أمريكا الشمالية

وزارةُ الأمن الدّاخلي الأمريكيّة تُغلق رسميّا وسط أزمة سياسيّة حادّة وخلاف حول إنفاذ الهجرة

دخلت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية في إغلاق جزئي رسمي ابتداءً من منتصف ليل الجمعة إلى السبت بعد فشل الكونغرس الأمريكي في التوصل إلى اتفاق تمويلي بشأن دعم الوظائف الحكومية والإصلاحات المقترحة على عمليات إنفاذ قوانين الهجرة، بينما غادر المشرّعون واشنطن إلى إجازة أسبوعية دون حل، مما يجعل هذا الإغلاق الثالث في أقل من ستة أشهر في ظل إدارة دونالد ترامب.

ومع انتهاء التمويل، توقفت الموارد المخصصة لعدد من برامج وزارة الأمن الداخلي، مما يعني أن الموظفين “غير الأساسيين” سيتم وضعهم في إجازة غير مدفوعة الأجر، بينما يستمر معظم موظفي الأمن الحيوي والعمليات الأساسية في العمل دون رواتب فورية إلى أن يتم تمرير قانون تمويل جديد.

ويؤثر الإغلاق على حوالي 13% من القوى العاملة المدنية الاتحادية ويشمل وكالات مثل إدارة أمن النقل، ووحدة إدارة الطوارئ الفيدرالية، وخفر السواحل الأمريكي، رغم أنه من المتوقع أن تستمر معظم عمليات إنفاذ الهجرة بسبب وجود تمويل مسبق كبير مخصص لبعض الوكالات مثل الهجرة والجمارك وحماية الحدود من تشريع سابق.

ووفقًا لخطة الطوارئ الحديثة للوزارة، سيظل نحو 91% من الموظفين يعملون دون أجر، مما قد يؤدي إلى توتر في الخدمات، خاصة في المطارات والمناطق الحساسة للاستجابة للكوارث إذا طال الإغلاق دون حل سريع.

يتحدث زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ جون ثون للإعلام بينما يواجه أعضاء الكونغرس موعدًا نهائيًا منتصف ليل الجمعة للتوصل إلى اتفاق لتمويل وزارة الأمن الداخلي، في مبنى الكابيتول بالعاصمة واشنطن، 12 فبراير، لكن المفاوضات الرسمية لا تزال مجمدة ولم يتم إحراز أي تقدم حتى الآن، ما يعكس استمرار التوترات السياسية وتأثيرها على الإغلاق الجزئي والخدمات الحيوية – الصورة لـ رويترز عبر سي آس مونيتور

الإغلاق: ماذا يحدث وما تأثيره الفوري؟

يرتكز الجدل الذي أدى إلى الإغلاق على مطالب الديمقراطيين بإدخال إصلاحات صارمة على سلوك وكلاء إنفاذ الهجرة بعد سلسلة من الأحداث المثيرة للجدل، من بينها وفاتان أمريكيتان في مينيابوليس خلال عمليات إنفاذ القانون الفيدرالي، وهو موضوع أثار موجة من الغضب الشعبي والضغط السياسي.

وطالب الديمقراطيون بإجراءات مثل الحصول على أوامر قضائية قبل دخول الممتلكات الخاصة، وتفعيل كاميرات الجسم، وتحديد واضح للهوية، وإجراء تحقيقات مستقلة في حالات استخدام القوة، مطالب يصفونها بأنها ضرورية لضمان المساءلة والحد من الممارسات الاستفزازية.

من جانبهم، رفض البيت الأبيض وعدد من الجمهوريين هذه المطالب، معتبرين أنها ستعيق قدرة الوكلاء على تنفيذ سياسات الهجرة الصارمة التي تشكل جزءًا من برنامج ترامب، بينما اتهم الرئيس الديمقراطيين بالتصرف بعقلية غير معقولة، وقال: “نحن نتحدث، لكن علينا حماية إنفاذ القانون”.

وقد أدت هذه الخلافات إلى فشل تمرير قانون التمويل في مجلس الشيوخ، حيث رفض غالبية الديمقراطيين دعم النص بسبب عدم وجود إصلاحات كافية، في حين لم يتمكن الجمهوريون من تجاوز عائق الفيتو البرلماني للتوصل إلى نص بديل.

ومع استمرار التوترات مع تركيز الإعلام والرأي العام على تداعيات سياسات الهجرة على الانتخابات النصفية، أظهر استطلاع للرأي أن غالبية الناخبين يدعمون إصلاحات على وكالة الهجرة والجمارك ويطالبون بالحصول على أوامر قضائية قبل أي عمليات تفتيش. وأظهرت النتائج أيضًا انخفاضًا كبيرًا في دعم السياسات الحالية لإعادة الترحيل وارتفاع مستويات القلق العام حول الحوادث التي وقعت في مينيابوليس.

وواصل الرئيس ترامب تشديد موقفه، قائلا: “أنا أعلم ما يريده الديمقراطيون وما يمكنهم تقبله. الديمقراطيون أصبحوا مجانين.” بينما المفاوضات الرسمية لا تزال مجمدة، غادر عدد من أعضاء مجلس الشيوخ والنواب واشنطن لحضور مؤتمر ميونيخ للأمن، مع إمكانية استدعائهم في حال حدوث تقدم في المفاوضات.

تُعرض صور رينيه جود وأليكس بريتي، اللذين قُتِلا على يد ضباط فدراليين للهجرة في مينيابوليس، خلف النائب بنّي تومسون، ديمقراطي من ولاية ميسيسيبي، أثناء جلسة لجنة في مجلس النواب على هضبة الكابيتول في واشنطن العاصمة، في 10 فبراير 2026 – الصورة لـ وكالة الأنباء الفرنسية | غيتي إيماجيس عبر تايــم

الصراع السياسي حول الهجرة والانقسام في واشنطن

الإغلاق الحالي يقتصر على وزارة الأمن الداخلي فقط، مما يجعله الأضيق في التاريخ الحديث، لكنه سريع التأثير على المطارات وخدمات الطوارئ ومراقبة السواحل. تشير التقديرات إلى أن أول رواتب الموظفين غير المدفوعة ستصرف في أوائل مارس إذا استمر الإغلاق.

وستواصل وكالات الجمارك وحماية الحدود عملياتها الإنفاذية بدعم من تمويل مسبق بقيمة 170 مليار دولار، منها 75 مليار دولار مخصصة للترحيل، مما يمنح الإدارة القدرة على متابعة عمليات ترحيل المهاجرين حتى بدون قانون تمويل جديد.

أدت حوادث مينيابوليس، بما في ذلك وفاة رينيه جود وأليكس بريتي واحتجاز الأطفال والمنازل دون أوامر قضائية، إلى زيادة الضغط الشعبي للمطالبة بإصلاحات، وأظهرت استطلاعات الرأي أن 54% من الناخبين المحتملين يؤيدون وقف تمويل وزارة الأمن الداخلي حتى يتم اعتماد هذه الإصلاحات، بما في ذلك استخدام كاميرات الجسم وإجراء تحقيقات مستقلة.

تعكس صور رينيه جود وأليكس بريتي ووكلاء الهجرة الفدراليين في مينيابوليس تصاعد العنف وتراجع الثقة في إنفاذ القانون، مع استمرار التحقيقات وكشف تضارب الروايات، ما يفاقم الانقسامات السياسية حول الهجرة والسيطرة على الأجهزة الأمنية – الصورة لـ غيتي إيماجيس عبر كومون دريم

التداعيات الأوسع: داخليًا وخارجيًا

من الناحية التشغيلية، قد يؤدي الإغلاق إلى توتر في خدمات إدارة أمن النقل ووحدة إدارة الطوارئ الفيدرالية وخفر السواحل الأمريكي، مع احتمال تأثر العمليات غير الطارئة والاستجابة للكوارث، رغم أن العمليات الأساسية مستمرة.

سياسيًا، يمثل الإغلاق مؤشرًا على الانقسام العميق في واشنطن، خصوصًا فيما يتعلق بملف الهجرة، ويُظهر صعوبة التوافق على القوانين الحيوية في حكومة منقسمة، مع انعكاسات محتملة على الانتخابات النصفية وعلى صورة الولايات المتحدة دوليًا أمام حلفائها وشركائها في ملفات الطوارئ والهجرة والأمن.

وبحسب آراء بعض المراقبين، لا يعد الإغلاق الجزئي لوزارة الأمن الداخلي مجرد توقف إداري عابر، بل هو تجسيد لتفاقم الخلافات السياسية حول الهجرة وإنفاذ القانون، مع تأثيرات ملموسة على الوظائف الحيوية والخدمات العامة والثقة المؤسسية، وهو مؤشر على التحديات المستمرة التي تواجه النظام السياسي الأمريكي.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل