أفــريقيا والساحـل

إفريقيا المُحاصرة: بين شيخُوخة السّلطة وتوريثِ الحُكم

من الكاميرون إلى أوغندا، ومن تشاد إلى غينيا الاستوائية، تبدو إفريقيا وكأنها محاصرة داخل زمن سياسي لا يتحرك. قارة فتية في سكانها، لكنها تُقاد بعقول شاخت في السلطة، وأنظمة تستمد شرعيتها من ذاكرة التحرير القديم وتخشى فكرة التداول. أكثر من ستين عامًا مرّت على الاستقلال، وما زالت البُنى السياسية ذاتها تُعيد إنتاج نفسها في دورة مغلقة: رؤساء لا يرحلون، انقلابات تُمهّد لانقلابات أخرى، وأحزاب حاكمة تتوارث الولاء لا البرامج.

زعماء من حقبة ما بعد الاستقلال.. ما زالوا يحكمون!
في الظاهر، تبدو إفريقيا وكأنها تعيش زمن الحراك والتعددية الشكلية، من خلال دساتير مكتوبة، برلمانات قائمة، ولجان انتخابية تُجدَّد شكليًا. غير أن خلف هذه الواجهة الدستورية، يترسخ نظام سلطوي عميق يرى في الحكم امتيازًا دائمًا لا وظيفة مؤقتة، ويعامل الدولة كملكية سياسية أكثر منها عقدًا اجتماعيًا متجددًا.

من الكاميرون، التي يحكمها بول بيا منذ عام 1982، إلى أوغندا التي يتربع فيها يوري موسيفيني منذ 1986، ومن غينيا الاستوائية التي يتولاها تيودورو أوبيانغ منذ 1979، إلى تشاد التي تحوّل فيها الحكم إلى ميراث عائلي بعد مقتل إدريس ديبي عام 2021، تتكرر القصة ذاتها: الحاكم الذي يبرر استمراره باسم “الاستقرار”، والمعارضة التي تُهمّش، والدولة التي تُختزل في شخص واحد.

وقال الباحث في الشؤون الإفريقية عبد القادر محمد لموقع “هنا كندا” إن هذا الجمود السياسي يتناقض مع الواقع الاجتماعي المتفجر؛ فالقارة التي يناهز سكانها مليارًا ونصف المليار نسمة تضم أكثر من 750 مليون شاب تحت سن الخامسة والعشرين. إنهم الأغلبية التي لا تحكم ولا تُستشار. ومع كل انتخابات جديدة، تتجدد الأزمة نفسها: جيل يريد التغيير، وسلطة تخاف منه.

لوحة دعائية لحملة الرئيس الكاميروني بول بيا تعرضت للتخريب بعد إعلان المجلس الدستوري فوزه في الانتخابات الرئاسية التي جرت في 12 أكتوبر 2025 في دوالا، الكاميرون – الصورة لـ رويترز عبر سايت ماغازين

ديمقراطية على الورق فقط
الأنظمة الإفريقية التي وُلدت من رحم الاستقلال احتكرت خطاب “الشرعية التاريخية”، لكن أجيال ما بعد الألفية لم تعد ترى في ذلك مبررًا للبقاء الأبدي. ففي شوارع نواكشوط وداكار وواغادوغو وكمبالا، يظهر اليوم جيل جديد من الناشطين لم يعرف حقبة الاستعمار، ولا يؤمن بخطاب “التحرر الأبوي”. هؤلاء وُلدوا في عصر الإنترنت والهواتف الذكية، ويدركون أن الديمقراطية ليست هبةً من الحاكم، بل حق مكتسب.

ويضيف عبد القادر محمد أن الواقع يعاند أحلامهم؛ فالكثير من الأنظمة طوّعت القوانين والدساتير لتتماشى مع مصالحها في البقاء. ففي غينيا، تم تعديل الدستور عام 2020 لتمديد ولاية الرئيس ألفا كوندي قبل أن يطيحه انقلاب عسكري، وفي أوغندا أُلغيت القيود على السن وعدد الولايات الرئاسية، أما في رواندا فحُذفت الحدود الدستورية ليتمكن بول كاغامي من الاستمرار في الحكم حتى عام 2034.

حتى الدول التي تبدو مستقرة، مثل مصر أو الجزائر أو الكاميرون، تعيش استقرارًا فوق هشاشة ديمقراطية، حيث المعارضة مجرد ديكور سياسي، والبرلمان خاضع لإرادة الرئاسة.

يرى معارضو أسياس أفورقي في إريتريا أن حكمه المستمر منذ 1993 أعاد إنتاج نمط السلطة المطوّل، وأضعف آليات الديمقراطية، بينما يواجه الشباب والمؤسسات الوطنية تحديات متزايدة في محاولة المشاركة والتجدد السياسي – الصورة لـ منصة كوارتز

الانقلابات والاقتصاد: دورة متجددة من العنف والفشل

شهدت القارة الإفريقية خلال السنوات الأخيرة عودة مكثفة للانقلابات، لتُظهر الوجه الآخر للأزمة السياسية المستفحلة. فمنذ عام 2020، تم تنفيذ ثماني انقلابات ناجحة في دول مثل مالي (مرتان)، غينيا، بوركينا فاسو (مرتان)، تشاد، النيجر، والغابون، ما يعكس استمرار حالة الاضطراب وفقدان الاستقرار في المنطقة.

وأكد أستاذ العلوم السياسية إدريس آيات لموقع “هنا كندا” أن هذه الظاهرة تعكس حالة التآكل الداخلي للدولة وفقدان الثقة في المؤسسات المدنية. فالجيوش، التي يُفترض أن تحمي الدستور، صارت ترى نفسها “المنقذ الأخير” في مواجهة الفشل السياسي، لكن سرعان ما تكتشف الشعوب أن العسكريين لا يختلفون كثيرًا عن من سبقهم: وعود بالإصلاح، ثم تضييق، ثم إعادة إنتاج السلطة نفسها بوجه جديد.

ويضيف آيات أن الوضع الاقتصادي يتدهور بوتيرة مقلقة. ووفقًا لتقارير البنك الدولي، يعيش أكثر من 430 مليون إفريقي تحت خط الفقر، فيما تعتمد أغلب الدول على تصدير المواد الخام دون تصنيع محلي حقيقي. ففي بلدان مثل الكونغو الديمقراطية وأنغولا ونيجيريا، تتكدس الثروات في يد النخب، بينما يعيش ملايين المواطنين في أحياء الصفيح.

وتتحول الانتخابات إلى صفقات بين رجال الأعمال والعسكر وشبكات الولاء السياسي، حيث تُشترى الأصوات وتُمنح المناصب كغنائم.

ومن جهة أخرى، تقف القارة اليوم في قلب تنافس دولي غير مسبوق: فالصين توسع نفوذها عبر مشاريع البنى التحتية في إطار “مبادرة الحزام والطريق”، لكنها تُغرق الدول بالديون وتضمن ولاءها السياسي من خلال التمويل السخي. كما تستثمر روسيا في الفوضى عبر حضورها الأمني المتزايد في مالي وجمهورية إفريقيا الوسطى والنيجر، مستبدلة الوجود الفرنسي التقليدي بمرتزقة “فاغنر” و”أفريكا كوربس”.

أما فرنسا، القوة الاستعمارية السابقة، فتشهد تراجعًا واضحًا في مناطق نفوذها التاريخية، حيث يُنظر إليها كرمز للتبعية القديمة. وفي المقابل، تبحث الولايات المتحدة وتركيا والإمارات عن موطئ قدم اقتصادي وأمني، خاصة في البحر الأحمر ومنطقة الساحل. وهكذا تحولت القارة إلى رقعة شطرنج تتحرك فوقها القوى الكبرى، فيما تقف الحكومات الإفريقية في موقع المتفرج.

صورة محمد إدريس ديبي إتنو مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تعكس العلاقات الرسمية بين تشاد وفرنسا. المشهد يوضح تولي الابن السلطة بعد وفاة والده في إطار مرحلة انتقالية، ويبرز طبيعة استمرار القيادة عبر التوارث السياسي في بعض الدول الإفريقية – الصورة لـ وكاة الأنباء الفرنسية | غيتي إيماجيس عبر بلومبيرغ

الاتحاد الأفريقي: ظل بلا أنياب

في ظل هذا المشهد، يبدو الاتحاد الإفريقي مجرد ظلٍّ باهتٍ لطموح قديم. المؤسسة التي أُنشئت عام 2001 لخدمة الديمقراطية والوحدة لم تنجح في حماية أيٍّ منهما.
بيانات الشجب لا تغير شيئًا، وتعليق عضوية الدول التي تشهد انقلابات سرعان ما يُرفع بعد أشهر قليلة. والنتيجة أن الاتحاد بات انعكاسًا لضعف الإرادة السياسية الجماعية أكثر من كونه آلية ضغط أو مراقبة.

الشباب الإفريقي: قوة معطلة بين الهجرة والتمرد

الشباب الإفريقي، الذي يشكّل أغلبية السكان، يعيش بين خياريْن مرّيْن: الهجرة أو التمرد. فمن لا يجد مكانًا في بلاده يغامر بحياته عبر المتوسط، ومن يبقَ ينضم إلى احتجاجات تُقمع غالبًا بالقوة.

