الذّهبُ الدّموي: كيف يُموّل المعدن الأصفر حرب السّودان ويُعمّق جراحه؟
في بلد ينهشه العنف وتتنازع على أطرافه القوى الإقليمية والدولية، تحوّل الذهب، ذلك المعدن الذي يرفع اقتصاديات الدول، إلى وقود صراع دموي يمزّق السودان. فمنذ اكتشافه بكثافة في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، انتقل السودان من موقع متقدّم عالميًا في إنتاج الذهب إلى ساحة مفتوحة لاقتصاد حرب غير مرئي، تُدار فيه الثروات بطرق معتمة ويُهرّب جزء كبير منها إلى خزائن خارجية، بينما تتوسع في الداخل مأساة إنسانية كبيرة.
ورغم أن السودان احتل المرتبة الثالثة إفريقيًا بعد غانا وجنوب إفريقيا، والثالثة عشرة عالميًا، وبلغ إنتاجه ذروته عام 2017 بنحو 107 أطنان، إلا أن هذا الازدهار تحوّل سريعًا إلى نقمة. الذهب لم يعد مورداً اقتصادياً، بل صار مهدداً وجودياً مرتبطًا بالصراعات الأهلية ومطامع اللاعبين الإقليميين، ووقوداً مركزيًا لحرب يصفها خبراء بأنها مشروع خارجي بواجهات محلية.
ذهب يموّل السلاح.. و”اقتصاد ظل” يحكم المشهد
يقول الخبير الاقتصادي د. عبد العظيم المهل لـ “هنا كندا” إن قوات الدعم السريع كوّنت قبل الحرب ثروة هائلة من إيرادات الذهب، خاصة من جبل عامر ومناطق تعدين أخرى، إضافة إلى عائدات أفراد الميليشيا الذين شاركوا في الحرب باليمن ضمن تحالف عاصفة الحزم بقيادة السعودية والإمارات، فضلاً عن الأموال الأوروبية المخصصة لمكافحة الهجرة غير الشرعية.
ويضيف المهل: “عندما اندلعت الحرب أصبح الذهب المكوّن الأهم في تمويل القتال. الإنتاج الرسمي يُقدّر بـ 73 طناً سنوياً، لكنه أقل بكثير من الواقع، إذ يصل الإنتاج الفعلي إلى نحو 150 طنًا يُهرّب أغلبه خارج البلاد”. ويؤكد أن الحرب تُدار بواسطة دوائر غربية عبر أطراف محلية وإقليمية، مستغلة “شهوتهم للسلطة”.

التحقيقات الدولية: حرب تُدار من الخارج.. والذهب هو المفصل الأساسي
تقرير حديث لصحيفة التايمز البريطانية يعزز الرواية التي ظل يرددها السودانيون: الحرب ليست نزاعًا أهليًا، بل مشروع خارجي مدفوع بالذهب تُديره أبو ظبي عبر مليشيا الدعم السريع.
يكشف التقرير شبكة تهريب تمتد من المناجم إلى الموانئ والمطارات وصولًا إلى جبهات القتال: الذهب يُهرّب إلى دبي، والسلاح يعود إلى دارفور في دورة مغلقة تغذي الحرب وتبقيها مشتعلة.
ووصفت الصحيفة المشروع بأنه “منظومة دموية من الذهب والمرتزقة” تُدار عبر وسطاء في ليبيا وتشاد وإفريقيا الوسطى بتمويل إماراتي تحت غطاء “الاستثمار الإنساني”.
أما تقرير تشاتام هاوس البريطاني المنشور في 26 مارس 2025، فيؤكد أن السيطرة على الذهب تمثل أحد دوافع الصراع الأساسية، وأن تعدين الذهب الحرفي، الذي يشكّل معظم الإنتاج، ينتهي في الإمارات مباشرة أو عبر وسطاء.
ويشير التقرير إلى أن تجارة الذهب بمليارات الدولارات أصبحت شرياناً رئيسياً يمكّن الأطراف المتحاربة من شراء الأسلحة ويغذي شبكة عابرة للحدود تشمل جماعات مسلحة أخرى. وبحسب الإحصاءات الرسمية، أنتج السودان أكثر من 771 طناً خلال 12 عاماً، أغلبها بطرق تقليدية وبمتوسط 64 طناً سنوياً.
الإشارات إلى دور الذهب في تأجيج الصراع ليست جديدة. ففي تقرير لوكالة رويترز بتاريخ 19 أكتوبر 2013، تبيّن أن الصراع في دارفور، الذي دام عقداً، تحوّل من نزاع سياسي – عرقي إلى قتال على الذهب. منجم جبل عامر وحده أسفر عن أكثر من 800 قتيل وتهجير 150 ألف شخص، فيما أكدت تقارير الأمم المتحدة أن ضحايا صراع الذهب تجاوزوا ضعف قتلى المعارك بين الجيش والمتمردين خلال 2012.
وفي 13 فبراير 2024، كشفت الأمم المتحدة أن قوات الدعم السريع تعتمد بشكل مباشر على الذهب المهرب وعلى علاقتها بمجموعة فاغنر، أو “الفيلق الإفريقي”. جاء في التقرير: “بفضل شبكات مالية معقدة كوّنتها قبل الحرب وأثناءها، تمكنت قوات الدعم السريع من شراء الأسلحة ودفع الرواتب وتمويل الحملات الإعلامية وشراء دعم جماعات سياسية ومسلحة”.
وأكد الخبراء أن الذهب السوداني أصبح مورداً أساسياً لتمويل حرب روسيا في أوكرانيا، حيث ينتقل المهرب منه إلى الإمارات قبل دخوله السوق العالمية.
وتشير تقارير منظمة “سويس إيد” إلى أن مسارات الذهب المنهوب تقود مرة أخرى إلى الإمارات التي تلعب وفق التقرير، دوراً محورياً في تمويل الحرب عبر شراء الذهب وتسهيل تدفقه. وقد قدم السودان شكوى أمام محكمة العدل الدولية يتهم فيها أبو ظبي بالتواطؤ في إبادة جماعية، بينما نفت الإمارات تلك الاتهامات ووصفتها بأنها “حيلة دعائية خبيثة”.
ويقول مهندسون سابقون في شركة الجنيد التابعة لعائلة حميدتي: إن أرباح الدعم السريع من تجارة الذهب تصل إلى مليار دولار سنوياً، وهو ما يفسّر قدرتها على الاستمرار في القتال. وفي 4 نوفمبر 2025، قال السفير السوداني لدى الأمم المتحدة في جنيف حسن حامد: “مورد الأسلحة لقوات الدعم السريع معروف جيداً.. وللأسف إنها الإمارات العربية المتحدة”.

خبير اقتصادي: الذهب ليس وحده.. السودان مطمعٌ عالمي
من جهته، يؤكد الخبير الاقتصادي د. محمد الناير لـ “هنا كندا” أن الصراع في السودان ليس على الذهب وحده، بل على موارد هائلة لا تمتلكها كثير من الدول. ويذكر أن السودان يمتلك 30 معدناً في باطن الأرض، إضافة إلى موارد نفطية ضخمة وقدرات سياحية متنوعة وموقع جغرافي استراتيجي و750 كيلومتراً على ساحل البحر الأحمر، أحد أهم الممرات الدولية.
كما يبلغ الاحتياطي التعديني المكتشف حوالي 1500 طن، وتعمل في السودان أكثر من 400 شركة استكشاف وإنتاج بأساليب في معظمها غير احترافية. ويشير الناير إلى أن الدعم السريع تمدد خلال الفترة الانتقالية واستغل ضعف الدولة لتهريب الذهب وتنفيذ أجندات خارجية، فيما تعمل وزارة المعادن حالياً على تنظيم قطاع التعدين التقليدي والحد من تهريبه وإقصاء الشركات المرتبطة بالميليشيا.
يؤكد خبراء أمنيون واقتصاديون أن ما يحدث في السودان يتجاوز كونه صراعًا محليًا أو نزاعًا قبليًا عابرًا، فهو حرب على ثروات الدولة تُدار من الخارج، تُستغل فيها الميليشيات كأدوات، فيما يُستخدم الشعب كوقود للصراع.
فالذهب، الذي كان يمكن أن ينهض باقتصاد السودان، تحوّل إلى سلاح يموّل الخراب ويفتح الباب لتدخلات إقليمية ودولية تتقاطع مصالحها على أرض مزقتها الحروب. ويقف السودان اليوم أمام اختبار حاسم: إما استعادة سيادته على موارده، أو البقاء كساحة مفتوحة لاقتصاد حرب دموي لا يعترف بالحدود ويترك الخراب خلفه. يبقى السؤال الأهم: هل يمكن للذهب أن يصبح مورداً للبناء والتنمية، أم سيظل “الذهب الدموي” عنوانًا لفترة طويلة من النزيف؟




