مـا وراء الحدث

كـنـدا تتحدّى الوصاية الأميركيّة: جولة كارني الآسيويّة تكشف بداية تمرّد استراتيجي على سياسات ترمب

لم تكن الجولة الآسيوية التي قام بها رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى الدول الثلاث، بدءًا بالهند إلى أستراليا وأخيرًا اليابان، التي كانت محطته الأخيرة، مجرد تحرك دبلوماسي تقليدي لتوسيع التجارة، بل بدت أقرب إلى إعادة صياغة شاملة لموقع كندا في النظام الدولي. فخلف اللقاءات والاتفاقيات الاقتصادية، كانت هناك رسالة سياسية أكثر وضوحًا، وهي أن أوتاوا لم تعد مستعدة للبقاء في ظل الهيمنة الاقتصادية والسياسية للولايات المتحدة، خصوصًا في ظل السياسات التصعيدية للرئيس الأمريكي ترامب.

خلال الأشهر الأخيرة، تحولت العلاقة بين البلدين، اللذين شكلا لعقود أحد أكثر التحالفات الاقتصادية استقرارًا في العالم، إلى ساحة توتر مفتوح. فواشنطن لوّحت بفرض رسوم جمركية قاسية على السلع الكندية، فيما أثارت تصريحات ترامب بأن كندا يمكن أن تصبح “الولاية الحادية والخمسين” موجة غضب واسعة داخل البلاد، وعبرها الكنديون عن تعدٍ صارخ على سيادة بلدهم. هذه الضغوط دفعت الحكومة الكندية إلى تسريع خطة كانت تتشكل بهدوء منذ سنوات: تقليل الاعتماد الاقتصادي على الولايات المتحدة وبناء شبكة شراكات عالمية جديدة.

هذا التحول ظهر بوضوح في خطاب كارني في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، حيث أطلق تحذيرًا غير مسبوق من داخل النظام الغربي نفسه. فقد أكد أن النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب الباردة تحت قيادة الولايات المتحدة لم يعد يتغير فحسب، بل يتعرض لصدع حقيقي. وقال إن القوى الكبرى بدأت تستخدم الاقتصاد كسلاح سياسي، مضيفًا أن “القوى الكبرى تستخدم التكامل الاقتصادي كسلاح والرسوم الجمركية كوسيلة ضغط”. وفي عبارة بدت موجهة بوضوح إلى واشنطن، حذر من أن الدول المتوسطة إذا لم تكن “على الطاولة فإنها ستكون على القائمة” في لعبة النفوذ العالمي.

في هذا السياق، بدت جولة كارني في آسيا والمحيط الهادئ أشبه بمحاولة لبناء تحالف جديد للدول المتوسطة القادرة على موازنة الضغوط الاقتصادية للدول الكبرى. فبدل الارتكان لشريك واحد، تسعى كندا اليوم إلى توزيع مصالحها الاستراتيجية بين عدة قوى صاعدة.

رئيس الوزراء مارك كارني يستقبله جايكومار راوَال، وزير البروتوكول في حكومة ماهاراشترا، لدى وصوله إلى مومباي في الهند يوم الجمعة 27 فبراير 2026، في لحظة تعكس أهمية جولته الآسيوية لتعزيز التحالفات الاقتصادية والدبلوماسية لكندا بعيدًا عن الضغوط الأمريكية – الصورة لـ ذا كنديان برس عبر ناشيونال نيوز واتش

تحالف الدول المتوسطة: محاولة لكسر الهيمنة الاقتصادية

أولى محطات هذه الاستراتيجية ظهرت في الهند، حيث سعى كارني إلى إعادة إطلاق العلاقات بين أوتاوا ونيودلهي بعد سنوات من التوتر الدبلوماسي. فقد اتفق مع رئيس الوزراء ناريندرا مودي على تسريع المفاوضات نحو شراكة اقتصادية شاملة قد ترفع حجم التجارة الثنائية إلى خمسين مليار دولار بحلول عام 2030، إضافة إلى اتفاق لتوريد اليورانيوم الكندي إلى الهند وتعزيز التعاون في الطاقة والدفاع والتكنولوجيا.

لكن الأهمية الحقيقية لهذا التقارب لا تكمن في أرقام التجارة فقط، بل في الرسالة السياسية التي يحملها. فالهند، بوصفها واحدة من أكبر الاقتصادات الصاعدة في العالم، أصبحت بالنسبة لكندا بوابة استراتيجية نحو آسيا في وقت تتزايد فيه المخاطر المرتبطة بالاعتماد المفرط على السوق الأمريكية.

ويأتي هذا التوجه في ظل تصاعد الحرب التجارية التي أطلقها ترامب ضد حلفاء واشنطن أنفسهم. فقد هدد الرئيس الأمريكي بفرض رسوم جمركية تصل إلى مئة في المئة على بعض السلع الكندية، ما أثار مخاوف عميقة داخل الأوساط الاقتصادية الكندية من أن تتحول العلاقة التجارية بين البلدين إلى أداة ابتزاز سياسي.

هذه المخاوف دفعت الحكومة الكندية إلى وضع هدف طموح يتمثل في مضاعفة صادراتها إلى خارج الولايات المتحدة خلال العقد المقبل، وهو هدف يفسر لماذا اختار كارني أن يبدأ جولته من آسيا، حيث تنمو أكبر الأسواق العالمية.

لكن التحول الكندي لم يتوقف عند الهند. ففي أستراليا، قدم كارني أحد أكثر خطاباته وضوحًا بشأن طبيعة النظام الدولي الجديد، معلنًا أن الدول المتوسطة لم تعد قادرة على الاعتماد على القوى الكبرى لحماية مصالحها. وقال أمام البرلمان الأسترالي: “في عالم تتنافس فيه القوى الكبرى، أمام الدول المتوسطة خياران: إما التنافس على رضا تلك القوى، أو الاتحاد لبناء قوة مشتركة”.

هذا التصريح لم يكن مجرد توصيف نظري، بل كان مقدمة لإطلاق سلسلة اتفاقيات جديدة بين كندا وأستراليا، أبرزها التعاون في المعادن الاستراتيجية مثل الليثيوم واليورانيوم والحديد. وتشكل هذه الموارد العمود الفقري للصناعات التكنولوجية والعسكرية الحديثة، ما يجعل السيطرة على سلاسل توريدها مسألة أمن قومي. وتشير التقديرات إلى أن البلدين ينتجان معًا نحو ثلث الإمدادات العالمية من الليثيوم واليورانيوم وأكثر من أربعين في المئة من خام الحديد.

وبذلك، لم يعد التعاون بين أوتاوا وكانبيرا مجرد شراكة اقتصادية، بل خطوة نحو بناء شبكة صناعية استراتيجية للديمقراطيات الصناعية.

مارك كارني مع رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز أثناء توقيع اتفاقيات المعادن الحيوية داخل البرلمان، في تحرك استراتيجي يعكس تحدي كندا للهيمنة الأمريكية. اللقاء يؤكد ميل الدول المتوسطة نحو نظام عالمي جديد قائم على الشراكات المستقلة والتحالفات متعددة الأطراف – الصورة لـ يوروبيان برس فوطو اجينسي

اليابان والرهان على أمن المحيط الهادئ

أما المحطة الأكثر حساسية في جولة كارني فكانت في اليابان، حيث التقى رئيسة الوزراء تكايتشي ساناي في طوكيو لبحث توسيع التعاون في مجالات الطاقة النظيفة والصناعات المتقدمة والمعادن الاستراتيجية والأمن الغذائي. لكن خلف هذه الملفات الاقتصادية كان هناك بعد استراتيجي واضح يتعلق بأمن منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

فالتحالف مع اليابان يمنح كندا موطئ قدم في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم، حيث تتقاطع المنافسة بين الولايات المتحدة والصين. كما أن طوكيو تمثل شريكًا تكنولوجيًا متقدمًا يمكن أن يساعد كندا في تقليل اعتمادها على الشركات الأمريكية في مجالات الذكاء الاصطناعي والصناعات الرقمية.

وبالتوازي مع ذلك، ناقش الجانبان تعزيز التعاون الدفاعي والأمني، في خطوة تعكس إدراكًا متزايدًا في أوتاوا بأن النظام الأمني العالمي يتغير بسرعة. فحتى داخل التحالفات التقليدية، لم تعد الولايات المتحدة اللاعب الوحيد القادر على تحديد قواعد اللعبة.

هذا الإدراك تعزز أيضًا في أعقاب الضربات العسكرية التي نفذتها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط دون التشاور مع حلفائها، وهو ما دفع كارني إلى القول إن التصعيد في المنطقة يمثل «فشلًا للنظام الدولي» الذي كان يفترض أن يمنع مثل هذه الأزمات.

وبينما تجنّب رئيس الوزراء الكندي توجيه اتهامات مباشرة لواشنطن، فإن تصريحاته عكست قلقًا عميقًا داخل النخب السياسية الكندية من أن القرارات الأحادية للقوى الكبرى قد تجر الحلفاء إلى أزمات لم يختاروها.

مارك كارني يوقع اتفاقية استراتيجية مع اليابان وسط تصاعد الحرب في الشرق الأوسط ومخاوف النفط العالمية، مؤكّدًا دور كندا الفاعل في الأمن الإقليمي والنظام العالمي بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية – الصورة لـ ذا بوسطون غلوب

نهاية النظام القديم؟

تجمع هذه التطورات خيطًا واحدًا واضحًا، وهي أن كندا تحاول إعادة تعريف موقعها في عالم يتغير بسرعة. فبعد عقود من الاعتماد شبه الكامل على السوق الأمريكية، بدأت أوتاوا تدرك أن هذه العلاقة لم تعد محصنة ضد التحولات السياسية داخل الولايات المتحدة نفسها.

ومع صعود خطاب قومي اقتصادي في واشنطن، أصبحت الرسوم الجمركية والتهديدات التجارية أدوات ضغط تستخدم حتى ضد الحلفاء التقليديين. وقد أدى ذلك إلى موجة ردود فعل داخل كندا، بما في ذلك حملات شعبية لمقاطعة المنتجات الأمريكية وتشجيع شراء المنتجات المحلية.

لكن الرد الكندي لا يقتصر على الإجراءات الاقتصادية. فالرؤية التي يطرحها كارني تقوم على فكرة أوسع: بناء تكتل من الدول المتوسطة القادرة على الدفاع عن مصالحها في مواجهة تقلبات القوى الكبرى.

في هذه الرؤية، يمكن لدول مثل كندا واليابان والهند وأستراليا أن تشكل معًا كتلة اقتصادية ضخمة تمتلك قدرات صناعية وتكنولوجية هائلة. وتشير بعض التقديرات إلى أن هذه المجموعة من الدول المتوسطة يمكن أن تمتلك اقتصادًا إجماليًا يفوق اقتصاد الولايات المتحدة، إضافة إلى حجم تجارة عالمي أكبر بكثير من الصين.

ولهذا، تبدو جولة كارني في آسيا أكثر من مجرد دبلوماسية اقتصادية. إنها محاولة لإعادة رسم خريطة التحالفات العالمية في زمن يتآكل فيه النظام الذي قادته الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

قد لا يكون السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كانت كندا قادرة على تقليل اعتمادها على الولايات المتحدة، بل ما إذا كان العالم كله يتجه نحو مرحلة جديدة من التوازن بين القوى المتوسطة.

فإذا استمرت واشنطن في استخدام الاقتصاد كسلاح سياسي، كما يحذر كارني، فإن حلفاء الأمس قد يجدون أنفسهم مضطرين لبناء نظام جديد لا يقوم على الهيمنة، بل على شبكة واسعة من الشراكات المتبادلة.

وهنا، ربما تكمن الرسالة الأعمق لجولة كارني، فالعالم الذي اعتادت فيه كندا أن تتحرك في ظل المظلة الأمريكية قد انتهى، وما يجري الآن هو البحث عن موقع جديد في نظام دولي يتشكل من جديد.

سياسات ترامب الأحادية والحمائية دفعت كندا إلى كسر الوصاية الأمريكية، حيث تتجه الآن لاستراتيجية مستقلة تحالفية في آسيا والمحيط الهادئ. هذا التحرك يعكس تمردًا دبلوماسيًا واقتصاديًا مدروسًا ضد الضغوط الأمريكية المتصاعدة – الصورة لـ أسوشيتد برس عبر سكاي نيوز انجليزية

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل