بعد 100 يومٍ على رأس السُّلطة: كارني يقودُ كندا في مُواجهةِ أزماتٍ داخليّة وتصعيدٍ أميركيّ
48 مليار دولار إِنفاقًا على خطة إِنْعاش اقتصاديّة خلال 100 يوم، مع خفض البطالة إلى 5.2% ونمو اقتصادي بنسبة 2.3%، وسط عجز في الميزانيّة يبلغ 39.8 مليار دولار وتوتُّرات تجاريّة مع الولايات المتَّحدة بسبب دعم فلسطين
بعد مرور ثلاثة أشهر فقط على تنصيبه رئيسًا لوزراء كندا، يقف مارك كارني على مفترق طرق حاسم بين طموحات التغيير العميق وإكراهات السياسة الواقعية، داخليًا وخارجيًا. الاقتصادي المخضرم، الذي دخل السياسة من بوابة الحزب الليبرالي خلفًا لـ جاستن ترودو، قدّم نفسه كقائد لمرحلة جديدة من التحول الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، لكن طريقه لم يكن مفروشًا بالورود، بل اكتنفه الصراع مع إدارة ترامب، وتحديات الداخل الكندي، وانقسامات الرأي العام.
كارني، الذي تولى منصبه في نيسان/أبريل 2025، دخل المشهد السياسي الكندي بتوقعات مرتفعة، نظرًا لخلفيته كحاكم سابق لـ بنك كندا ثم بنك إنجلترا، وبخبرته الدولية التي جعلت كثيرين يراهنون عليه لقيادة كندا نحو الاستقرار والنمو بعد سنوات من الانقسام والركود السياسي. وخلال مئة يوم، اتخذت حكومته قرارات مفصلية، أبرزها تمرير خطة انتعاش اقتصادي بقيمة 48 مليار دولار على مدى ثلاث سنوات، ورفع الحد الأدنى للأجور الفيدرالي إلى 18.75 دولارًا للساعة، إضافة إلى توسيع برامج الرعاية الاجتماعية وتحسين دعم الإسكان والعمال المؤقتين والمهاجرين.
غير أن هذه الخطوات، رغم أهميتها، قوبلت بانتقادات من المعارضة المحافظة التي اعتبرت أن الإنفاق الليبرالي “غير مسؤول” وقد يفاقم العجز الفيدرالي الذي بلغ 39.8 مليار دولار، وفق تقرير وزارة المالية لشهر حزيران/يونيو. في المقابل، دافعت الحكومة عن مقاربتها بالقول إن الاستثمار في النمو هو السبيل الوحيد لتجنب ركود اقتصادي طويل الأمد، مشيرة إلى أن نسبة النمو في الربع الثاني بلغت 2.3%، مقابل 1.1% في بداية العام، وأن نسبة البطالة انخفضت إلى 5.2%، وفق هيئة الإحصاء الكندية، وهو أدنى معدل منذ شباط/فبراير 2023.

على المستوى السياسي الخارجي، تصدّرت كندا عناوين الصحف العالمية إثر إعلان كارني دعم حكومته “المبدئي” للاعتراف بدولة فلسطينية خلال دورة الأمم المتحدة المقبلة في أيلول/سبتمبر. القرار أثار حفيظة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي سارع إلى التهديد بفرض رسوم جمركية على المنتجات الكندية و”إعادة النظر في اتفاقيات التعاون الدفاعي”. كارني، الذي بدا حذرًا في الرد، اكتفى بالقول إن “كندا دولة ذات سيادة، ولا تقبل الإملاءات”، مؤكدًا في حوار مع قناة سي بي سي أن “الاعتراف بفلسطين مسألة مبدئية تتجاوز الحسابات السياسية”.
لكن الواقعية فرضت نفسها لاحقًا، إذ كشفت مصادر دبلوماسية عن مفاوضات مكثفة جرت في الكواليس لاحتواء التوتر مع واشنطن، خاصة أن الولايات المتحدة تظل الشريك التجاري الأول لكندا، بما يفوق 800 مليار دولار سنويًا في التبادل الثنائي. ويقول الخبير في العلاقات الدولية بجامعة أوتاوا، البروفيسور دانيال ليفين: “كارني أظهر استقلالية نادرة، لكنه يدرك أن المواجهة المباشرة مع إدارة ترامب قد تضر بالاقتصاد الكندي، لذلك يتّبع مقاربة مزدوجة: الحزم الرمزي والتفاوض الواقعي”.
في الداخل، يواجه كارني تحديات اجتماعية حادة، أبرزها أزمة الإسكان التي تفاقمت في مدن كبرى مثل تورنتو وفانكوفر، حيث تجاوز متوسط إيجار شقة بغرفة واحدة 2500 دولار شهريًا. وقد أعلنت حكومته عن خطة لبناء 300 ألف وحدة سكنية جديدة بحلول عام 2027، لكن الخبراء يشككون في الجدول الزمني والتمويل. وفي ملف الهجرة، واصل كارني نهج سلفه في تعزيز برامج الهجرة الاقتصادية، لكنه أثار جدلاً واسعًا حين أبدت حكومته استعدادها لاقتطاع ما يصل إلى 30% من أجور بعض العمال المهاجرين مقابل توفير السكن، وهي خطوة وصفتها منظمات حقوقية بأنها “عودة إلى أنظمة الاستغلال المقنن”.

أما على صعيد المناخ، فقد أعلن كارني تجميد مشروع توسعة أنابيب ترانس ماونتن مؤقتًا، ورفع تمويل الطاقة المتجددة بنسبة 60%، مما أكسبه تأييد الأوساط البيئية، لكنه أثار غضب حكومات مقاطعات نفطية كـ ألبرتا وساسكاتشوان. ويقول جيمس ريتشاردسون، أستاذ الاقتصاد البيئي بجامعة كالغاري: “كارني يحاول التوفيق بين الاقتصاد الأخضر والمصالح الإقليمية، لكنه لم ينجح بعد في خلق إجماع وطني حقيقي”.
في استطلاع للرأي أجرته مؤسسة أباكوس داتا نهاية تموز/يوليو، عبّر 54% من الكنديين عن “رضاهم العام” عن أداء الحكومة، مقابل 34% غير راضين، فيما تراجعت شعبية الحزب الليبرالي نقطتين مقارنة بشهر أيار/مايو، لكنها ظلت متقدمة على المحافظين بفارق ضئيل. وتُظهر هذه الأرقام أن الكنديين يعطون كارني “فرصة”، لكنهم يراقبون عن كثب.
قد لا تكون مئة يوم كافية للحكم على حكومة وُلدت في سياق سياسي واقتصادي متوتر، لكن من المؤكد أن كارني بدأ يُرسي ملامح مشروع سياسي جديد يتقاطع فيه الطموح مع البراغماتية. فهل يتمكن من تحويل كندا إلى نموذج عالمي في الاستقلال السياسي والعدالة الاجتماعية؟ أم أنه سيصطدم بجدران واشنطن وبالاستقطاب الداخلي؟ الإجابة ستتضح في الأشهر القادمة، حيث ستدخل كندا مرحلة اختبارات أكثر حدة، داخليًا وخارجيًا، في ظل عالم لا يرحم المترددين.




