تراجعُ السّياحة الكنديّة في الولاياتِ المُتّحدة: إِنعكاساتُ الحربِ التجاريّة وانتعاشُ الدّاخل
مونتانا تسجّل انخفاضًا قياسيًّا بنسبة 38% في زياراتِ الكنديين خلال 2025 وسطَ توقّفِ حملاتِ الترويج، في حين يواصل الإنفاق المحليّ الأمريكيّ تعويض الخسائرِ جزئيًّا، وفق بياناتٍ رسميّة
شهد عام 2025 انعكاسًا حادًا في حركة السياحة بين كندا والولايات المتحدة، حيث سجلت الولايات الأمريكية تراجعًا كبيرًا في أعداد الزوار الكنديين، نتيجة تصاعد التوترات التجارية والسياسية بين البلدين، والتي أعادت صياغة سلوكيات السفر لدى الكنديين.
تؤكد البيانات الرسمية الصادرة عن وكالة الإحصاءات الكندية، إضافة إلى تقارير إعلامية أمريكية حديثة، انخفاضًا مستمرًا في أعداد السياح الكنديين القادمين إلى الولايات المتحدة، إذ سجّل شهر يونيو 2025 وحده تراجعًا بنسبة 33.1% في عبور الكنديين عبر الحدود البرية، وتراجعًا بنسبة 22.1% في حركة السفر الجوي مقارنة بالعام السابق، في سادس شهر متتالي من الانخفاضات.
هذا التراجع ليس وليد اللحظة فقط، بل هو نتيجة تراكمات طويلة الأمد، أبرزها التوترات السياسية بين البلدين، لا سيما تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن كندا واعتبارها “الولاية الحادية والخمسين”، بالإضافة إلى مخاوف الكنديين من إجراءات الاحتجاز والترحيل على الحدود الأمريكية، ما عزز من الشعور بعدم الود تجاه الولايات المتحدة بين الكنديين، وهو شعور يتقاسمه مسافرون من دول أخرى مثل أوروبا، الذين يفضلون التوجه نحو مقاطعات كندية مثل أونتاريو بدلاً من الولايات المتحدة، وفقًا لاستطلاع لشركة مجموعة أبحاث السياق (كونتاكست ريسيرش غروب).
من جهة أخرى، تسببت قيمة الدولار الكندي الضعيفة مقارنة بالأمريكي في تأثير مالي إضافي على قرارات السفر، لكنه ليس العامل الأبرز أو طويل الأمد في تراجع السفر.

على مستوى الولايات، فإن ردود الأفعال متباينة تجاه تراجع السياحة الكندية. فقد لجأت بعض الولايات إلى حملات تسويقية مكثفة لاستعادة الزوار الكنديين، بينما اختارت ولايات أخرى، وخصوصًا التي تعتمد بشكل كبير على السياحة الكندية، وقف تلك الحملات بعد تلقي ردود فعل سلبية من الجمهور الكندي، خاصة مع تراجع أعداد الزوار وإنفاقهم بشكل ملموس.
مثال بارز على ذلك هو ولاية مونتانا، التي تشترك في حدود طويلة مع كندا، والتي شهدت تراجعًا حادًا في زيارات السياح الكنديين. أظهرت بيانات معابر الحدود انخفاضًا في عبور الكنديين بنسبة تتراوح بين 11.7% و29.3% في المنافذ الحدودية الرئيسية بين 2024 و2025، مع تسجيل انخفاض شهري وصل إلى 38% في مايو 2025 و33% في يونيو 2025 فقط.
هذا الانخفاض أثر بشكل كبير على الاقتصاد المحلي في مونتانا، حيث تراجعت نفقات الكنديين عبر بطاقات الائتمان بنسبة 44% في أبريل 2025، بعد انخفاض سابق بلغ 56% في مارس. وأبلغت مؤسسات سياحية مثل الفنادق عن إلغاءات كبيرة للحجوزات الجماعية، مثل إلغاء مجموعة كندية حجوزات لـ70 غرفة واحتفال لـ200 شخص، ما أدى إلى خسارة تبلغ 38,000 دولار.
كما شهدت مدن سياحية كبرى في الولاية مثل كاليشيل ووايتفيش انخفاضات في الإنفاق وصلت إلى 37% و25% على التوالي خلال الأشهر الأولى من 2025، مما تسبب في أزمات مالية لعدد من المنشآت التي تعتمد بشكل أساسي على السياح الكنديين.
في ظل هذه الأوضاع، أوقفت بعض مكاتب السياحة في مونتانا حملاتها الترويجية في كندا مؤقتًا، بسبب الردود السلبية وعدم وجود إشارات من الحكومتين الأمريكية والكندية على تحسن العلاقات. وأوضحت ديان ميدلر، المديرة التنفيذية لمكتب “ديسكوفر كاليشيل”، أن الأجواء السياسية السلبية وركود الحجوزات لا تسمح بالاستمرار في الحملات الترويجية، وأنه لا جدوى من التسويق دون وجود دعم سياسي يضمن عودة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية عبر الحدود.
رغم ذلك، لم يكن الوضع كله قاتمًا في مونتانا، إذ شهدت السياحة الداخلية الأمريكية في الولاية ثباتًا مع زيادة في الرحلات القصيرة والحجوزات اللحظية، خاصة مع توجه المزيد من الأمريكيين لقضاء عطلات داخلية ضمن الولاية أو من الولايات المجاورة. استمر مطار “غليسيير بارك” الدولي في تحقيق أرقام قياسية في أعداد الصعود إلى الرحلات، مع زيادة قدرها 12% في يونيو 2025 مقارنة بالعام السابق.
ويعد منتزه “غليسيير” الوطني أبرز معالم السياحة في مونتانا، حيث استقطب 44% من إجمالي الزوار في الولاية، أغلبهم من السياح الأمريكيين المحليين، مع ارتفاع بنسبة 12% في أعداد الزوار خلال النصف الأول من 2025 مقارنة بالفترة نفسها من 2024، وهو ما يعكس أهمية السياحة الداخلية في تعويض جزء من الخسائر.

على الصعيد العام، تعتبر السياحة الكندية إلى الولايات المتحدة ذات أهمية اقتصادية كبيرة، إذ زار 20.4 مليون كندي الولايات المتحدة في 2024، وأنفقوا حوالي 20.5 مليار دولار أمريكي، وفقًا لرابطة السفر الأمريكية. لذا، فإن انخفاض بنسبة 10% فقط في أعداد الزوار يعادل خسارة محتملة تتجاوز 2 مليار دولار، الأمر الذي أثر بشكل واضح في ولايات مثل فلوريدا وكاليفورنيا ونيفادا ونيويورك وتكساس، والتي تعتمد بشكل كبير على السياح الكنديين.
شهدت نيويورك انخفاضًا بنسبة 32% في أعداد الزوار الكنديين خلال النصف الأول من 2025، مع تأثير ملموس على قطاعات التسوق والفنادق والفعاليات الثقافية، فيما سجلت ميشيغان ومدنها مثل ديترويت وآن أربور انخفاضات بنسب تصل إلى 35%.
أما فلوريدا، الوجهة الشتوية المفضلة للكنديين، فسجلت تراجعًا بنسبة 28%، ما أثر سلبًا على قطاع الرحلات البحرية والمنتجعات الفاخرة.
في المقابل، استفاد قطاع السياحة الداخلي الكندي من هذا التراجع، حيث ارتفع الإنفاق السياحي المحلي بنسبة 2% إلى 4% خلال 2025، حسب بيانات مركز الدراسات الاقتصادية “تي دي إيكونوميكس”. توجه الكنديون إلى استكشاف متنزهات طبيعية ومدنًا كبرى مثل متنزه بانف الوطني (بزيادة 15% في عدد الزوار)، وفانكوفر (نمو 10%)، ومونتريال (ارتفاع 12%)، مع تنامي الاهتمام بالمهرجانات والفعاليات الثقافية المحلية.
دوليًا، اتجه الكنديون إلى وجهات بديلة، مع زيادة ملحوظة في السفر إلى الأرجنتين (22%)، واليابان (18%)، والدنمارك (20%)، تعبيرًا عن رغبتهم في تجارب سياحية مختلفة بعيدًا عن الولايات المتحدة.
يعكس هذا التوجه مرونة الكنديين وقدرتهم على التكيف مع الأزمات، حيث استثمرت الحكومة والقطاع الخاص في تطوير البنية التحتية السياحية الوطنية لتعزيز الجذب المحلي والدولي.
رغم حملات الولايات المتحدة المتكررة لاستعادة الزوار الكنديين، يبقى التأثير واضحًا في اقتصاديات الولايات المتضررة، مع تساؤلات حقيقية حول مدى استمرار هذا التراجع في المدى المتوسط.
تؤكد هذه المعطيات أن العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الدول تمتد لتشمل قطاعات استراتيجية كالسياحة، وأن كندا تستغل هذه المرحلة لإعادة رسم خارطة السفر والسياحة الداخلية والخارجية، في مواجهة تحديات دولية متصاعدة.




