عـدالةٌ فـي الظّـل: محاكِمُ الهجرةِ الأمريكيّة تُخفِي أَسماء مُحامي الحُكومة
في تطور صادم يُهدد جوهر العدالة الشفافة في الولايات المتحدة، بدأت محاكم الهجرة الفيدرالية في نيويورك منتصف يوليو 2025 بحجب أسماء محامي هيئة الهجرة والجمارك الأميركية (آي سي إي) عن جلسات التقاضي، في خطوة غير مسبوقة تثير مخاوف قانونية وأخلاقية عميقة، وفتحت الباب أمام ممارسات سرّية تُقوّض ثقة الرأي العام بمؤسسات القضاء.
القرار، الذي لم يُعلن رسميًا ولم تُصدر بشأنه مذكرة قانونية واضحة، جرى تبريره بدوافع “الخصوصية”، وسط تغييرات وصفها القضاة بأن “الأمور تغيرت مؤخرًا”، دون شرح لماهية هذه التغييرات. غير أن خبراء قانونيين وحقوقيين اعتبروه انتهاكًا صارخًا لمبدأ الشفافية ومساءلة ممثلي الدولة أمام القضاء. المحامية وخبيرة أخلاقيات المهنة إليسا ستيغليش، من جامعة تكساس، وصفت الخطوة بأنها “سابقة خطيرة تقوّض آليات المحاسبة وتمنح ممثلي الحكومة حماية غير قانونية من الرقابة والمساءلة”.
في جلسة غير مسبوقة داخل محكمة الهجرة الفيدرالية في نيويورك، رفضت القاضية شا شا شو ذكر اسم محامية هيئة الهجرة والجمارك التي كانت تطالب بترحيل طالبي لجوء، مكتفية بالقول: “نحن لا نذكر الأسماء علنًا”. بينما كانت أسماء القاضية، المهاجرين، ومحاميهم واضحة للجميع. وهو ما وصفه مراقبون بأنه تحول نحو “محاكم سرية”، تفتقر إلى الشفافية الأساسية التي يجب أن تقوم عليها العدالة.
قاضية أخرى، جيمس مكارثي في مانهاتن السفلى، اتخذت نهجًا مشابهًا، حيث استخدمت مصطلح “الإدارة” بدلًا من ذكر أسماء محامي الحكومة، في تجاهل واضح لمبدأ الشفافية. وفي هذه الجلسات، لم يعترض دفاع المهاجرين، ربما خشية تأجيج الموقف أو عدم إدراك تداعيات هذا التغيير.

وتبررت هذه الإجراءات من قبل مسؤولي إدارة الأمن الداخلي الأميركي، عبر رئيستها كريستي نويم، بدوافع حماية موظفي هيئة الهجرة والجمارك من “الاستهداف” أو “نشر معلومات شخصية”، لكن لا توجد بيانات ملموسة تدعم حجم هذه المخاطر، مما يطرح شكوكًا حول مصداقية هذه المبررات، التي يراها مراقبون مجرد ذريعة لإخفاء هوية ممثلي الحكومة وتجنب المساءلة.
وبالفعل، يرى النقاد أن إخفاء أسماء محامي الحكومة وتحويل قاعات المحاكم إلى فضاءات سرية يشكلان محاولة لتشكيل “شرطة سرية” تقمع طالبي اللجوء وتمنع الرأي العام من معرفة هويات المسؤولين الذين يمثلون الحكومة داخل المحاكم.
من الناحية القانونية، تُعد محاكم الهجرة كيانات إدارية تابعة لوزارة العدل وليست جزءًا من السلطة القضائية المستقلة، ما يجعلها عرضة لتوجيهات سياسية ويمنح السلطة التنفيذية نفوذًا واسعًا على قراراتها. ورغم أن القضاة يتمتعون بصلاحيات قانونية، فإنهم لا يحظون بالحماية الدستورية الكاملة، ويخضعون لإشراف إداري مباشر يحد من استقلالهم.

تقارير موثوقة تشير إلى أن أقل من 1% من قرارات محاكم الهجرة تُنشر للعلن، بينما تبقى غالبية الجلسات مغلقة أمام الجمهور والإعلام، ما يعكس بيئة قضائية مغلقة تعزز التعتيم على الانتهاكات المحتملة.
ولا يقتصر الأمر على إخفاء الأسماء فقط، بل يتزامن مع تكثيف اعتقال المهاجرين داخل قاعات المحكمة، بما فيهم من حضروا لجلسات قانونية طوعية أو لتسوية أوضاعهم. مصادر إعلامية أميركية أكدت رفع دعاوى قضائية ضد وزارة الأمن الداخلي، تتهمها بـ”تحويل قاعات المحكمة إلى مصائد للترحيل”، ما يشكل خرقًا واضحًا لحقوق التقاضي، ويزرع الخوف في نفوس المهاجرين.
الجدل المحتدم حول هذه الممارسات يُنذر بتصعيد قانوني وسياسي، ويطرح تساؤلات حول مستقبل محاكم الهجرة في الولايات المتحدة، خاصة إذا لم يتم التعامل مع هذه الممارسات عبر تدخلات تشريعية أو مراجعات قضائية شاملة تعيد الاعتبار لسيادة القانون والشفافية.
وبحسب تعبير محامين بارزين: “حين تختبئ الحكومة خلف السرية، يتحول القانون من درع إلى سلاح، وتفقد العدالة معناها الحقيقي”. ويضيفون أن عدم كشف أسماء محامي الحكومة يمثل تخلّيًا عن المبادئ الأساسية للشفافية والمساءلة، ويحوّل المحاكم إلى أدوات تنفيذية لا ساحات للفصل المحايد بين الدولة والفرد.




