الانقسامات الداخلية وتضع أسسًا لتحركات انفصالية قد تهدد الأمن والاستقرار الإقليمي.



