سـياحة و سـفر

التِّكنولوجيَا الكندِيَّة في خدمةِ السِّياحة: التَّطبِيقاتُ الذَّكيّة تُعيد رسمَ خرِيطةِ السَّفر في كندا

في ظل التحوّل الرقمي العالمي، تسير كندا بخطى واثقة نحو إعادة تشكيل قطاع السياحة لديها، مدفوعة بتطورات تكنولوجية تواكب متطلبات العصر الحديث. فالسفر في كندا لم يعد مجرد تجربة تقليدية تعتمد على الجولات الورقية والدلائل المطبوعة، بل تحوّل إلى رحلة ذكية مدعومة بتطبيقات رقمية متطورة ترشد السائح خطوة بخطوة وتفتح له أبوابًا جديدة من الاكتشاف والمتعة والراحة. هذه التطبيقات لم تعد رفاهية رقمية، بل ضرورة اقتصادية واستراتيجية وطنية لدعم قطاع حيوي يمثل ركيزة من ركائز الاقتصاد الكندي.

فبحسب وزارة الابتكار والعلوم والتنمية الاقتصادية الكندية، ساهم قطاع السياحة في عام 2023 بمبلغ يناهز 42.6 مليار دولار كندي في الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يعادل 1.6% من الاقتصاد الوطني، كما حقق إيرادات إجمالية قاربت 113 مليار دولار كندي، وساهم في توفير أكثر من 1.87 مليون وظيفة مباشرة. هذه الأرقام تؤكد أن السياحة ليست قطاعًا ترفيهيًا فحسب، بل محركًا اقتصاديًا حيويًا.

ومن هذا المنطلق، أطلقت الحكومة الكندية في يوليو 2023 الاستراتيجية الفيدرالية لنمو السياحة، والتي تضمنت برنامجًا خاصًا بعنوان “برنامج نمو السياحة” خصصت له الحكومة 108 ملايين دولار كندي على مدى ثلاث سنوات، بهدف دعم الشركات السياحية الصغيرة والمتوسطة، وتعزيز الابتكار الرقمي فيها، خاصة في المناطق الريفية والنائية.

التطبيقات الذكية كانت في صميم هذا التحوّل. فقد سجل تطبيق “منتزهات كندا الرسمي” أكثر من 100 ألف تحميل حتى منتصف عام 2024، ويُعد من أبرز الأدوات الرقمية التي تقدم خدمات تفاعلية للسائح، من خرائط رقمية إلى معلومات حول المسارات وأماكن التخييم والحجوزات والخدمات الطارئة، وحتى الإرشاد الصوتي في المواقع التاريخية، دون الحاجة إلى اتصال دائم بالإنترنت. ولعل الأهم أن هذه التطبيقات ساعدت في تنشيط الحركة السياحية، حيث سجلت المنتزهات الوطنية في كندا 23.7 مليون زيارة خلال العام المالي 2023‑2024، بزيادة قدرها 6% عن العام السابق، متجاوزة لأول مرة مستويات ما قبل جائحة كوفيد-19.

تطبيق أوت ماب (OUTMAP)، وهو تطبيق مخصص لجولات التزلج صممه فيليكس جوردو، يظهر على شاشة هاتف ذكي – الصورة لـ مجلة ريفيلستوك عبر بونداري كريك تايم

كما طوّر طلاب من جامعة تورونتو تطبيقًا مخصصًا لمنتزه “روج” الحضري الوطني، يُعرف باسم تطبيق روج، ويُعد نموذجًا للشراكة الناجحة بين القطاع الأكاديمي والحكومي. يتيح هذا التطبيق للسياح جولات تفاعلية تعتمد على نظام التموضع العالمي، ويوفر محتوى تثقيفيًا وسياحيًا بعدة لغات، مع واجهة مخصصة للأطفال، ما يعزز التجربة العائلية ويجذب فئات جديدة من الزوار.

ولم تقتصر الابتكارات على المنتزهات. فهناك تطبيقات أخرى مثل تريبفيا تورز الذي يوفر جولات سياحية صوتية تعتمد على تحديد الموقع الجغرافي، وتطبيق ترانزيت الذي يساعد السياح والمقيمين على حد سواء في التنقل باستخدام وسائل النقل العام في المدن الكبرى مثل مونتريال وتورونتو وفانكوفر. كذلك، تُسهم منصات مثل بوكينغ دوت كوم وهوتيل تونايت في دعم السياحة الداخلية، من خلال توفير عروض فندقية لحجوزات اللحظة الأخيرة.

وفي سياق أكثر حساسية، أثار تطبيق أرايف كان، المخصص لتسجيل المسافرين عند الدخول إلى كندا، جدلاً واسعًا بسبب كلفته التي بلغت 59.5 مليون دولار كندي، إلا أنه يعكس توجّه الحكومة الكندية نحو رقمنة التعاملات الحدودية، وهو ما عزّز إجراءات الأمن والسلامة خلال فترات الجائحة.

الإحصاءات الرسمية الصادرة عن هيئة الإحصاء الكندية تكشف عن تعافٍ ملحوظ ومستدام في القطاع. ففي الربع الرابع من عام 2024، بلغ إجمالي الإنفاق السياحي في كندا نحو 26.4 مليار دولار كندي، منها 20 مليار دولار من السياحة الداخلية و6.4 مليار دولار من الزوار الأجانب. كما ارتفعت مساهمة السياحة في الناتج المحلي الإجمالي إلى 1.78%، وبلغ عدد الوظائف المباشرة المدعومة بالقطاع حوالي 705 آلاف وظيفة، مع نمو سنوي بنسبة 1.8%.

إن تجربة السائح في كندا اليوم أصبحت تجربة رقمية بامتياز، تبدأ من تخطيط الرحلة عبر الهاتف المحمول، وتمتد إلى الحجز والدفع، والتنقل، وحتى استكشاف المعالم والمواقع عبر تقنيات الواقع المعزز. هذه الثورة الرقمية لم تغيّر فقط سلوك الزائر، بل غيّرت أيضًا معادلة الترويج، بحيث أصبحت الوجهات الأقل شهرة تتمتع بفرصة عادلة في الوصول إلى الجمهور بفضل التسويق الرقمي والتطبيقات الذكية.

في المحصلة، تقف كندا اليوم كنموذج عالمي في إدماج التكنولوجيا في السياحة، ليس فقط لتحسين تجربة الزائر، بل لدعم الاقتصاد المحلي، وتحقيق التنمية المستدامة، والوصول إلى جمهور أوسع في زمن السرعة والذكاء الاصطناعي. إنها رحلة إلى كندا، ولكنها أيضًا رحلة داخل كندا الذكية.

كاتب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل