“من كندا إلى إيران”: كيف حطَّم ترمب قواعد النّظام الدولي؟

إن الخطاب السياسي الذي تبنّاه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مثّل تحولًا جذريًا في طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة الأمريكية والحلفاء والخصوم على حد سواء. في الوقت ذاته سيطرت على هذا الخطاب نبرة نقدية حادة للنظام الدولي ومحاولة للانقلاب على كل الأسس والقواعد التي قام عليها النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، في محاولة جادة لتحديد أولويات السياسة الخارجية الأمريكية على أساس مقاربة أكثر قومية وبراغماتية.
وتركّز هذا الخطاب على قضايا رئيسية، منها الهجرة غير النظامية، وانتشار المخدرات، وتدفق اللاجئين، والحدود المفتوحة. وبدا ذلك واضحًا في علاقة واشنطن مع حلفائها التقليديين في الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وكندا، فقد عمل ترمب على دفع هذه الدول إلى إعادة التفكير بجدية في طبيعة التحالف التقليدي بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية.
فترمب لم يتحدث بلغة السياسة التقليدية، ولم يلتزم بالقواعد، بل كسر القواعد بحد ذاتها، حيث كانت رسالته أن المصالح الأمريكية يجب أن تأتي أولًا في السياسة الخارجية، والتجارة، والهجرة، والقرارات العسكرية، والاتفاقيات والمؤسسات الدولية التي ينظر إليها دائمًا بنظرة من الشك والتحفظ.
حاول ترمب إعادة صياغة توجه الولايات المتحدة في العالم، وشكك في جدوى المؤسسات الدولية القائمة، وأصبح يتبنى توجهًا نحو إعادة استخدام أدوات القوة الصلبة والضغوط الاقتصادية في السياسة الخارجية الأمريكية، وهذا شكّل تحولًا كبيرًا في الخطاب السياسي الأمريكي وترك تأثيرات واضحة على بنية النظام الدولي القائم وعلى موقع الولايات المتحدة فيه.
الرسوم الجمركية واستخدامها كسلاح تجاري
ومن هنا عمل ترمب على تقديم نفسه بأنه المنقذ للولايات المتحدة الأمريكية من الخطر الكبير الذي يحيط بها والمتمثل بسياسات العولمة والحدود المفتوحة والعضوية في المنظمات الدولية واقتصاد السوق الحر والاتفاقيات التجارية. فانطلق إلى الانسحاب من عدد من المنظمات الدولية، ومن جانب آخر استخدم سياسة فرض الرسوم الجمركية كأداة انتقام من تلك الدول سواء الشريكة أو المنافسة.
وأصبحت سياسات ترمب الجمركية الهاجس الأكبر على صعيد الاقتصاد العالمي، ودخل في مفاوضات تجارية مع الصين وبريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي وكندا والمكسيك ودول أخرى من أجل إعادة تعريف وصياغة العلاقة التجارية بين الولايات المتحدة وهذه الدول.
فلم تكن الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية وليدة اللحظة، بل هي قائمة منذ سنوات، ولكن ترمب عمل على تأجيج تلك الحرب وإشعالها من جديد. وكانت نتيجة تلك الحرب انخفاض التبادل التجاري بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية.
على صعيد المجتمع الأمريكي فإن حوالي سبعين في المئة من الأمريكيين يعارضون الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب، وهذا يعود إلى انعكاساتها السلبية على السوق الأمريكي، وخاصة انهيار البورصة، وحصول التضخم والانكماش الاقتصادي وتراجع قيمة الدولار، إضافة إلى الرفض الدولي لتلك الرسوم، إذ واجهت رفضًا عالميًا.
ولم تقتصر تلك الرسوم على الصين وحدها، بل أعلن ترمب الحرب التجارية على كندا والمكسيك، أقرب الدول جغرافيًا إلى الولايات المتحدة الأمريكية، ومن ثم فرض رسومًا جمركية على بريطانيا والاتحاد الأوروبي ودول أخرى في العالم، في تحدٍ واضح لسياسات التجارة الدولية المعتمدة بين الدول.
المحكمة الأمريكية تنتصر للدستور
في ظل سياسة التخبط في القرارات والأوامر التنفيذية على الصعيد الداخلي الأمريكي، لم تكن السلطة القضائية غائبة عن هذا السجال، فقد كان لها موقف حاسم في الكثير من القضايا، حيث أوقفت الأوامر التنفيذية التي أصدرها الرئيس ترمب وجمّدتها، وحكمت ببطلانها وعدم مشروعيتها لتعارضها مع الدستور الأمريكي.
ومن جانب آخر أصدرت المحكمة العليا الأمريكية قرارًا يحمل أبعادًا دستورية واقتصادية عميقة، وقضت بإلغاء الخطة الشاملة التي اعتمدتها إدارة ترمب لفرض رسوم جمركية، مما فتح السجال من جديد بين حدود السلطة التنفيذية في إدارة السياسة الاقتصادية وتداعيات ذلك على الاقتصاد الأمريكي والعالمي.
وحصل القرار على أغلبية ستة قضاة مقابل ثلاثة، واعتبرت أن ترمب تجاوز صلاحياته الدستورية عندما استند إلى قانون الطوارئ الاقتصادية الصادر عام 1977 لتبرير فرض تلك الرسوم. وتجاوز أثر القرار الجدل الدستوري الداخلي، بل وصل صداه إلى الصعيد الدولي، لأنه يعني إلغاء الرسوم الجمركية المفروضة بنسبة خمسة عشر في المئة، مما يتيح للشركات المتضررة المطالبة باسترداد المبالغ المالية التي قامت بدفعها استنادًا إلى تلك الرسوم.
ترمب في مواجهة “كندا، غرينلاند، فنزويلا“
عمل ترمب على تحطيم المعادلات التقليدية بقلب المعادلات القائمة، مندفعًا نحو تعزيز نهج “أمريكا أولًا” القائم على القومية الاقتصادية واستخدام القوة الصلبة عند الضرورة. هذا التوجه تمثل في تطلعاته لضم جزيرة غرينلاند، ودعوته إلى أن تصبح كندا الولاية الحادية والخمسون في الولايات المتحدة الأمريكية، والإطاحة بالرئيس الفنزويلي واعتقاله.
فقد مثلت تلك القضايا الرئيسية حدثًا مفصليًا غير مسبوق، لا يقتصر تأثيره على العلاقة الأمريكية مع الدنمارك وكندا وفنزويلا فقط، بل يتجاوز ذلك ليطال بنية النظام الدولي والتوازنات التي سادت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم، ما يعكس حجم التداعيات السياسية والاستراتيجية لهذه الخطوة التي قوبلت بالرفض والعناد من قبل الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وكندا وغالبية دول العالم.
رؤية ترمب للعلاقة مع كندا ودول أمريكا اللاتينية والعالم
جاءت استراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي تم إقرارها في نوفمبر من عام 2025 لتعبر عن رؤية الرئيس ترمب للداخل الأمريكي وللعلاقة مع الدول المجاورة، خاصة كندا ودول أمريكا اللاتينية. وكانت ملامح تلك الاستراتيجية تركز على الاهتمام الأمريكي بالنصف الغربي من الكرة الأرضية، واعتبار أمريكا اللاتينية “الفناء الخلفي” للولايات المتحدة.
وتمثل تلك المقاربة إحياءً عمليًا لمبدأ الرئيس جيمس مونرو، الذي أُعلن في القرن التاسع عشر لمنع التدخل الأوروبي في شؤون القارة الأمريكية، لكن بصيغة معاصرة تستهدف اليوم الصين وروسيا وبريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي، كون ترمب يعتبر تلك الدول أكثر المستفيدين من العلاقة الاستراتيجية مع القارة الأمريكية الجنوبية وكندا.
ومن جانب آخر كان هناك تحولات واضحة من قبل قادة الدول الأوروبية وكندا في موقفهم من سياسات ترمب، وتجلى ذلك في مؤتمر ميونخ للأمن ومنتدى دافوس الاقتصادي، إذ صرّح عدد من قادة الدول الأوروبية، وعلى رأسهم المستشار الألماني والرئيس الفرنسي، بحدوث تحول كبير في النظام الدولي، وأن النظام الدولي الذي سيطر على العالم بعد الحرب العالمية الثانية قد انتهى، وذلك يعود إلى سياسات ترمب الخارجية.
أما رئيس الوزراء الكندي فقد قدم خطابًا تاريخيًا في منتدى دافوس الاقتصادي أعلن فيه نهاية “النظام الدولي القائم على القواعد” الذي قادته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، ووصف الوضع الحالي بأنه انفصال وتمزق وليس مجرد انتقال، وأن “القوى الكبرى لم تعد مقيدة بأي قيود”. ودعا الدول المتوسطة مثل كندا إلى الاتحاد والعمل معًا لمواجهة الضغوط والإكراه من القوى الكبرى، واستخدم الاقتباس الشهير: “إذا لم نكن على الطاولة، فسنكون على الطبق”.
كما طالب بتعزيز القدرات الداخلية في القطاعات الحرجة (مثل الطاقة، التكنولوجيا، المعادن النادرة)، وتنويع التجارة والشراكات (مع آسيا وأوروبا، بما في ذلك الصين بحذر)، مؤكدًا أن كندا تتبنى سياسة واقعية قائمة على القيم، وأنها سوف تدافع عن سيادتها وستبني تحالفات جديدة لتجنب التبعية أو الخضوع لأي جهة كانت.
انقسام أمريكي حول الحرب على إيران
نفذت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومًا على إيران في 28 شباط/فبراير 2026. وقال ترمب إن العملية التي تقودها الولايات المتحدة تهدف إلى القضاء على البرامج النووية والصاروخية الإيرانية، وتدمير أسطولها البحري، وتغيير قيادتها. هذا الخطاب واجه معارضة من الحزب الديمقراطي الأمريكي الذي رفض هذه الحرب وأعلن أن ترمب تجاوز صلاحياته الدستورية بعدم الحصول على موافقة الكونغرس الأمريكي لإعلان الحرب.
ولم يقتصر الأمر على الحزب الديمقراطي، بل إن هناك نخبًا في الحزب الجمهوري أعلنت معارضتها لهذه الحرب، إضافة إلى أن استطلاعات الرأي تؤكد معارضة حوالي ستين في المئة من المجتمع الأمريكي لهذه الحرب.
تنويه | الآراء الواردة في هذا المقال تعبّر عن وجهة نظر كاتبه حصراً، ولا تعكس بالضرورة التوجّه التحريري لمؤسسة "هنا كندا" الإعلامية