في نيجيريا، خرجت حركة “آند ســارز” عام 2020 لتطالب بإنهاء عنف الشرطة، فواجهتها الحكومة بالرصاص. وفي السودان، ما زال الشارع منذ 2018 يعيش بين الأمل والانكسار، بين حلم الدولة المدنية وواقع الصراع العسكري. أما في كينيا وغانا، فقد بدأ الشباب يقتحمون المشهد السياسي السلمي، مؤسسين لأحزاب رقمية ومنصات تعبّر عن طموحات جيل جديد.

وأضاف الصحفي المتخصص في الشؤون الإفريقية عبد المنعم إدريس لموقع “هنا كندا” أن التحدي الحقيقي هو أن أغلب الأنظمة لا تعترف بهذا الجيل شريكًا في القرار؛ فالمناصب العليا تظل حكرًا على رجال تجاوزوا الستين والسبعين. في المقابل، يتحول الشباب إلى “قوة انتخابية” تُستدعى في الحملات ثم تُنسى بعدها. ويبدو أن المعادلة الراسخة في أذهان الحكام ما زالت هي: الولاء أهم من الكفاءة، والخبرة تساوي البقاء.

ويضيف إدريس أن هذا الجمود يعمّق فجوة الثقة بين المواطن والدولة. فالمجتمعات الإفريقية اليوم تعيش تناقضًا صارخًا: مؤسسات رسمية تتحدث عن الديمقراطية، وممارسات يومية تقوم على التهميش والإقصاء. المدارس تُخرّج جيلًا متعلمًا رقميًا، لكنه يواجه سوق عمل راكدًا واقتصادًا هشًا تحكمه المحسوبيات.
النتيجة أن الديمقراطية تتحول إلى شعار، بينما الواقع يُدار عبر شبكات الزبائنية والعشائرية، وحتى داخل المدن الكبرى ما زالت الولاءات القبلية والطائفية تحدد المواقف السياسية.

تعكس احتجاجات كينيا في يونيو 2025 الغضب الشعبي من الفساد المستشري وحالات وحشية التعامل مع المواطنين، الناتجة عن بقاء المسؤولين في السلطة لفترات طويلة دون مساءلة. هذه الممارسات تحدّ من قدرة المجتمع على النهوض وتمثل عقبة أمام الديمقراطية والتنمية الحقيقية – الصورة لـ أسوشتيد برس

بوادر ضوء في مشهد معتم

رغم كل هذا السواد، ثمة إشارات ضوء صغيرة تلوح في الأفق. ففي غانا وزامبيا وكينيا، بدأت ملامح تداولٍ سلميٍّ للسلطة تظهر تدريجيًا، حيث يخسر الرؤساء الانتخابات ويقبلون النتائج. وفي نيجيريا، رغم العيوب، تتطور الممارسة الانتخابية عامًا بعد عام.
هذه التجارب تبرهن أن التغيير ممكن حين تتوفر الإرادة السياسية والمؤسسات القوية، لكنها تبقى استثناءً في قارة ما زالت غارقة في صراعاتها الداخلية وضعف مؤسساتها.

إن أزمة إفريقيا ليست فقط في مَن يحكم، بل في كيف يُحكم. فالقارة التي تضم 54 دولة وموارد هائلة من الذهب واليورانيوم والنفط والغاز، ما زالت عاجزة عن تحويل ثروتها إلى رفاهٍ لشعوبها. المشكلة ليست اقتصادية بقدر ما هي سياسية: غياب الشفافية، ضعف المحاسبة، وتقديس الزعامة.

إفريقيا التي تحلم بها أجيالها الجديدة هي قارة تُدار بالعقل لا بالعمر، وبالمؤسسات لا بالأفراد. لكن هذا الحلم سيبقى مؤجلًا ما دامت السلطة تُورَّث والفساد يُكافأ. إن الاستبداد الإفريقي لا يعيش فقط بالقمع، بل بالقبول الصامت وبثقافة الخوف من المجهول.

لا ينقص القارة المال أو البشر، بل الشجاعة السياسية للبدء من جديد. فالتجدد في إفريقيا لا يعني القطيعة مع الماضي، بل التحرر من فكرة “الزعيم الأب” التي كبّلتها لعقود، والمستقبل لن يُصنع في القصور الرئاسية، بل في عقول الشباب الذين يرفضون أن تُدار حياتهم بذاكرة ما قبل الإنترنت.

وكما يرى العارفون بشؤون السياسة الإفريقية، فإن الجيل الجديد، عندما يدرك أن الزمن قد تغيّر، لن تستطيع الشيخوخة السياسية أن توقفه؛ لأن التاريخ لا ينتظر أحدًا، حتى لو كان جالسًا على العرش منذ نصف قرن.

كاتب

د. محـمد تـورشين

باحث وكاتب في الشؤون الإفريقية | باريس

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل