الثّقافةُ في خطر: من يقفُ وراء موجة حرق مكتبات الشّوارع في كندا
في شرق تورونتو، وعلى أحد الشوارع الهادئة في حي دانفورث فيلاج، صُدم المجتمع المحلي في فبراير 2025 بحادثة مأساوية تمثلت في احتراق مكتبة شارع صغيرة تعود لعائلة تيمينز بالكامل، في واقعة يُشتبه بأنها متعمدة. الطوب المتفحم، والكتب المبعثرة، والباب المحترق لم تكن مجرد خسائر مادية، بل شكّلت مشهدًا صادمًا لرمز ثقافي محلي طالما مثل مساحة مفتوحة للمعرفة وروح المشاركة بين الجيران.
وأفادت الشرطة المحلية، وفق ما نقلت صحيفة “تورنتو سـتار”، أن الحريق يخضع لتحقيقات باعتباره حادثًا مشبوهًا. وأكد المحققون أنهم فحصوا الموقع وجمعوا الأدلة واستمعوا إلى إفادات الشهود، مع متابعة أي نشاط مريب في المنطقة، مشددين على أن مثل هذه الأفعال لا تُعد تخريبًا للممتلكات فحسب، بل تمثل تهديدًا مباشرًا للفضاء الثقافي المفتوح داخل الأحياء السكنية.
ليندسي تيمينز، أمينة مكتبة وصاحبة المبادرة، قالت لـ ” تورنتو سـتار”: ” كنت مترددة جدًا… شعرت بالحزن والخوف من تكرار ما حدث. لم يكن مجرد صندوق كتب، بل رابطًا حيًا بيني وبين جيراني”.
ورغم الصدمة، ساهم دعم الجيران من خلال التبرعات والرسائل المشجعة في إعادة إحياء المشروع، حيث شرع والدها، غلين تيمينز، في إعادة بناء المكتبة في مايو 2025، قبل أن يكتمل العمل في نوفمبر من العام نفسه.
المكتبة الجديدة صُممت كنسخة مصغرة من متجر “براون براذرز ليميتد” التاريخي، الذي احترق خلال حريق تورونتو الكبير عام 1904. الباب الأخضر الصغير، والإضاءة الدقيقة، والإعلانات المستوحاة من الطراز القديم لم تكن عناصر جمالية فحسب، بل حملت رمزية تربط بين تاريخ المدينة وصمود المعرفة في وجه الدمار. استغرق المشروع مئات الساعات من العمل اليدوي، ليخرج في شكل فني مصغر غني بالتفاصيل والدلالات.

عندما تُستهدف المعرفة بالحرق
غير أن تورونتو لم تكن استثناءً. فقد امتدت الظاهرة إلى العاصمة أوتاوا، حيث شهد حي ألتا فيستا في أغسطس 2025 واحدة من أكثر حوادث التخريب عنفًا. فبعد ساعات فقط من تركيب مكتبة شارع جديدة على طول مسار مشاة في حديقة كانينغهام، تعرّضت للتدمير: اقتُلع الباب، نُزعت الإضاءة، وحُطمت الواجهة بمطرقة ثقيلة، قبل أن تُرش بالبيض في اليوم التالي.
صاحبة المكتبة، سارة بلاك، قالت لشبكة سي تي في نيوز: «التخريب المتكرر كان مخيفًا… رأيت التصعيد، واعتقدنا أن الوضع لم يعد آمنًا، خصوصًا مع شخص يستخدم مطرقة ثقيلة في وضح النهار». وأكدت شرطة أوتاوا أن الحادثة شكّلت تهديدًا للسلامة العامة، وتم فتح بلاغ رسمي والتحقيق في استخدام أدوات خطرة داخل مساحة عامة، مع دعوة السكان إلى الإبلاغ عن أي نشاط مشبوه.
أما في تورونتو – إيست يورك عام 2021، فقد سُجلت سلسلة من أعمال التخريب والسرقة طالت مكتبات شوارع مجتمعية، معظمها مخصص للكتب الثقافية والتاريخية. وأكدت الشرطة المحلية حينها أن تكرار هذه الأفعال يفرض تحديًا أمنيًا ومجتمعيًا، ما دفع بعض السكان إلى اللجوء لوسائل حماية بسيطة، مثل الأقفال أو كاميرات المراقبة، دون أن تنجح هذه الوسائل كليًا في ردع الاعتداءات.
وفي مدن أخرى مثل فانكوفر الكبرى وكالغاري عام 2019، وثّقت الشرطة حوادث حرق وتخريب متعمدة شملت كسر صناديق الكتب وإتلاف محتوياتها. وذكرت تقارير أمنية تورط شبّان في إشعال الحرائق، مع اتخاذ إجراءات قانونية محدودة وفق ما أتاحته التحقيقات حينها، ودعت السلطات إلى تعزيز الرقابة المجتمعية على هذه المبادرات.

تحقيقات بلا إجابات وحماية هشّة
تُظهر هذه الوقائع المتكررة أن مكتبات الشوارع ليست مجرد صناديق خشبية، بل رموز حيّة للهوية الثقافية والانتماء المجتمعي. فكل كتاب يُحرق أو صندوق يُدمّر يمثل خسارة مباشرة لفرصة التعلم والتفاعل الاجتماعي، ويقوّض ثقة السكان في قدرتهم على حماية فضاءاتهم المشتركة.
إعادة البناء، كما فعلت عائلة تيمينز في تورونتو، أو إصرار سكان أوتاوا على إعادة المكتبات ضمن الأطر القانونية، يعكس روح مقاومة واضحة. وتشير معطيات الشرطة في كندا إلى أن حوادث تخريب مكتبات الشوارع تُعامل كقضايا جنائية، وتتطلب تعاونًا وثيقًا بين السلطات والسكان. غير أن تكرارها يطرح سؤالًا مقلقًا حول هشاشة الفضاء الثقافي المفتوح. فعندما تصبح صناديق الكتب هدفًا، لا يكون التهديد أمنيًا فقط، بل ثقافيًا ومجتمعيًا، يمتحن قدرة الدولة والجيران معًا على حماية المعرفة في المجال العام.




