إقتصاد

الاقتصادُ الكنديّ تحت الضّغط: انكماش وتراجع الصّادراتِ في ظلّ تقلّباتِ السّوق

انكماش الاقتصاد الكندي 1.6% وتراجع الصادرات 7.5% يحذّر كارني وماكليم من تقلبات السوق وضغوط الرسوم الجمركية، مع تحديات مستمرة للنمو واستقرار الاقتصاد الوطني

يواجه الاقتصاد الكندي تحديات متعددة، تتراوح بين تأثيرات الرسوم الجمركية الأمريكية، وتقلبات سوق العمل، والسياسات النقدية المحلية. وتشير البيانات الرسمية والتصريحات الحكومية إلى مشهد اقتصادي معقد يتطلب استجابة استراتيجية من السلطة الفيدرالية.

أظهرت بيانات هيئة الإحصاء الكندية أن الناتج المحلي الإجمالي انكمش بنسبة 1.6% في الربع الثاني من عام 2025، وهو أول انكماش فصلي منذ عامين، نتيجة انخفاض حاد بنسبة 7.5% في الصادرات، وهو أكبر انخفاض منذ خمس سنوات بسبب الرسوم الجمركية الأمريكية. وساهم ارتفاع الإنفاق الحكومي بنسبة 5.1% في التخفيف من حدة الانكماش، إلا أن الاقتصاد واصل تراجعه في يونيو مسجلاً انخفاضًا بنسبة 0.1% للشهر الثالث على التوالي.

وشهد سوق العمل فقدان حوالي 40,800 وظيفة، ما رفع معدل البطالة إلى 6.9%، مع تأثير أكبر على القطاعات المرتبطة بالصلب والألومنيوم والسيارات. ونقلت “كنديان برس” عن مسؤولين أن بعض الشركات أوقفت خطط التوظيف أو قامت بتسريح العمال، فيما أظهرت البيانات أن بعض القطاعات أكثر تعرضًا لتقلبات السوق مقارنة بغيرها، مما أثار تحذيرات الخبراء حول استقرار سوق العمل على المدى القريب.

تراجع أداء الاقتصاد الكندي في 2025 يضع قطاع الصلب والصناعات التحويلية تحت ضغط الرسوم الجمركية الأميركية وتقلبات السوق العالمية، وسط تحذيرات من انعكاسات سلبية على التوظيف والنمو – الصورة لـ رويترز

السياسات النقدية والدعم الحكومي للقطاعات الإنتاجية

أبقى بنك كندا سعر الفائدة الرئيسي عند 2.75%. ونقلت “رويترز” عن المحافظ تيف ماكليم قوله إن البنك قد يلجأ لتخفيض الفائدة إذا استمر ضعف الاقتصاد، شريطة أن تظل ضغوط التضخم تحت السيطرة، مشيرًا إلى ثلاثة سيناريوهات محتملة تتعلق بالرسوم الجمركية: استمرارها، خفضها، أو زيادتها.

ومن جانبها، اتخذت الحكومة الكندية خطوات لتعزيز التجارة الخارجية ودعم القطاعات الإنتاجية. ونقلت “أسوشيتد برس” عن رئيس الوزراء مارك كارني قوله إن الحكومة ستزيل العديد من الرسوم الجمركية الانتقامية على السلع الأمريكية، باستثناء السيارات والصلب، لتعزيز العلاقات التجارية ضمن اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (USMCA)، مؤكداً أن هذه الإجراءات تعيد التجارة الحرة لمعظم السلع بين البلدين وتدعم الاقتصاد الكندي.

كما أعلن كارني تخصيص 1.2 مليار دولار كندي لدعم منتجي الأخشاب اللينة، تشمل 700 مليون دولار كندي كضمانات قروض و500 مليون دولار لتطوير المنتجات وتنويع الأسواق، لمواجهة الرسوم الجمركية الأمريكية المضادة. وأضاف أن الحكومة تدرس تدابير لدعم مزارعي الكانولا المتأثرين بالرسوم الصينية الجديدة، مع التركيز على تنويع الأسواق وتقليل الاعتماد على سوق واحد والسعي لحوار بناء مع الصين لحل القضايا التجارية.

وعلى صعيد المالية العامة، طلب وزير المالية من الوزارات تقييم الإنفاق وإيجاد مدخرات، مع التركيز على تقليل التكرار وإعادة تخصيص الأموال إلى المشاريع ذات الأولوية. وحددت الحكومة أهدافًا لتقليل الإنفاق بنسبة 7.5% في السنة المالية 2026-2027، يليها 10% و15% في السنوات اللاحقة، بهدف تحقيق وفورات مالية طويلة الأمد وتعزيز الاستدامة المالية.

وحذرت تقارير صادرة عن بنوك كندية ومنظمات مالية دولية من أن استمرار الرسوم الجمركية وارتفاع العجز المالي قد يضغط على النمو ويزيد من معدلات البطالة الجزئية. كما أشار البنك الدولي ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية إلى أن ضعف الاقتصاد العالمي، خصوصًا في الولايات المتحدة والصين، سيؤثر مباشرة على صادرات كندا ويحد من قدرة الحكومة على تحقيق نمو مستدام.

انكماش الاقتصاد الكندي بأكثر من المتوقع في الربع الثاني لا يقتصر أثره على تراجع حركة التجارة والصادرات، بل ينعكس مباشرة على القدرة الشرائية للمواطنين، حيث يجد الكثير من الكنديين صعوبة متزايدة في مواجهة ارتفاع الأسعار وتكاليف المعيشة وسط ضغوط اقتصادية عالمية – الصورة لـ رويترز عبر ماركت سكرينر

تقديرات النمو والانتعاش الجزئي

أظهرت التقديرات الأولية لشهر يوليو نموًا طفيفًا بنسبة 0.1%، مما يشير إلى إمكانية حدوث انتعاش اقتصادي في الربع الثالث، رغم هشاشة الوضع. وحذرت الدراسات الاقتصادية من أن أي تصعيد في النزاعات التجارية أو استمرار العجز المالي قد يؤدي إلى تأثيرات أوسع على القطاعات الإنتاجية والخدماتية.

تحديات القطاع الصناعي وإعادة التوازن الاقتصادي

ويواجه القطاع الصناعي تحديات مزدوجة، تتمثل في ضغط الرسوم الجمركية على الصادرات وتراجع الطلب المحلي على بعض المنتجات نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج. وأكد الخبراء أن دعم الحكومة للقطاعات الأساسية ضروري، لكنه لن يكون كافيًا ما لم تُصحب الإجراءات بسياسات نقدية ومالية مرنة.

وأوضح محللون اقتصاديون أن إعادة التوازن بين التجارة الخارجية والاستثمارات الداخلية تمثل أولوية قصوى للحكومة، مشددين على أن قدرة كندا على التكيف مع الضغوط الخارجية ستحدد مستقبل النمو خلال الفترة المقبلة. وتظل مراقبة البيانات الرسمية للبنك المركزي وهيئة الإحصاء، بالإضافة إلى تصريحات المسؤولين، أدوات أساسية لفهم توجهات الاقتصاد الكندي واتخاذ قرارات مستنيرة من قبل المستثمرين والقطاع الخاص.

ويشكل الأداء الاقتصادي خلال أغسطس 2025 مزيجًا من الانتعاش الجزئي والضغوط المتصاعدة، حيث توضح البيانات والتحليلات أن قدرة كندا على التكيف مع التحديات الحالية تعتمد على تكامل السياسات النقدية والمالية، ومرونة القطاع الخاص، وفعالية التدخل الحكومي لدعم القطاعات الأكثر تأثرًا بالتوترات التجارية الدولية.

يواجه الاقتصاد الكندي اختبارًا حقيقيًا في التعامل مع التحديات الخارجية والداخلية، مع دور حاسم للحكومة المركزية في توجيه السياسات الاقتصادية وضمان استقرار النمو المستدام خلال الأشهر القادمة، وفق تصريحات المسؤولين والمحللين الاقتصاديين الغربيين.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل