سـياحة و سـفر

رسومٌ جديدة على المنتزّهاتِ الأمريكيّة تُعمّق عزوف الكنديّين عن السّفر جنوبًا

رُسوم بقيمة 100 دولار على الزوّار الأجانب في إطار سياسة "أميركا أولًا" تُعيد رسم خريطة السفر إلى المتنزّهات الأميركية وتكشف تراجعًا غير مسبوق في السياحة الكندية يصل إلى 90٪.

أوتـاوا – لم تعد زيارة المتنزهات الوطنية الأميركية تجربة طبيعية مفتوحة للكنديين كما كانت سابقًا. ابتداءً من مطلع عام الجاري 2026، أصبح على غير المواطنين الأميركيين، بمن فيهم الكنديون، دفع رسم إضافي قدره 100 دولار أمريكي للشخص الواحد، فوق رسوم الدخول المعتادة، لزيارة مجموعة من أشهر المتنزهات الوطنية في البلاد. خطوة جديدة تأتي في إطار سياسة «أميركا أولًا» التي يتبناها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لكنها تحمل أبعادًا تتجاوز الجانب المالي لتصل إلى رسائل سياسية وسياحية ذات تأثير عميق.

القرار، الذي أعلنت عنه وزارة الداخلية الأميركية، يشمل أحد عشر متنزهًا تُعد من أبرز الوجهات الطبيعية، من بينها غراند كانيون، يلوستون، يوسمايت، زيون، روكي ماونتن، وغليشر. وقد شكلت هذه المواقع عنصر جذب رئيسيًا للكنديين، سواء عبر الرحلات البرية العابرة للحدود أو من خلال السفر الجوي إلى مدن قريبة واستكمال الرحلة برًا.

تكلفة إضافية.. ورسالة غير مرحّبة

بالنسبة لقطاع واسع من الكنديين، لا تُعد الرسوم الجديدة مجرد زيادة مالية، بل تُقرأ على أنها إشارة إلى تراجع الترحيب بالزوار من الشمال. خبراء في قطاع السفر يرون أن القرار يعزز شعور الكنديين بأن الولايات المتحدة لم تعد وجهة مريحة أو مرحّبة كما كانت سابقًا.

وقالت شبكة “غلوبال نيوز” إن ماكنزي ماكميلان، الشريك الإداري في مجموعة سفر بمدينة فانكوفر، وصف القرار بأنه “عائق إضافي أمام الكنديين الراغبين في زيارة الولايات المتحدة”، مضيفًا أن الرسوم الجديدة ” قد تُفهم على أنها رسالة غير مرحِّبة بالكنديين الراغبين في الاستمتاع بالمتنزهات الوطنية الأميركية”.

تراجع غير مسبوق في حجوزات السفر

تأتي الرسوم الجديدة في وقت يشهد فيه السفر الكندي إلى الولايات المتحدة تراجعًا حادًا. بيانات من وكالات سفر كبرى تشير إلى انخفاض يقارب 90٪ في الحجوزات المتجهة إلى الولايات المتحدة مقارنة بالعام الماضي، وهو مستوى يقارب الانكماش الذي شهده القطاع خلال ذروة جائحة كوفيد-19.

وأشار ماكميلان إلى حجم التراجع قائلًا: “نشهد، على مستوى وكالتنا، انخفاضًا يقارب 90٪ في الحجوزات المتجهة إلى الولايات المتحدة مقارنة بالعام الماضي، وهو مستوى قريب مما شهدناه خلال ذروة جائحة كوفيد-19”. وأضاف أن هذا التراجع لا يقتصر على السياحة الترفيهية، بل يشمل السفر المرتبط بالأعمال والمؤتمرات، حيث باتت شركات كندية تنصح موظفيها بتقليل السفر غير الضروري إلى الولايات المتحدة، في ظل حالة عدم اليقين السياسي وتشديد الرقابة على المعابر الحدودية.

الكنديون باتوا يواجهون رسومًا إضافية قدرها 100 دولار لدخول التراب الأميركي، مما دفع كثيرين إلى إعادة التفكير في السفر جنوبًا – الصورة لـ غلوبال نيوز

فريـق كـندا” واعتبارات الهوية

يرى أكاديميون ومحللون في السياسات العامة أن ما يحدث يتجاوز قرارات سياحية أو اقتصادية، ليصل إلى مستوى الهوية الوطنية. فقد برز خلال الأشهر الماضية ما يشبه “نهج فريق كندا”، حيث تتقاطع مشاعر الفخر الوطني مع قرارات استهلاكية وسياحية واعية، تهدف إلى توجيه الإنفاق نحو الداخل الكندي أو وجهات دولية بديلة.

وبحسب شبكة “غلوبال نيوز”، قالت لوري ويليامز، الأستاذة المشاركة في دراسات السياسات العامة بجامعة ماونت رويال في ألبرتا: “نلاحظ مستوى متقدمًا من الفخر الكندي ونهجًا شبيهًا بــ “فريق كندا” عبر مختلف المقاطعات. العديد من الأشخاص يسافرون إلى الولايات المتحدة على مضض ولأسباب مهنية فقط”.

ويشير الخبراء إلى أن التغير الجاري في سلوك المسافرين قد لا يكون مؤقتًا. فمع اكتشاف وجهات وأسواق بديلة، يكوّن كثير من الكنديين أنماطًا سياحية جديدة، مما يعني أن عودة السفر الكندي المكثف إلى الولايات المتحدة، حتى بعد انتهاء ولاية ترامب، ليست مضمونة. وقالت ويليامز: “كثير من المسافرين سيطوّرون أنماطًا جديدة من العلاقات مع وجهات خارج الولايات المتحدة، وقد لا يعودون إلى السفر إليها حتى بعد انتهاء ولاية دونالد ترامب”.

المخاوف الأمنية.. عامل إضافي

إلى جانب الرسوم والسياسة، تلعب المخاوف الأمنية دورًا متزايدًا في قرارات السفر. خلال العام الماضي، انتشرت تقارير عن إخضاع مسافرين أجانب لتدقيق مشدد على الحدود الأميركية، أو احتجازهم لساعات دون توضيحات كافية. هذه الحالات تركت أثرًا نفسيًا واضحًا لدى الرأي العام الكندي.

وقال ماكميلان: “شهدنا خلال الأشهر الماضية قصصًا عن تشديد التدقيق على المسافرين الأجانب أو احتجازهم عند الحدود دون أسباب واضحة، وهو ما جعل كثيرًا من الكنديين يعيدون التفكير في السفر إلى الولايات المتحدة”.

المتنزهات الوطنية.. من مورد عام إلى أداة سياسة

تاريخيًا، اعتُبرت المتنزهات الوطنية الأميركية رمزًا للطبيعة المفتوحة والتراث المشترك، وليست مجرد منشآت ترفيهية. غير أن إخضاعها لمنطق “الأولوية الوطنية” في التسعير يثير نقاشًا أوسع حول دور هذه المساحات العامة، وما إذا كانت تتحول تدريجيًا إلى أدوات سياسية واقتصادية تخدم أجندات داخلية.

يرى بعض العاملين في قطاع السفر أن الولايات المتحدة قد تعود تدريجيًا إلى موقعها كوجهة مفضلة للكنديين، لكن ذلك مرهون بتغير المناخ السياسي وتراجع حدة الخطاب الحمائي. غير أن العودة لن تكون سريعة أو تلقائية كما في السابق.

ومع ذلك، تبدو الرسوم الجديدة على المتنزهات الوطنية الأميركية حلقة إضافية في سلسلة قرارات أعادت رسم خريطة السفر الكندي. وبين حسابات الكلفة، والاعتبارات السياسية، والمخاوف الأمنية، يتضح أن عزوف الكنديين عن السفر جنوبًا لم يعد مجرد رد فعل عابر، بل تحوّل إلى ظاهرة تعكس تحولات أعمق في العلاقة بين الجارين.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل