اِنتخاباتُ إفريقيا بين الزّيف والاستبداد: صناديقُ اقتراعٍ مزورة وشرعيّة هشّة
كيف تحافظُ الأنظمة على السّلطة عبر التّلاعب بالنّتائج، فيما يحذّرُ الخبراء أنّ هذه الممارسات تصعدُ الغضبَ الشّعبي وتفضحُ هشاشة الدّيمُقراطيّة
وسط صراعات السلطة واستعراض الديمقراطية الشكلية، لم تعد الانتخابات الإفريقية مجرد وسيلة لاختيار الحاكم، بل تحولت إلى ساحة صراع مفتوحة بين إرادة الشعوب وهيمنة الأنظمة المزيفة. فهي غالبًا ما تُشكل واجهة لشعارات حرية التصويت والمنافسة، لكنها تتحول في الواقع إلى مسرح لإعادة إنتاج السلطة نفسها. منذ بداية القرن الحادي والعشرين، شهدت القارة أنماطًا متكررة من تزوير الانتخابات، وحماية النخب الحاكمة لمصالحها، وتواطؤًا ضمنيًا أحيانًا مع لوبيات سياسية محلية ودولية تعمل في الظل.
الانتخابات لم تعد مجرد عملية لاختيار الحاكم، بل أصبحت أداة لتثبيت السلطة، حيث تُستخدم كل الوسائل الممكنة: قطع شبكات الاتصالات والإنترنت، التضييق على فضاءات الحرية، منع مراقبة العملية الانتخابية، وحتى التلاعب في نتائج الاقتراع لصالح المرشح المهيمن. كل هذه الممارسات، رغم طابعها المستتر، تترك أثرها المباشر على إرادة الشعب وتهز شرعية النظام السياسي.
إفريقيا: تاريخ حافل بالتزوير والغش الانتخابي
تزوير الانتخابات ليس مجرد تدخل غير قانوني، بل هو محاولة واضحة لتجيير أصوات الناخبين لصالح مرشح بعينه، أو لخصمها من منافسيه. هذه الممارسات تؤثر على نتائج الفرز، وتحوّل صناديق الاقتراع من مرآة لإرادة الشعب إلى أداة لإعادة إنتاج السلطة، وتكرّس نموذجًا مألوفًا في القارة: الانتخابات تبدو رسمية ونزيهة على الورق، لكنها خاضعة للصمت والترهيب والمضايقات في الواقع.

بول بيا.. جمهورية في الكاميرون على مقاس رجل واحد
تعود كلمات عائشة روز ميجيرو، نائبة الأمين العام السابقة للأمم المتحدة في عهد بان كي مون، من 18 مايو 2010 في ياوندي، لتتردد اليوم في 2025، في قلب القصر الرئاسي بالكاميرون. حينها قالت ميجيرو إن الوقت قد حان لتخليص القارة من الطغاة الذين يزورون الانتخابات ويعدّلون الدساتير لصالح بقاء السلطة الفردية، ولم تكن لتتخيل أن هذا المثال الحي سيحدث بعد خمسة عشر عامًا تقريبًا.
في انتخابات 12 أكتوبر 2025، أعاد الرئيس بول بيا، البالغ من العمر 92 عامًا، تثبيت نفسه لعهدة ثامنة، في مشهد يشبه مسرحية استمرارية السلطة بلا نهاية. يُذكر أن الكاميرون يحكمها بول بيا منذ عام 1982، وقد ألغى حينها فقرات من الدستور كانت ستحول دون ترشحه في انتخابات 2011. النتائج الرسمية منحته نحو 53.66% من الأصوات، بينما تتحدث المعارضة والشارع عن تزوير منهجي، مع انقطاعات للإنترنت واضطرابات في عدة مدن، وكأن الانتخابات أصبحت آلة للحفاظ على السلطة، تُجرد المواطنين من إرادتهم.
أحد سكان دوالا علق بسخرية: “هذا الفوز ليس انتصارًا، بل إعادة تدوير قديمة… لقد حكمونا عقودًا ولم يجلب لنا شيئًا سوى الطوابير الطويلة والوعود الفارغة”.
ويؤكد ماتياس هونكبي، مسؤول برنامج الحوكمة السياسية في “المبادرة المفتوحة لغرب إفريقيا”، في تصريح سابق له: “محاولات التزوير غالبًا ما تكون ظاهرة للعيان، وترافقها إجراءات مثيرة للجدل مثل قطع الإنترنت، التضييق على الحرية، أو منع مراقبة بعض مراحل العملية الانتخابية.” هذا التصريح يعود لمتابعته للانتخابات في أوائل العقد الحالي ويظل مرآة تعكس نمطًا متكررًا في القارة.

موريتانيا 2024: صناديق الاقتراع بين الشكوك والشرعية المعلّقة
في 29 يونيو 2024، شهدت موريتانيا انتخابات رئاسية مثيرة، أظهرت النتائج الجزئية الرسمية تقدّم الرئيس المنتهية ولايته محمد ولد الشيخ الغزواني بنسبة نحو 55% بعد فرز نصف مكاتب الاقتراع التي بلغ عددها 5403 مكتبًا.
اللجنة المستقلة للانتخابات نشرت البيانات المؤقتة مفصّلة أن الغزواني حصل على مليونين و65 ألفًا و980 صوتًا بعد فرز 2211 مكتبًا، لكن المعارضة لم تنتظر إعلان النتائج النهائية لتطلق تحذيراتها: “تزوير”، ودعت الرئيس إلى الإقرار بـ”هزيمته”.
هذه الأرقام تكشف نمطًا مألوفًا في القارة؛ حيث تُعلن النتائج الرسمية بسرعة، بينما تبقى أصوات المعارضة والمجتمع المدني تحت تهديد المضايقات والاعتقالات، وتصبح صناديق الاقتراع أداة لتثبيت السلطة بدلًا من التعبير عن إرادة الشعب.
بوروندي.. صناديق الاقتراع تحت رقابة البنادق
في عام 2010، كانت بوروندي مثالًا صارخًا على الوجه القمعي للسلطة حين تُواجَه بالرفض الشعبي، عقب انتخابات محلية ووطنية شابها التزوير والنزاع على النتائج بين مايو/أيار وسبتمبر/أيلول.
قالت رونا بيليغال، مديرة قسم إفريقيا سابقًا في “هيومن رايتس ووتش”: “مع انتهاء الانتخابات، كان أمام حكومة بوروندي فرصة ذهبية للتواصل مع منتقديها وبناء دولة أكثر احترامًا لحقوق الإنسان. لكن بدلاً من ذلك، شهدنا الاعتقالات بحق الصحفيين وأعضاء أحزاب المعارضة، والمضايقات بحق المجتمع المدني، مما يحطم الآمال في وجود بداية جديدة تنتظر بوروندي”.
هذا الفصل مثّل محطة مفصلية في تاريخ الانتخابات الإفريقية، حيث تتكرر نفس الأنماط من دولة لأخرى: انتخابات رسمية تُعلن نزاهتها، لكنها محاطة بالصمت والتهديد والاعتقال كلما حاول صوت معارض فضح التلاعب بالصناديق أو كشف خفايا السلطة.
التزوير بين الحفاظ على السلطة والغضب الشعبي
تؤكد الدكتورة نهاد محمود، الباحثة المتخصصة في الشؤون الإفريقية لـمنصة “هنا كندا” الإعلامية، أن تزوير الانتخابات لا يؤدي إلى الحفاظ على السلطة كما تظن بعض الأنظمة، بل يفاقم حالة السخط الشعبي، خصوصًا بين الأجيال الشابة مثل جيل “زد” الذي يمتلك وعيًا سياسيًا متزايدًا وقدرة على التنظيم عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وأضافت أن “انتخابات نيجيريا عام 2023، رغم فوز بولا أحمد تينوبو، شهدت اتهامات بالتزوير من قِبل المعارضة التي وصفت العملية بـ المعيبة”.
ومن جهته، قال محمد تورشين، الباحث في الشأن الإفريقي لـ “هنا كندا”، “إن تزوير الانتخابات يظل أداة حيوية لدى كثير من الأنظمة الشمولية لضمان استمرارها في السلطة، خاصة عندما تفشل تلك الحكومات في معالجة القضايا الاقتصادية والتنموية والاجتماعية”.
وأكد أن “استمرار الحكومة لفترات طويلة يجعلها مضطرة لمعالجة فقدان الشرعية والتأييد الجماهيري، ولذلك يصبح التزوير وتغيير نتائج الانتخابات الحل الأسهل لتثبيت السلطة وإقصاء المنافسين الأقوياء”.

شهود العيان واحتجاجات الشارع
في تنزانيا، اندلعت احتجاجات عنيفة بعد الانتخابات الرئاسية في 29 أكتوبر 2025، حيث فرض حظر تجوّل في دار السلام واشتعلت شوارع أروشا بالدخان والهتافات المطالبة بحق الشعب في تقرير مصيره. عشرات الشبان شاركوا في مظاهرات غاضبة، فيما وثقت منصات المعارضة المشاهد على الهواء مباشرة، كاشفة هشاشة السلطة والشرعية الزائفة للانتخابات.
وفي كينيا، اندلعت احتجاجات واسعة منذ عام 2024 ضد الرئيس ويليام روتو بعد فشله في الوفاء بوعوده الانتخابية، واستمرت حتى عام 2025، في ظل تصاعد الغضب الشعبي من تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب الإصلاحات الموعودة.
تزوير الانتخابات في القارة الإفريقية لم يعد مجرد تجاوز للقوانين، بل أصبح سياسة ممنهجة لتثبيت الأنظمة على حساب إرادة الشعوب. ومع تآكل الثقة الشعبية وتصاعد وعي الأجيال الجديدة، تتحول الديمقراطية الشكلية إلى واجهة لتجميل الاستبداد، بينما تتفاقم الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
استمرار هذه الممارسات يهدد الاستقرار، ويضع الشعوب في مواجهة مستمرة مع الحكومات، حيث تتراكم الغضب والاحتجاجات، وتفتح أبواب الانقلابات والهشاشة المؤسسية، في حلقة مفرغة من الاستبداد المزمن. القارة الإفريقية، بعد عقود من المعاناة، لا تزال تبحث عن صناديق اقتراع حقيقية تُعيد للشعوب حقها في تقرير مصيرها، قبل أن تتحول الديمقراطية إلى مجرد ذكرى باهتة في صفحات التاريخ.




