صعود آفي لويس يشعل صراع التوجّهات وملف الطّاقة داخل الحزب الدّيمقراطي الجديد
في لحظة سياسية مفصلية، اختار الحزب الديمقراطي الجديد في كندا زعيمه الجديد، لكن الحدث لم يكن مجرد تغيير في القيادة، بل مؤشرًا على تحوّل سياسي قد يؤثر على مسار الحزب وعلى جزء من المشهد السياسي الكندي. ففوز آفي لويس، المخرج والناشط المعروف، لم يأتِ فقط بنتيجة انتخابية واضحة، بل حمل معه مشروعًا أيديولوجيًا صريحًا، وردود فعل داخلية حادة، وأسئلة مفتوحة حول مستقبل الحزب.
ففي مؤتمر الحزب المنعقد في وينيبيغ، تمكّن لويس من حسم السباق من الجولة الأولى، محققًا نحو 40 ألف صوت من أصل نحو 71 ألف بطاقة اقتراع، أي ما يقارب 56 في المئة من الأصوات، متفوقًا على أربعة منافسين، من بينهم النائبة عن ألبرتا هيذر ماكفرسون، والقيادي النقابي روب أشتون، والمزارع توني ماككوايل، والناشطة الاجتماعية تانيل جونستون. ويعكس هذا الفوز الحاسم قوة التعبئة داخل القواعد الحزبية، إلى جانب رغبة واضحة في التغيير بعد النتائج التي مني بها الحزب في الانتخابات الفيدرالية الأخيرة.
لويس، الذي ينحدر من عائلة سياسية عريقة، لم يخفِ الطابع الرمزي لوصوله إلى هذا المنصب. فهو حفيد ديفيد لويس، الذي قاد الحزب في سبعينيات القرن الماضي، ونجل ستيفن ليويس، أحد أبرز وجوه الحزب في أونتاريو. هذا الامتداد العائلي لم يكن مجرد تفصيل تاريخي، بل استخدمه لويس في خطابه ليؤكد أنه لا يريد انتظار “جيل آخر” لتحقيق طموحات الحزب، في إشارة إلى رغبة في تحقيق اختراق سياسي سريع.

مشروع يساري يثير انقسامات واعتراضات داخل الحزب
غير أن ما يميز هذا التحول ليس فقط الشخص، بل المشروع الذي يطرحه. فقد قدّم لويس نفسه بوضوح كحامل لخط يساري، واصفًا حملته بأنها “حركة مناهضة للرأسمالية”، ومتعهّدًا بتحويل الحزب إلى “منارة لـ99% من الكنديين”. ومن بين أبرز مقترحاته فرض سقف وطني للإيجارات، وفرض ضرائب على الثروة تستهدف أغنى 1% من السكان، إلى جانب إنشاء خدمات عامة جديدة، مثل متاجر بقالة مملوكة ومدارة حكوميًا، وخيارات عامة في قطاع الاتصالات.
ويرافق هذا الطرح خطاب سياسي ينتقد “اقتصادًا مُصممًا لصالح الأثرياء”، ويتعهد بإعادة توزيع الثروة بشكل أكثر عدالة. وفي هذا السياق، أكد لويس أن الأموال اللازمة لتنفيذ برنامجه “موجودة”، لكن ما ينقص هو “الإرادة السياسية لانتزاعها”.
لكن هذا التحول الواضح نحو اليسار لم يمر دون مقاومة داخل الحزب نفسه. فبعد ساعات فقط من إعلان فوزه، خرجت أصوات بارزة من أجنحة الحزب في الغرب الكندي بانتقادات لاذعة. فقد اعتبر زعيم الحزب في ألبرتا، نعيم ندشي، أن توجهات القيادة الفيدرالية الجديدة “لا تخدم مصالح ألبرتا”، مشيرًا إلى دعم لويس لسياسات تعارض توسع قطاع النفط والغاز، الذي يمثل ركيزة أساسية لاقتصاد المقاطعة.
ولم يكن موقف ساسكاتشوان أقل حدة، حيث وجّهت زعيمة الحزب هناك، كارلا بيك، رسالة مباشرة إلى ليويس، وصفت فيها مواقفه من قطاع الموارد الطبيعية بأنها “أيديولوجية وغير واقعية”، محذّرة من أنها تهدد ما يصل إلى 13.6 مليار دولار من النشاط الاقتصادي في المقاطعة. وأضافت أن هذه السياسات لا تستهدف الموارد فقط، بل تمس العمال أنفسهم، ما يطرح تساؤلات حول قدرة الحزب على التوفيق بين خطابه الاجتماعي وحماية الوظائف القائمة.

صراع الطاقة والبيئة بين الجناحين الفيدرالي والإقليمي
هذا التوتر يعكس صراعًا داخل الحزب بين جناح فيدرالي يتبنى خطابًا بيئيًا أكثر تشددًا، وجناح إقليمي مضطر للتعامل مع واقع اقتصادي يعتمد على الصناعات التقليدية، خصوصًا النفط والغاز. وهو صراع ليس جديدًا، لكنه يظهر اليوم بشكل أوضح مع صعود قيادة تحمل مواقف أكثر حدة، خاصة فيما يتعلق بوقف التوسع في الوقود الأحفوري.
في هذا الإطار، تعود إلى الواجهة أيضًا وثيقة “ليب مانيفستو” المثيرة للجدل، التي دعمها لويس سابقًا، والتي تدعو إلى انتقال كامل نحو الطاقة المتجددة والتخلي عن الوقود الأحفوري. وقد اعتبرها البعض داخل الحزب سببًا في إضعاف حكومات إقليمية سابقة، مثل حكومة راشيل نوتلي في ألبرتا، ما يزيد من المخاوف من تكرار السيناريو نفسه.
ورغم هذه الانتقادات، حاول لويس التقليل من حدة الانقسام، مؤكدًا أن الاختلافات داخل الحزب دليل على حيويته، وأن “الخيمة” أصبحت أكبر لاستيعاب وجهات نظر متعددة. كما شدد على أن القاسم المشترك بين جميع الأجنحة هو الالتزام بالدفاع عن الطبقة العاملة، حتى وإن اختلفت الوسائل.
إلى جانب ملف الطاقة، وضع لويس قضايا أخرى في صلب برنامجه، أبرزها مواجهة الذكاء الاصطناعي، حيث دعا إلى وقف مؤقت لإنشاء مراكز بيانات جديدة، معتبرًا أن هذه التكنولوجيا تُستخدم من قبل الشركات لتهديد الوظائف وانتهاك الخصوصية والإضرار بالبيئة. كما تعهّد بإطلاق “صفقة خضراء جديدة” تستثمر نحو 2% من الناتج المحلي الإجمالي في مواجهة التغير المناخي، مع وعود بخلق مليون وظيفة جديدة في هذا المجال.

اختبار قيادة صعب في ظل تراجع سياسي وأزمة ثقة
غير أن التحدي الأكبر أمام لويس لا يكمن فقط في توحيد الحزب، بل في إعادة بنائه من موقع ضعف. فالحزب، الذي كان يومًا قوة سياسية مؤثرة، تراجع إلى سبعة مقاعد فقط في البرلمان الفيدرالي بعد الانتخابات الأخيرة، وهو عدد مرشح للانخفاض. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن دعم الحزب لا يزال في خانة الأرقام الأحادية أو المنخفضة، ما يعكس صعوبة استعادة ثقة الناخبين في المدى القريب.
إضافة إلى ذلك، يواجه لويس معضلة شخصية وسياسية في آن واحد، إذ لا يملك حاليًا مقعدًا في مجلس العموم، ما يحد من حضوره المباشر في النقاشات البرلمانية. ورغم أن هذا الوضع ليس جديدًا في السياسة الكندية، فإنه يفرض عليه الاعتماد على نوابه الحاليين لتمثيل الحزب، في وقت يحتاج فيه إلى بناء زخم سياسي سريع.
في المقابل، يرى بعض المحللين أن الظرف السياسي قد يمنح لويس فرصة، خاصة مع توجه الحكومة الحالية نحو سياسات تميل إلى الوسط أو اليمين، ما قد يفتح مساحة لخطاب يساري واضح. غير أن هذا الرهان يبقى محفوفًا بالمخاطر، في ظل بيئة دولية واقتصادية مضطربة تدفع كثيرًا من الناخبين نحو البحث عن الاستقرار بدل التغيير الجذري.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال محوري: هل يستطيع لويس تحويل خطابه إلى مشروع سياسي قابل للتطبيق، أم أنه سيبقى أسير شعارات قد لا تجد صدى واسعًا لدى الناخب الكندي؟ فبينما يؤكد أن القضايا التي يطرحها، مثل عدم المساواة والتغير المناخي، ستظل حاضرة بقوة، يرى منتقدوه أن توقيت طرح حلول جذرية قد لا يكون مناسبًا في ظل مخاوف اقتصادية وأمنية متزايدة.
ما هو مؤكد أن انتخاب آفي لويس لا يمثل مجرد تغيير في قيادة حزب، بل لحظة اختبار لهوية الحزب الديمقراطي الجديد. فإما أن ينجح في إعادة تعريف الحزب كقوة يسارية قادرة على تعبئة الشارع، أو أن يؤدي هذا التحول إلى تعميق الانقسامات الداخلية.
في ظل الأوضاع الراهنة، يقف الحزب بين خيارين: استعادة دوره التاريخي كصوت للطبقات العاملة، أو الانزلاق إلى صراع داخلي بين الواقعية السياسية والطموح الأيديولوجي. وفي الحالتين، لا يقتصر ما يجري داخله على كونه خلافًا حزبيًا، بل يعكس تحولات أوسع في المشهد السياسي الكندي، حيث تتقاطع ملفات الاقتصاد والبيئة والعدالة الاجتماعية في اختبار مفتوح على مستقبل السياسة في البلاد.




