رأي

رمزُ السّنغال “باسيرو فاي” في مُواجهة الفرنكفونيّة وإنهاء الهيمنة الفرنسيّة

باسيرو فاي يشق طريق السيادة السنغالية، محطمًا قيود الفرانكفونية والهيمنة الفرنسية! – الصورة لـ رويتـرز

على مدى عقودٍ طويلة، حافظت فرنسا على نفوذٍ متجذّر في مستعمراتها الإفريقية السابقة، لا عبر إرثها الاستعماري المباشر فحسب، بل من خلال منظومة متكاملة شملت السياسة والاقتصاد والجيش والثقافة، عُرفت لاحقًا باسم “الفرانس أفريك”. ورغم موجات الاستقلال السياسي التي شهدتها القارة، استمر هذا النفوذ من خلال القواعد العسكرية، والتحكم في الموارد، وفرض أنماط اقتصادية ونقدية أعاقت تشكّل سيادة وطنية مستقلة. كما امتد هذا النفوذ إلى اللغة والتعليم، حيث استُخدمت الفرنسية أداةً للحفاظ على الهيمنة الثقافية والسياسية، ما كرّس تبعية النخب المحلية لمراكز القرار في باريس.

غير أن السنوات الأخيرة شهدت تحولات متسارعة على الصعيدين السياسي والثقافي، مع تصاعد خطاب رافض للهيمنة الفرنسية في عدد من دول غرب إفريقيا، وفي مقدمتها السنغال. ففي أبريل/نيسان 2024، وصل باسيرو ديوماي فاي، مفتش الضرائب السابق الذي لم يشغل منصبًا عامًا من قبل، إلى رئاسة البلاد، عقب انتخابات حامية أعقبت احتجاجات شعبية واسعة ضد نظام ماكي سال. وقدّم فاي، وهو أصغر رئيس في تاريخ السنغال بعمر 44 عامًا، نفسه بوصفه رمزًا للقطيعة مع مرحلة طويلة من الارتهان للنفوذ الفرنسي، متعهدًا بمحاربة الفساد، وتقليص الفوارق الاجتماعية، واستعادة القرار الوطني، ما شكّل نقطة تحوّل في المزاج السياسي السنغالي.

ولم تقتصر وعوده على الخطاب، بل تُرجمت إلى خطوات عملية ذات دلالات سياسية وثقافية واضحة. ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2024، طلب فاي من باريس سحب نحو 350 جنديًا فرنسيًا من الأراضي السنغالية، منهِيًا بذلك اتفاقية دفاعية استمرت لعقود، في مسار يتقاطع مع خطوات مماثلة اتخذتها دول مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر. وفي ديسمبر/كانون الأول من العام نفسه، أعلن عن إنشاء وكالة حكومية لإعادة تسمية الشوارع والساحات العامة بأسماء شخصيات سنغالية، في محاولة لتفكيك الرموز الاستعمارية المترسخة في الفضاء العام، وإعادة الاعتبار للذاكرة الوطنية.

وتجاوز هذا التوجه الرمزي البعد الخارجي ليطال المجال المعرفي والتعليمي. فالوكالة الحكومية الجديدة لم تقتصر مهامها على إعادة تسمية الأماكن، بل امتدت إلى مراجعة كتب التاريخ المدرسية، في إدراك واضح بأن الهيمنة الاستعمارية لم تكن عسكرية أو اقتصادية فقط، بل معرفية وثقافية أيضًا.

تبدو معركة السيادة الوطنية مرتبطة بشكل مباشر بإعادة كتابة التاريخ، وإعادة تشكيل الوعي الجمعي للأجيال الجديدة، بما يجعلها أكثر وعيًا بجذور الهيمنة، وأقدر على ممارسة السيادة المعرفية والثقافية.

وفي هذا السياق الرمزي، أعاد فاي إحياء ذكرى “مذبحة تياروي” خلال الذكرى الثمانين لها في الأول من ديسمبر/كانون الأول 2024. وتعود المذبحة إلى ديسمبر 1944، حين طالب جنود سنغاليون قاتلوا ضمن الجيش الفرنسي خلال الحرب العالمية الثانية بمستحقاتهم المالية وتعويضاتهم الحربية، فقوبلت مطالبهم بإطلاق النار عليهم داخل معسكر تياروي قرب داكار، بتهمة التمرد. وبينما اعترفت السجلات الرسمية الفرنسية بمقتل عشرات الجنود، تشير تقديرات مؤرخين إلى سقوط مئات الضحايا، دُفن معظمهم في مقابر جماعية، ما جعل تياروي رمزًا لواحدة من أكثر جرائم الاستعمار الفرنسي إنكارًا في غرب إفريقيا. وخلال مراسم الذكرى، وضع فاي والضيوف الأجانب أكاليل الزهور في المقبرة العسكرية الرمزية بحضور عائلات الضحايا، مؤكدًا أن النضال من أجل العدالة لا يمكن محوه من الذاكرة الجمعية. كما أعلن عن فتح حفريات أثرية في الموقع، وإدماج تاريخ تياروي ضمن المناهج الدراسية، في خطوة تربط الماضي بالحاضر، وتُعيد إنتاج الوعي بما يعزز الهوية الوطنية.

وعلى الصعيد الاقتصادي، ورغم الطموحات الكبيرة التي أعلنها فاي ضمن خطة “السنغال 2050”، والتي تهدف إلى رفع متوسط الأجور بنسبة 50٪ خلال خمس سنوات، مع التركيز على الإنتاج المحلي والاستثمار في قطاع الطاقة، فإن شريحة واسعة من السكان لم تلمس بعد تحسنًا ملموسًا في ظروفها المعيشية. ففي الأشهر التي تلت توليه المنصب، شهد الاقتصاد مؤشرات انتعاش، مع توقع صندوق النقد الدولي نموًا بنسبة 7٪ في 2024 و10٪ في 2025، مدعومًا بمشاريع التنقيب عن النفط التي أُعيد التفاوض بشأنها تحت إشرافه. ومع ذلك، لا يزال الواقع الاقتصادي صعبًا بالنسبة لكثير من السنغاليين، إذ لم تُترجم الوعود بعد إلى فرص عمل حقيقية أو زيادة ملموسة في الدخل، مؤكدين أن خفض تكاليف المعيشة يجب أن يتصدر الأولويات قبل أي سياسات بعيدة المدى. وكما يقول بعضهم: “لقد قاتلنا من أجل الرئيس باسيرو ديوماي فاي وعثمان سونكو، لكن الوضع في البلاد الآن لا يطمئن. عليهم خفض تكاليف المعيشة قبل أي شيء آخر”.

ولا تقتصر هذه التحولات على السنغال وحدها. ففي الفترة نفسها، تبنت مالي سياسات مماثلة، حيث جرى تغيير أسماء شوارع رئيسية في باماكو لتكريم رموز المقاومة الوطنية، مثل الكابتن سيكو تراوري، في استحضار واضح لشخصيات قاومت السيطرة الفرنسية، بما يعكس توجهًا إقليميًا متناميًا نحو إعادة كتابة التاريخ وتفكيك الإرث الرمزي للفرانكفونية.

وفي مسار موازٍ، سارت الجزائر في اتجاه مشابه، ولكن عبر أدوات قانونية، إذ أعلن البرلمان الجزائري في ديسمبر/كانون الأول 2025 قانونًا يُصنّف الحكم الاستعماري الفرنسي جريمة، ويطالب بالاعتذار والتعويض عن المآسي التي خلّفتها حقبة الاستعمار. وينص القانون على تحميل فرنسا المسؤولية عن التجارب النووية، والقتل خارج نطاق القانون، والتعذيب، ونهب الموارد، مؤكدًا أن التعويض الكامل عن الأضرار المادية والمعنوية حق غير قابل للتصرف للدولة والشعب الجزائري. ورغم أن القانون لا يحمل قوة تنفيذية دولية، فإن أثره السياسي بالغ، إذ يمثل قطيعة واضحة مع السياسات السابقة، ويضع المساءلة التاريخية في صلب الإطار القانوني الجزائري، مؤكدًا أن الذاكرة الوطنية غير قابلة للمحو أو المساومة.

ويتقاطع هذا المسار “الجزائري” مع أطروحات المفكر فرانز فانون حول الاستعمار، الذي لم يكن يراه مجرد هيمنة سياسية، بل منظومة شاملة تمتد إلى الثقافة واللغة والاقتصاد، وتهدف إلى الإبقاء على سيطرة المستعمِر حتى بعد الاستقلال الرسمي. وكما يؤكد فانون، فإن الاستقلال السياسي وحده لا يكفي، بل يتطلب الأمر تحرير الوعي الجمعي واستعادة الكرامة الوطنية، وهو ما تعكسه سياسات باسيرو فاي في السنغال، من خلال تفكيك رموز الفرانكفونية، ومساءلة الهيمنة الفرنسية الرمزية والفعلية، وإعادة الاعتبار للهوية والثقافة الوطنية.

ورغم أن طريق الاستقلال الاقتصادي الكامل لا يزال محفوفًا بالتحديات، فإن الخطوات الرمزية والاقتصادية والقانونية التي اتخذتها كل من السنغال والجزائر تعكس وعيًا متزايدًا بأن إنهاء الاستعمار ليس لحظة تاريخية عابرة، بل عملية مستمرة لتفكيك أشكال السيطرة القديمة بأدواتها الجديدة. فمن خلال إعادة تسمية الشوارع، ومراجعة المناهج الدراسية، وفتح النقاش حول الفرنك الإفريقي، وسَنّ القوانين التي تُجرّم الحكم الاستعماري، تسعى الدول الإفريقية إلى بناء سيادة وطنية متكاملة، تجمع بين البعد الرمزي والسياسي والاقتصادي، ضمن مشروع وطني وإقليمي أوسع.

وبناءً على ذلك، لا تبدو مواجهة باسيرو فاي للفرانكفونية، ولا المسار القانوني الذي انتهجته الجزائر، ولا غيرها من المبادرات الإفريقية الراهنة، مجرد إجراءات رمزية أو ردود فعل ظرفية على إرث استعماري قديم، بل تعكس توجهًا عميقًا لإعادة بناء السيادة الوطنية على أسس معرفية وثقافية وسياسية جديدة. إنها مساعٍ تهدف إلى ترميم الوعي الجمعي، وتمكين الأجيال الصاعدة من إعادة قراءة تاريخها خارج السرديات الاستعمارية، واستعادة الحق في إنتاج المعرفة وصناعة القرار بحرية واستقلال، ضمن حركة إفريقية أوسع تسعى إلى تفكيك أشكال الهيمنة القديمة، مهما تبدلت أدواتها ومسمياتها.

كاتب

تنويه | الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبه حصراً، ولا تعكس بالضرورة التوجّه التحريري لمؤسسة "هنا كندا" الإعلامية

د. نـهاد محـمود

باحثة متخصصة في الشؤون الإفريقية | القاهـرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل