الضّغط المعيشيّ يزداد: الكنديّون قلِقُون من ارتفاع الأسعار رغم استقرار الاقتصاد
مع مطلع هذا العام، تواجه كندا مفارقة صارخة بين الأرقام الرسمية وشعور المواطنين. فبينما تشير بيانات التضخم إلى استقرار نسبي عند نحو 2.2%، ويستمر سوق العمل في التماسك، يشعر الكنديون يوميًا بضغط متزايد على ميزانياتهم، خصوصًا في المواد الغذائية والسكن.
في المتاجر الكبرى، حيث تتكدس علب الحساء والمواد الأساسية على الرفوف، يختبر المستهلكون واقع الأسعار بشكل ملموس، فيدركون أن التحسن الإحصائي لا يعكس بالضرورة حياتهم اليومية، لتبرز هذه الفجوة بين المؤشرات الرسمية وتجربة المواطنين كالسمة الأبرز للمشهد الاقتصادي والاجتماعي.
الفجوة بين البيانات الرسمية وإحساس الأسر بالضغط المالي
أحدث استطلاع توقعات المستهلكين الصادر عن بنك كندا يظهر أن القلق ما يزال يهيمن على تفكير الأسر، مع توجه حذر في الإنفاق. فالأسر تتوقع استمرار ارتفاع التضخم على المدى القريب، مدفوعًا بالرسوم الجمركية والتوترات التجارية مع الولايات المتحدة، كما تتصاعد مخاوفها من فقدان الوظائف وعدم القدرة على سداد الديون.
وبينما أشار بعض المشاركين إلى تحسن طفيف في فرص الحصول على وظائف جديدة أو الانتقال طوعيًا إلى وظائف أخرى، تظل التوقعات العامة للمستهلكين دون مستويات ما قبل جائحة كوفيد-19 وأدنى من الفترة التي سبقت النزاع التجاري مع واشنطن.
كلير فان، كبيرة الاقتصاديين في بنك رويال كندا، أكدت أن الفجوة بين شعور المستهلكين والبيانات الرسمية “اتسعت طوال العام الماضي”، مشيرة إلى أن الاعتقاد بأن أسوأ فصول الحرب التجارية قد مرت “صحيح إلى حد كبير على المستوى الكلي”. لكنها حذّرت من استمرار الغموض حول مستقبل العلاقة التجارية بين أوتاوا وواشنطن، بما يشمل الوضع القانوني للرسوم الجمركية ومصير اتفاقية التجارة بين كندا والولايات المتحدة والمكسيك “كوسما”.

وشهد الاقتصاد الكندي العام الماضي، 2025، أداءً أقوى من المتوقع، حيث تمكنت البلاد من تجنب ركود تقني، وحافظ معدل التضخم على مستواه المستهدف من قبل بنك كندا، بينما بدأ سوق العمل في التعافي بعد تباطؤ مؤقت. ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال غالبية الأسر تشعر بأن سوق العمل ضعيف، لا سيما في القطاعات الأكثر تأثرًا بالتجارة الدولية. وأظهر استطلاع المستهلكين أن نحو نصف المشاركين يرون أن كندا نجحت في تفادي أخطر آثار الحرب التجارية، بينما يعتقد 28% أن الأسوأ لم يأت بعد، ما يعكس مزيجًا من التفاؤل الحذر وسط استمرار حالة من الضبابية الاقتصادية.
ومع استقرار التضخم العام، لا يزال المواطنون يشعرون بارتفاع الأسعار اليومية، خصوصًا في الغذاء والسكن. تضخم أسعار البقالة ارتفع إلى 3.5% في 2025 مقابل 2.2% في 2024، وفق بيانات هيئة الإحصاء الكندية. مايك فون ماسو، أستاذ اقتصاد الغذاء في جامعة غويلف، أوضح أن “المستهلكين يستجيبون نفسيًا أكثر للأخبار السيئة من الإيجابية، لذلك يشعرون بارتفاع الأسعار بشكل أكبر في المتاجر لأن النفقات ملموسة ومتكررة”.
ويعكس ذلك الواقع اليومي للعديد من المواطنين، مثل براد بيرغ من كالغاري، الذي قال: “كلفة المعيشة ترتفع باستمرار، لذلك أقلل من إنفاقي وأبحث عن العروض وأخزن ما أستطيع. القهوة، اللحم، كل شيء يرتفع. تعيش مع ذلك، لا يوجد الكثير مما يمكنك فعله. أشتري الأشياء المخفضة وأضعها في الفريزر، فقط أفعل ما أحتاجه”. شهادات من هذا النوع توضح كيف يواجه المواطنون الضغوط اليومية بالرغم من مؤشرات الاستقرار الكلي.

ثقة ضعيفة لدى الشركات وسط ضبابية اقتصادية مستمرة
المشهد لا يختلف كثيرًا على صعيد الأعمال، حيث أظهر استطلاع بنك كندا أن ثقة الشركات ضعيفة رغم تراجع بعض الضغوط المرتبطة بالرسوم الجمركية. نحو ثلث الشركات أفادت بتراجع المبيعات خلال الاثني عشر شهرًا الماضية، فيما تظهر التوقعات المستقبلية تحسنًا محدودًا دون المتوسطات التاريخية، ما يشير إلى نمو متواضع وحذر. ورغم أن غالبية الشركات لا تتوقع تفاقم الآثار السلبية للتوترات التجارية، فإن الحذر يظل السمة الغالبة في التسعير والتوظيف، مع تراجع خطط الاستعداد لركود اقتصادي، ما يعكس ثقة حذرة وليست تفاؤلًا كاملًا.




